أصبحت ابنة الزعيم الأعلى للدولة الاسلامية –ظاهرياً- بيد أنها لم تكن مثل سائر الفتيات من "بنات الامتيازات والمناصب العليا"، ممن كُنّ يعبثن بآلاف الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، وإنما كانت ابنة المعهود منه: "ألا وإن أمامكم قد اكتفى من لباسه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه"، فهي لم يكن يهمها شظف العيش، لأنها ناظرة الى أفق الحياة الدنيا وخواتيمها؛ {إنّ العَاقبةَ للمُتقين}...
ربما تكون الفرحة والبهجة في ساعة ولادتها، هي الأولى والاخيرة في حياة عقيلة بني هاشم؛ السيدة زينب ابنة أمير المؤمنين، عليهما السلام، فقد عمّت الفرحة بيت الرسالة ومهبط الملائكة بأول مولود من بنات حواء بين يدي علي وفاطمة، ويالها من فرحة أن تكون زينب مصداق حديث حفيد رسول الله، الإمام الصادق، عليه السلام: "البنات حسنات، والبنون نِعمة، فالحسنات يُثاب عليها، والنعمة يُسأل عنها".
ولكن! ماذا حدث بعد ولادة السيدة زينب ياترى؟!
وماذا حلّ بالابتسامات الرقيقة في تلك اللحظات البهيجة؟!
شاءت الأقدار أن تكون مسيرة حياة العقيلة زينب محفوفة بالأحزان والمكاره والمنغّصات، وكلها من سنخ الابتلاءات الإلهية لأوليائه الصالحين، فهي من بيت يحمل لواء الرسالة السماوية الخاتمة، وما تقتضيه من تحمّل مختلف اشكال الضغوط والرزايا في طريق ذات الشوكة التي مضى عليها الانبياء والمرسلون والأولياء الصالحون كما يحدثنا عنهم القرآن الكريم، ولا غرو أن تكون حفيدة الرسول على هذا خط الابتلاء الإلهي عن طيب خاطر وإيمان عميق.
المائز في سيرة هذه السيدة العظيمة التي نسميها في الأدب الحسيني بـ "جبل الصبر" مجازاً للضرورة وحسب، وإلا فإن الجبل "لما يُقد منه وقلب المؤمن لا يُقد منه"، أنها لا تبرح الحزن والأسى طوال حياتها، ربما ما خلا بعض المناسبات العابرة لأهل بيت النبوة مثل الزواج والولادات، بيد أن الخط الرئيس هو الابتلاء بسبب ما تجني أيدي أبناء هذه الأمة على أهل بيت نبيها، فقد شهدت استشهاد جدّها المصطفى وهي في الخامسة من عمرها من العمر، وبعد أيام قلائل تشهد المصائب العظام على أمها الزهراء، وعلى أبيها أمير المؤمنين، من فاجعة اقتحام الدار، والاعتداء على ابنة رسول الله، وغصب حقها، ونكث بيعة الغدير، وإجبار أمير المؤمنين على البيعة للانقلابيين تحت حدّ السيف، ثم استشهاد أمها في أجواء مشحونة بالارهاب والقمع.
- في فترة الخمسة والعشرين سنة التي قضاها أهل البيت بعيدين عن الساحة السياسية، لم يكن سهلاً تقبّل التثقيف الخاطئ من رجال السلطة والدولة الجُدد بكل ما مغاير لسُنّة رسول الله، وثقافته ومنهجه السماوي، ومن المؤكد تطبّع الناس على "دين ملوكهم"، وهجران الأخلاق، والوجدان، والحُب، واستبدال كل هذا بالثقافة الجاهلية التي ضحى رسول الله والأخيار من اصحابه من أجل القضاء عليها نهائياً، مثل؛ ثقافة القسوة، و حبّ المال، وعبادة الذات، وانتهاك حقوق الآخرين، فكانت زينب، تلك الفتاة الصغيرة المميزة في أخلاقها وسلوكها، تجد نفسها غريبة وسط ذلك جمهور النساء، والمجتمع بشكل عام في المدينة بموقفهم المتخاذل في مسجد النبي الأكرم خلال إلقاء تلك الخطبة الفدكية الصاعقة، و ردّهم المُخجل على تذكيرهم ببيعة الغدير لأمير المؤمنين، وهي تجوب بيوت المهاجرين والانصار بأن "لو جاء ابن عمّكِ قبل هذا لما عدوناه"! ومن ثمّ تبرّمهم الغريب من بكاء أمها على رسول الله، وخاتم الانبياء والمرسلين، وهم نيام مستريحين في بيوتهم، ومطالبتهم أمير المؤمنين بأن تكفّ الزهراء عن البكاء لأنها تسبب في تصدّعهم!
