تحضر ذكرى شهادة سيدة نساء العالمين بما تختزنه من حزن ومكانة راسخة في الوجدان، وتستدعي سيرةً تتصل بأسئلة الإنسان عن الإيمان والعدالة والأسرة والمسؤولية. وكلما اقتربنا من معاني هذه السيرة، اتسعت قدرتها على مساءلة واقعنا: كيف نعامل نساء بيوتنا؟ ماذا يتعلّم أبناؤنا من تصرفاتنا؟...

تُغلق أبواب مجلس العزاء، ويعود المعزّون إلى بيوتهم، لكن سؤال الذكرى يبقى مفتوحًا: ماذا حملنا معنا من سيرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) إلى الحياة التي تنتظرنا خارج المجلس؟ قد يستقبلنا خلاف عائلي، أو تعب أمّ، أو شكوى زوجة، أو حقّ مؤجَّل، أو حاجة إنسان لا يملك سوى السؤال. وعند هذه التفاصيل، تأخذ المحبّة امتحانها العملي؛ في كلمة نختارها، وغضب نضبطه، وظلم نرفعه، وكرامة نحفظها.

تحضر ذكرى شهادة سيدة نساء العالمين بما تختزنه من حزن ومكانة راسخة في الوجدان، وتستدعي سيرةً تتصل بأسئلة الإنسان عن الإيمان والعدالة والأسرة والمسؤولية. وكلما اقتربنا من معاني هذه السيرة، اتسعت قدرتها على مساءلة واقعنا: كيف نعامل نساء بيوتنا؟ ماذا يتعلّم أبناؤنا من تصرفاتنا؟ إلى أيّ جانب نقف عندما تتعارض العدالة مع مصالحنا؟ وماذا يبقى للمحتاج من كرامته بعد أن يتلقى مساعدتنا؟

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «فاطمةٌ بضعةٌ منّي، فمن أغضبها فقد أغضبني». يمنح هذا القول مدخلًا إلى إدراك مكانتها، وإلى فهم المسؤولية الأخلاقية التي يضعها الاقتداء بسيرتها أمام محبّيها. فالمعرفة بمقامها تدعونا إلى التوقف طويلًا عند القيم التي جسّدتها، وإلى البحث عن حضورها في علاقاتنا ومواقفنا.

ولمجالس العزاء قدرتها على إيقاظ الضمير وتعميق الارتباط بهذه السيرة. غير أن ما توقظه فينا يحتاج إلى رعاية بعد انتهاء المجلس، حتى يجد سبيله إلى السلوك. وقد يكون أصدق ما نخرج به قرارًا بمراجعة أنفسنا في أمر اعتدناه، بينما اعتاد الآخرون تحمّل أذاه بصمت.

حرمة البيت وكرامة المرأة

أولى المساحات التي تستحق هذه المراجعة هي البيت؛ المكان الذي يفترض أن يجد فيه الإنسان أمانه، وأن يستريح من قسوة يومه. لكن هذا الأمان يتصدّع عندما تصبح الإهانة لغةً للخلاف، أو يُعامل تعب المرأة بوصفه واجبًا لا يستحق الانتباه، أو يُختصر حضورها في تلبية حاجات الآخرين.

قد نحتفي بالأم في الكلام، ثم نتركها وحيدة أمام تفاصيل يوم يستهلك صحتها. وقد نثني على صبر الزوجة، من دون أن نرفع عنها عبئًا نستطيع حمله. وقد نقول للبنت إنها موضع اعتزازنا، ثم نغلق باب الحوار عندما تعبّر عن رأي يختلف عن رأينا. وهنا يحتاج التكريم إلى ما يثبته في المعاملة؛ لأن الكلمات تفقد أثرها حين تنقضها الأفعال.

قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وفي هذا التوجيه معيار يحكم الحياة الزوجية في تفاصيلها، من أسلوب الكلام إلى حفظ الحقوق ومراعاة المشاعر. كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

يضع هذا الحديث أخلاق الإنسان داخل بيته في موضع الاختبار. فحسن التعامل مع الغرباء لا يعفي من مسؤولية الرفق بالأهل، والاحترام الذي نبديه أمام الناس ينبغي أن يجده من يشاركوننا الحياة، بما فيها من تعب وضيق واختلاف.

