يناقش المقال أثر الطلاق في تجربة عدد من الكاتبات العربيات، بوصفه لحظة كاشفة تعيد طرح أسئلة الهوية والاختيار والكرامة والعلاقة بالقيم الاجتماعية. ويتتبع أثر التجربة في الكتابة النسائية، مع التأكيد أن التمرد لا يعني رفض المجتمع، وأن بعض الكتابات قد تتحول إلى خطاب يحمّل الآخرين المسؤولية ويتجنب مراجعة الذات...

الطلاق في حياة المرأة العربية ليس انفصالًا بين زوجين فحسب، ولا هو نهاية علاقة عاطفية لم تنجح في الاستمرار كما يحدث في أيِّ مكان من العالم. في مجتمعات عربية كثيرة، يتجاوز الطلاق حدود العلاقة الخاصة ليصبح قضية اجتماعية وأخلاقية تمسُّ صورة المرأة ومكانتها وحقها في اتخاذ القرار بشأن حياتها.

قد تنتهي العلاقة الزوجية، لكن الأسئلة لا تنتهي معها، بل تبدأ أحيانًا أكثر إيلامًا من التجربة نفسها. وقد تغرق المرأة في التفكير بأسباب الطلاق، وتقييم أداء دورها، ومدى الالتزام بحق زوجها، وإمكانية البدء من جديد دون أن تحمل بقية عمرها عبء تبرير قرارها أمام الآخرين.

وبين هذه الهواجس وما تتركه من آثار نفسية واجتماعية، تتشكل واحدة من أكثر التجارب حضورًا في الكتابة النسائية العربية، حيث يصبح الطلاق، في بعض النصوص، نقطة فاصلة بين امرأة اعتادت أن تعيش وفق ما يريده الآخرون، وامرأة تحاول للمرة الأولى أن تعرف ما الذي تريده هي.

لا يمكن القول إن الطلاق هو الذي صنع تمرد الكاتبات العربيات، أو إنَّ كلَّ كاتبة مطلَّقة تحوَّلت بالضرورة إلى صوت معارض لقيم المجتمع. العلاقة بين التجربة الشخصية والكتابة أكثر تعقيدًا من ذلك، كما أن المواقف من الزواج والحرية والأسرة تختلف باختلاف البلدان والطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية والتجارب الفردية. لكنَّ الطلاق كان ولا يزال تجربة كاشفة في عدد من الكتابات النسائية؛ لأنه يضع المرأة في مواجهة مباشرة مع منظومة من التوقعات التي قد تبدو مستقرة ما دامت الحياة الزوجية قائمة، ثم تنكشف هشاشتها عندما تقرر المرأة الخروج منها.

وحين تكتب المرأة عن هذه اللحظة، فإنها لا تروي بالضرورة قصة انفصال فقط، وإنما تعيد النظر في مفاهيم تربَّت عليها طويلًا، مثل: التضحية، والصبر، والطاعة، والشرف، والواجب. وتسأل إن كانت هذه القيم قد حمتها فعلًا أم تحوَّلت، في بعض صورها، إلى أدوات لإبقائها داخل علاقة لم تعد قادرة على الاستمرار فيها.

تبدأ المشكلة، في كثير من الأحيان، قبل وقوع الطلاق بسنوات. منذ الطفولة، تتلقى الفتاة إشارات متكررة عن الزواج بوصفه غاية أساسية، وأنَّ نجاح المرأة مرتبط بقدرتها على بناء أسرة والمحافظة عليها مهما كانت الظروف.

وقد تتعلم أن الصبر فضيلة لا ينبغي التخلي عنها، والتنازل دليل على النضج، والمرأة الجيدة هي التي تعرف كيف تحتوي الخلافات، وتتحمل الصعوبات، وتضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاتها. وهذه المعاني ليست سلبية بحد ذاتها؛ فالصبر والتفاهم والتضحية المتبادلة عناصر مهمة في أي علاقة إنسانية ناجحة، لكنَّ الخلل يبدأ عندما تتحول التضحية إلى واجب أحادي الجانب، ويصبح الصبر مطالبة دائمة للمرأة بتحمل الأذى، وتُختزل المحافظة على الأسرة في استمرار الزواج مهما كان الثمن. وقد لا تفكر في الانفصال بوصفه خيارًا ممكنًا إلا بعد سنوات من محاولات الإصلاح والتأقلم، أو بعد أن تكتشف أن التنازل المتواصل لم يؤدِّ إلى علاقة أكثر عدلًا واستقرارًا.