- أصبحت ابنة الزعيم الأعلى للدولة الاسلامية –ظاهرياً- وهو خليفة رسول الله منذ الأيام الاولى من الدعوة الى التوحيد، بيد أنها لم تكن مثل سائر الفتيات من "بنات الامتيازات والمناصب العليا"، ممن كُنّ يعبثن بآلاف الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، ومختلف اشكال البذخ والترف، وإنما كانت ابنة المعهود منه: "ألا وإن أمامكم قد اكتفى من لباسه بطمريه، ومن طعامه بقرصيه"، ولا همّ لها بشظف العيش، فهي الناظرة الى أفق الحياة الدنيا وعواقبها وخواتيمها {إن العاقبة للمتقين}، إنما الغُصّة في القلب ممن يتسبب في الانحراف والجحود والتنكّر لفضل أهل بيت رسول الله على الأمة، ولتكون شاهدة على المصائب الجمّة التي حلّت بأبيها أمير المؤمنين، من أول قدم تزل في جماعة الناكثين (جماعة الجمل)، مروراً بالقاسطين (جماعة معاوية)، والمارقين (جماعة الخوارج)، وحتى لحظة تهديم أركان الهدى على يد أشقى الآخرين، وتلوّن محراب الصلاة بدماء وليد الكعبة.
- لا حياة هانئة لزينب وسط الدسائس والمؤامرات والاستفزازات الأموية رغم الهدنة التي وقعها الامام الحسن المجتبى مع معاوية طيلة عشر سنوات، فكانت تعيش في ظل حرب باردة بين جبهة الرسالة المحمدية، وجبهة الانحراف والتضليل الأموي، حتى حانت لحظة الغدر بالإمام المظلوم على يد أتباعه وعلى يد أعدائه في الوقت ذاته، فبعد ان شهدت إصابة أبيها في رأسه بسيف ذلك الخارجي، ها هي تشهد في عزّ شبابها إصابة أخيها بالسمّ على يد زوجته الخائنة.
- ولم تمضِ عشر سنوات حتى يحين موعد المواجهة الكبرى بين جبهة الحق وجبهة الباطل في كربلاء، وتكون شاهدة على الملحمة الخالدة، فهي لم تهتزّ لمشاهد القتل والسحق وقطع الرؤوس، وغيرها من الجرائم المريعة، بقدر ما هالها استسهال تلك الجرائم من قوم يدعون الإسلام، ويهرعون الى المساجد بعد ظهيرة العاشر من المحرم سنة 61للهجرة لأداء فريضة الصلاة، ثم يصومون في شهر رمضان، وقد قالتها للعالم وللأجيال: "ما رأيت إلا جميلا"، فالجميل الذي رأته السيدة زينب؛ التضحية، والبطولة، والصبر على البلاء الذي تجسّد في شخص الامام الحسين، عليه السلام، وإخوته، وأهل بيته، وأصحابه المُصطفين الأخيار.
إن حفيدة رسول الله لم تصبر حتى لا تجزع أمام مشاهد الأوصال المقطعة لأخيها الامام الحسين، ومن استشهد دونه، فهي "العالِمة غير مُعلّمة، والفَهِمة غير مُفهّمة"، كما وصفها الامام زين العابدين، عليه السلام، إنما صبرت على مرارة الصمت القاتل لأفراد الأمة من عامة المسلمين، ومن خاصتهم ممن رأوا رسول الله، وسمعوا كلامه، وشهدوا مواقفه وسيرته، ومن شهد عدل وسماحة أمير المؤمنين خلال فترة حكمه، رغم ذلك، شهروا سيوفهم بوجه الرسالة السماوية استجابة لنداء المال، والعقار، الجاه، والتعيين في دوائر السلطة.
- صبرٌ يتحول الى مؤسسة إعلامية كاسحة لجهاز الدعاية الأموية، فهي لم تستغرق في البكاء والنحيب واستخدام لغة العاطفة كامرأة لاستمالة الناس، وإنما انطلقت في مشروع التوعية والتثقيف على ضلالة الحكم الأموي، وأحقية أهل بيت رسول الله في إدارة شؤون الأمة وجدارتهم الحضارية، فكانت تشرح، وتبيّن، وتكشف الحقائق للناس في المدينة منذ الايام الاولى لعودتها من كربلاء، و لنتصور مدى قوة هذه المؤسسة الاعلامية المتجسد في شخص امرأة ثكلى باخوتها وأبناء اخوتها وأهل بيتها، وهي تفتقد للمال لشراء الشعراء –صُحفيوا ذلك الزمان- ولا لعقد الندوات الباذخة، وتسيير التظاهرات العارمة، واستمالة المُعجبين، وهو جميعاً وغيره كان في أيدي الأمويين، لكنها لم تسعفهم في تبرير سهم واحد رموه على معسكر الامام الحسين، فضلاً عن سائر المروعة من قتل الرضيع، وقتل الامام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس بتلك الطريقة المفجعة، وحرق الخيام وترويع النساء ثم سبيهنّ، لتكون الصاعقة التي فجرت نظام حكمهم في وقت مبكر، فيما انطلق شعاع النهضة الحسينية، والكلمة الزينبية الى آفاق العالم، والى
الأجيال مهما طال الزمن.
- وإذن؛ نحن نحتفل ونبتهج لذكرى مولد العقيلة زينب، كونها جسّدت شخصية المرأة التي حولت، بصبرها العظيم؛ الحزن والابتلاء والضغوط الى شعور عارم بالقوة والأمل في تغيير الواقع الفاسد للأمة.



اضف تعليق