ومن أشدّ ما يرهق العلاقة أن يعتقد أحد طرفيها أن قرب الآخر منه يبيح له جرحه؛ فيطلق الكلمات القاسية، مطمئنًا إلى أن الزوجة ستصبر، أو الأم ستسامح، أو البنت ستنسى. لكن الأذى المتكرر يترك أثره، حتى عندما يعجز صاحبه عن التعبير عنه. وصمت المتألم لا يمنح الإساءة شرعية، كما أن بقاء الأسرة تحت سقف واحد لا يكفي للحكم على سلامة العلاقة بين أفرادها.

ومن هنا، يقتضي استحضار سيرة الزهراء (عليها السلام) أن نمنح كرامة المرأة مكانًا واضحًا في مراجعتنا: أن يُسمع رأيها، ويُحترم تعبها، وتُصان حقوقها، وألّا تُستخدم حاجتها أو ظروفها وسيلةً لإخضاعها.

ويتطلب ذلك أيضًا إعادة النظر في معنى الصبر الذي نطالبها به. فالصبر قيمة عظيمة، لكنه لا يُسقط مسؤولية المسيء عن وقف إساءته. ومن غير الإنصاف أن تتحول النصائح كلها إلى الطرف المتألم، بينما يُترك من يصنع الألم من دون مساءلة. إصلاح البيت يبدأ بمواجهة أسباب الأذى، وبإلزام كل طرف بمسؤوليته، وبحماية الاحترام من الانهيار عند كل خلاف.

أما التعاون، فيظهر في أعمال ملموسة: رعاية طفل، أو متابعة دراسة الأبناء، أو تدبير حاجة منزلية، أو إتاحة وقت للراحة. وتزداد قيمة هذه المشاركة عندما تأتي بإحساس بالمسؤولية، من دون انتظار طلب متكرر أو إعلان للفضل. فالبيت الذي يسكنه الجميع يحتاج إلى جهد الجميع، بحسب القدرة والظرف.

الأبناء يقرؤون أفعالنا

يراقب الأبناء ما يجري في البيت بدقة قد لا ينتبه إليها الكبار. يتعلّمون معنى الاحترام من طريقة حديث الأب مع الأم، ومعنى العدل من التعامل مع إخوتهم، ومعنى الرحمة من ردّ الفعل على أخطائهم. وما يرونه يتكرر أمامهم يصبح جزءًا من فهمهم للحياة، حتى لو سمعوا كلامًا يناقضه.

لهذا تبدو التربية مسؤولية تتجاوز النصيحة. فالحديث عن الصدق يضع الكبير أمام التزام بالصدق، والدعوة إلى ضبط الغضب تتطلب منه أن يراجع انفعالاته، وتعليم الاعتذار يقتضي أن يكون قادرًا على قوله عندما يخطئ.

ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كونوا زينًا لنا ولا تكونوا شينًا علينا». وهو توجيه يحمّل السلوك مسؤولية التعبير عن الانتماء، ويجعل أثر الإنسان في الآخرين جزءًا من صدق اقتدائه.

وفي ذكرى شهادة الزهراء (عليها السلام)، تستطيع الأسرة أن تفتح لأبنائها بابًا لفهم هذه الصلة بين المحبّة والعمل. تروي لهم من سيرتها ما يناسب أعمارهم، وتتيح لهم السؤال، ثم تساعدهم على ممارسة معنى قريب: مشاركة أحدهم في عمل، أو زيارة قريب، أو مساندة محتاج، أو الاعتذار عن إساءة.

وينبغي أن يجد الطفل في هذه الممارسة فرصة للفهم، ومساحة للمبادرة. فإشراكه في اختيار ما يستطيع فعله يجعله أكثر وعيًا بمسؤوليته، ويمنح القيمة معنى يتصل بتجربته.

وقد يكون الدرس الأعمق موقفًا يصدر عن أحد الوالدين من دون إعداد: أب يعترف بأنه تسرّع في الحكم، أو أم تنصف طفلًا رغم غضبها منه، أو كبير يعتذر لعامل أساء مخاطبته. في هذه اللحظات، يرى الطفل أن الكرامة حق، وأن القوة لا تبيح التجاوز، وأن الخطأ يمكن إصلاحه.

أما التمييز بين الأبناء، والسخرية من ضعف أحدهم، ومقارنته الدائمة بغيره، فكلها ممارسات تستحق أن تتوقف عندها الأسرة بجدية. فالطفل يحتاج إلى من يساعده على النمو، ويمنحه الثقة بقدرته، ويحفظ له مكانته حتى عندما يتعثّر. والرحمة التي نريد أن يحملها إلى العالم يجب أن يجدها أولًا في بيته.