وإذا تم اتخاذ قرار الطلاق، فالمرأة لا تواجه خسارة العلاقة وحدها، وإنما تواجه أيضًا صورة المرأة التي تعلمت أن تكوِّنها، والصورة التي يريد المجتمع منها أن تبقى عليها. هنا تكتسب الكتابة أهميتها. فالكاتبة التي تختار أن تتحدث عن الطلاق لا تكتفي بوصف ما حدث، وإنما تحاول فهم الأسباب التي جعلت استمرار الزواج يبدو واجبًا حتى عندما يصبح مؤلمًا، بينما يُنظر إلى إنهائه بوصفه خطأ يستدعي الاعتذار. وقد تكشف، من خلال تجربتها، التناقض بين خطاب اجتماعي يُمجِّد كرامة المرأة نظريًا، وخطاب آخر يطلب منها التنازل عن هذه الكرامة من أجل الحفاظ على استقرار الأسرة في الظاهر.

إنَّ المجتمع العربي ليس كتلة واحدة تتبنى موقفًا موحدًا من المطلَّقات، فهناك عائلات ومجتمعات توفر للمرأة الدعم والاحترام، وهناك بيئات تتعامل مع الطلاق بوصفه حقًا مشروعًا عندما تستحيل الحياة المشتركة. غير أن استمرار الوصمة في بعض الأوساط يجعل الانفصال تجربة تتجاوز حدود الزوجين، ويمنح الكتابة قدرة على مساءلة الأحكام التي تصدر على المرأة من دون معرفة ما عاشته فعلًا.

لعلَّ أكثر ما يجعل الطلاق تجربة مؤثرة في مسار بعض الكاتبات هو أنَّه يضعهن أمام سؤال الهوية. فالمرأة التي عرَّفت نفسها طويلًا من خلال كونها زوجة، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة بناء تصورها عن ذاتها بعد انتهاء الزواج. وقد تكتشف أن جوانب من شخصيتها ظلت مؤجلة، وأن رغباتها لم تكن غائبة بقدر ما كانت محاصرة بتوقعات الآخرين، وأن قرارات كثيرة اتخذتها لأنها كانت تخشى الرفض أو اللوم أكثر مما كانت مقتنعة بها.

هذا الاكتشاف ليس سهلًا. قد يصاحبه شعور بالوحدة، وحنين إلى الماضي، وقلق من المستقبل، وتأنيب الضمير. وقد تشعر المرأة بالراحة لأنها خرجت من علاقة مرهقة، ثم تحزن على ما فقدته منها. وقد تكون مقتنعة بحقها في الانفصال، لكنها تتألم بسبب الطريقة التي يعاملها بها المحيطون بها. فالتحرر من العلاقة لا يعني التحرر الفوري من آثارها النفسية والاجتماعية، كما أن اتخاذ قرار شجاع لا يلغي الخوف الذي يرافقه.

والكتابة تمنح هذه المشاعر مساحة لا تتوفر دائمًا في الحياة اليومية. تستطيع الكاتبة أن تضع حيرتها أمام القارئ، وتعترف بتناقضاتها، وتتحدث عن أمور يصعب قولها في محيطها الاجتماعي، أو تكتب عن غضبها من القيود التي أحاطت بها، أو خوفها من الوحدة، أو إحساسها بالذنب تجاه أبنائها، أو شعورها بأنها أمضت سنوات تحاول أن تكون المرأة التي يرضى عنها الجميع، بينما لم تسأل نفسها بما يكفي عن المرأة التي تريد أن تكونها.

وعندما تتحول هذه التجربة إلى نص أدبي، فإنها لا تبقى حبيسة السيرة الشخصية بالضرورة. فالقارئ قد يرى في حكاية امرأة واحدة صورة لأسئلة عاشتها نساء أخريات، حتى إن اختلفت ظروفهن. ويمكن أن تنتقل الكتابة من الاعتراف الفردي إلى مساءلة اجتماعية أوسع؛ لأنها تكشف أن بعض المعاناة التي تبدو خاصة ترتبط بأنماط من التربية والتوقعات والعلاقات تتكرر في حياة نساء كثيرات.