«الجار ثم الدار»

تروي السيرة عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنه رأى أمّه فاطمة (عليها السلام) تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وسألها عن دعائها للآخرين دون نفسها، فقالت: «يا بني، الجار ثم الدار».

وردت العبارة في سياق الدعاء، وتحمل معنى بالغ الدلالة في الالتفات إلى الآخرين، وإفساح مكان لهم في اهتمام الإنسان. ومن روح هذا المعنى يمكن أن نراجع علاقتنا بمن يحيطون بنا، ومدى انتباهنا إلى حاجاتهم وظروفهم.

تضغط المعيشة على الناس، وتستنزف المشاغل وقتهم، وقد ينحصر اهتمام الواحد منهم بما يخصّه مباشرة. ومع ذلك، يبقى قدر من المسؤولية ممكنًا؛ سؤال عن غائب، أو تفقد مريض، أو مساعدة قريب، أو عرض خدمة على جار يمر بظرف صعب.

ولا يتطلب هذا الاهتمام اقتحام الخصوصية أو تفتيش حياة الناس. فحفظ المسافة التي تريحهم جزء من احترامهم، كما أن تقديم المساعدة بهدوء قد يكون أبلغ أثرًا من كثرة الأسئلة. وبعض الأسر تحتاج إلى أن تعرف أن هناك من يمكن الوثوق به عند الضرورة، من دون الخوف من انتشار حكايتها.

وتمتد المسؤولية إلى الأذى الذي قد نصنعه نحن: ضجيج يتكرر، أو مدخل يُغلق، أو مساحة مشتركة تُهمل، أو كلام ينال من سمعة جار. مراجعة هذه التصرفات تقع ضمن قدرة الفرد، ولا تحتاج إلى انتظار مبادرة من الآخرين.

إن استحضار «الجار ثم الدار» يفتح بابًا لسؤال عملي: هل يشعر من يعيش قربنا بالطمأنينة إلى وجودنا؟ وهل يجد فينا من يحفظ خصوصيته ويكفّ أذاه عنه؟ الإجابة تبدأ بما نفعله كل يوم، وبمقدار استعدادنا لتصحيح ما نكتشفه في أنفسنا.

عطاء يصون الوجه

قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.

تحضر آيتا الإطعام في الحديث عن إيثار أهل البيت (عليهم السلام)، وتضعان أمام القارئ معنى العطاء المتحرر من انتظار المقابل. وفي واقعنا، يستحق هذا المعنى أن يقود نقاشًا جادًا حول طريقة مساعدة المحتاج، وما ينبغي أن يبقى مصونًا له وهو يتلقى العون.

فالحاجة لا تنزع عن الإنسان حقه في الخصوصية، ولا تجعل وجهه متاحًا للعرض، ولا تمنح أحدًا سلطة إحراجه. وقد يحمل كيس المساعدة نفعًا ماديًا، بينما تترك طريقة تقديمه جرحًا في نفس صاحبه. لذلك تُقاس مسؤولية العطاء أيضًا بما يحفظه من كرامة.

وتبرز هنا مسألة تصوير المستفيدين ونشر تفاصيل فقرهم. للتوثيق غايات يمكن فهمها، من بيان وصول التبرعات إلى تشجيع الآخرين على المساهمة، لكن بلوغ هذه الغايات يتطلب تقدير أثر النشر في أصحاب الحاجة وأبنائهم. ويمكن إظهار حجم العمل ونتائجه بوسائل تحمي هوياتهم، وتحفظ لهم حق الرفض من دون أن يشعروا بأن المساعدة مشروطة بقبول التصوير.

وقبل تقديم العون، يفيد أن نسأل عمّا يحتاجه صاحبه فعلًا. فقد تكون أولويته دواءً، أو أجرة نقل لطالب، أو إصلاحًا ضروريًا في بيته. الاستماع إليه يحفظ مكانته شريكًا في تحديد حاجته، ويوجّه المساعدة إلى موضعها.

كما أن الوفاء بالوعد جزء من أخلاق العطاء. فالأسرة التي تنتظر دعمًا قد ترتب عليه أمرًا ضروريًا، ثم تجد نفسها أمام عجز أشد عندما يتراجع صاحبه من دون بيان. ومن الحكمة أن يعد الإنسان بما يستطيع، وأن يوضح حدود قدرته، وأن يحافظ على انتظام ما التزم به قدر الإمكان.

بهذا الفهم، تصبح المناسبة فرصة لتأسيس عادة في التكافل، ولو كانت محدودة. فالقليل الذي يصل باحترام وفي وقته يستطيع أن يخفف عبئًا حقيقيًا، ويمنح صاحبه شعورًا بأنه لم يُترك وحده.

العدالة حين تمسّ مصالحنا

يوقظ استذكار مظلومية الزهراء (عليها السلام) شعورًا عميقًا برفض الظلم، ويضع هذا الشعور أمام مسؤولية الحاضر. فما موقفنا من ظلم يقع أمام أعيننا؟ وكيف نتصرف عندما يكون صاحبه قريبًا منّا، أو تكون لنا مصلحة في السكوت عنه؟

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.

تضع الآية معيارًا صارمًا للإنصاف؛ إذ تبلغ به الموضع الذي يصعب فيه على النفس أن تتجرد من ميلها. ويظهر أثر هذا المعيار حين نعترف بحق يخالف مصلحتنا، أو نرفض تجاوزًا صدر عن شخص نحبه، أو نراجع حكمًا تسرّعنا في إطلاقه.

فالعدالة في الحياة اليومية تتصل بمواقف محددة: حق مالي نؤخره مع قدرتنا على أدائه، أو جهد زميل ننسبه إلى أنفسنا، أو امرأة يُستهان بحقها، أو شخص نحكم عليه قبل سماعه. وفي كل موقف، يملك الإنسان قدرًا من الاختيار، وتقع عليه مسؤولية ما يستطيع تغييره.

وتحتاج الخصومات العائلية خصوصًا إلى هذا الوعي؛ لأن القرب قد يدفع إلى الانحياز التلقائي. نسمع رواية طرف واحد، ثم نتبنى غضبه ونصدر أحكامنا، وربما نشارك في إيذاء شخص لا نعرف حقيقة موقفه. والإنصاف يبدأ بالتريث، والاستماع، والتمييز بين التعاطف مع قريب وتبرير ما يصدر عنه.

ويمتد الأمر إلى مواقع التواصل، حيث تستطيع ضغطة واحدة أن توسّع دائرة الإساءة. فإعادة نشر اتهام أو صورة مهينة مشاركة في أثرها، وتقتضي التثبت قبلها. وإذا اكتشف الإنسان أنه نشر معلومة خاطئة، فإن تصحيحها والاعتذار عنها جزء من ردّ الاعتبار إلى من تضرر بها.

هنا يصبح استذكار المظلومية باعثًا على يقظة الضمير. يزيد حذرنا من أن نكون سببًا في أذى، ويمنحنا شجاعة الاعتراف حين نخطئ، ويدفعنا إلى إنصاف من نستطيع إنصافه. وقد تكون مواجهة ظلم صغير في محيطنا أول موقف جاد نترجم به ما نحمله من رفض للظلم.

تبقى ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مناسبة للحزن والوفاء والتعلّم، وتزداد ثمرتها حين تفتح بابًا لمراجعة النفس. ولكل إنسان موضع يعرف أنه يحتاج إلى إصلاح؛ كلمة قاسية تتكرر، أو حق يتأخر، أو مسؤولية يتركها لغيره، أو قطيعة يستطيع السعي إلى إنهائها.

وقد يكون هذا الإصلاح شاقًا؛ لأنه يطلب منّا تغيير عادة، أو التخلي عن مكابرة، أو الاعتراف بأننا آذينا من نحب. لكنه يمنح المحبّة أثرًا يتجاوز الشعور، ويجعل الذكرى حاضرة في حياة أشخاص قد لا يعرفون سبب التغيير، لكنهم يشعرون بخيره.

بعد مجلس العزاء، قد تنتظرنا أمّ تحتاج إلى من يخفف عنها، وزوجة تتطلع إلى كلمة تحفظ خاطرها، وطفل يريد أن يُسمَع، وصاحب حق يرجو إنصافه. هناك، في الاستجابة لهؤلاء، نستطيع أن نمنح ما سمعناه وقلوبنا خاشعةً امتدادًا في حياتنا؛ وأن نجعل من ذكرى الزهراء (عليها السلام) عهدًا نحفظ به كرامة من يعيشون معنا.

اضف تعليق