إنَّ التمرد الذي ينشأ من هذا الاكتشاف لا يعني أن المرأة ترفض الزواج بحد ذاته، أو أنها تنظر إلى كلِّ القيم الاجتماعية باعتبارها قيودًا يجب التخلص منها. قد يكون تمردها أكثر تحديدًا وعمقًا، وهو رفض اعتبار الزواج معيارًا وحيدًا لنجاحها، وعدم قياس قيمتها بقدرتها على إرضاء الآخرين، والاعتراف بحقها في الاختيار، حتى عندما لا يحظى اختيارها بالقبول الكامل.

لم تكن المرأة العربية غائبة عن الكتابة، لكن حضورها الأدبي لا يكفي لضمان أن تُروى تجاربها من وجهة نظرها الخاصة. والمرأة ظهرت في كثير من الأعمال الأدبية بوصفها أمًا أو زوجة أو حبيبة أو رمزًا للوطن والتضحية، بينما ظلت بعض تفاصيل حياتها الداخلية أقل حضورًا، خصوصًا حين تتصل بالرغبة، أو الخيبة، أو الرفض، أو الغضب، أو البحث عن الاستقلال. ومع تطور الكتابة النسائية وتنوع أشكالها، اتسعت المساحة التي استطاعت الكاتبات من خلالها تقديم المرأة باعتبارها ذاتًا تفكر، وتختار، وتخطئ، وتعيد النظر في حياتها، وليس مجرد شخصية تؤدي دورًا مرسومًا لها سلفًا.

يمكن للطلاق أن يصبح مدخلًا إلى إعادة امتلاك الحكاية. فالمرأة التي تعرَّضت للظلم بسبب انفصالها قد تجد في الكتابة وسيلة لاستعادة حقها في تفسير تجربتها، بدلًا من أن يختصرها الآخرون في كلمة «مطلَّقة». تستطيع أن تتحدث عن الظروف التي أوصلتها إلى هذا القرار، والأشياء التي فقدتها، والحدود التي لم تعد قادرة على تجاوزها، والحياة التي تحاول بناءها بعد الانفصال.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن المجتمع كثيرًا ما يتحدث عن المرأة المطلَّقة دون أن يمنحها فرصة كافية لتفسير تجربتها بنفسها. وقد تُعامل باعتبارها موضع شفقة، أو موضوعًا للشائعات، أو امرأة ينبغي مراقبة اختياراتها اللاحقة، وكأن انتهاء زواجها أفقدها حقها الطبيعي في الخصوصية والاستقلال.

حين تكتب المرأة عن حياتها، فهي تنتقل من موضع الشخص الذي يُحكى عنه إلى موقع الشخص الذي يحكي، ومن موضوع للأحكام إلى صوت قادر على مناقشة هذه الأحكام وكشف تناقضاتها. ولا تقتصر قوة الكتابة على فضح القسوة الاجتماعية، إنَّها تكمن أيضًا في قدرتها على استعادة التفاصيل الصغيرة التي تُمحى عادة من الروايات العامة عن الزواج والطلاق، والتي تتعلق بالسنوات التي حاولت فيها المرأة إصلاح العلاقة، واللحظات التي شعرت خلالها بأنها غريبة داخل بيتها، والمحادثات التي لم تستطع خوضها، والخوف من نظرة الأبناء أو الأقارب، والارتباك الذي يرافق العودة إلى الحياة بوصفها فردًا مستقلًا. هذه التفاصيل تمنح التجربة الإنسانية تعقيدها، وتمنع اختزالها في ثنائية سهلة وساذجة، تجعل كلَّ زواج سجنًا، وكلَّ طلاق انتصارًا.

تتجلى علاقة الطلاق بالتمرد عندما تكشف التجربة أن بعض القيم التي تُقدَّم باعتبارها ثوابت أخلاقية تُفسَّر بطريقة غير متكافئة بين الرجل والمرأة. على سبيل المثال، التضحية قيمة إنسانية حين تكون متبادلة، لكنها تصبح عبئًا حين يُطلب من طرف واحد أن يتحمل الخسارة باستمرار. 

والطاعة تُطرح داخل بعض العلاقات باعتبارها دليلًا على الاحترام، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تعني إلغاء رأي المرأة أو حرمانها من المشاركة في القرارات التي تمس حياتها. أمَّا الشرف، وهو مفهوم بالغ الحساسية في السياقات الاجتماعية، فقد يُستخدم أحيانًا لربط سمعة الأسرة بسلوك المرأة وحالتها الزوجية، حتى يصبح قرارها بالانفصال سببًا للتشكيك في أخلاقها، بصرف النظر عن ظروف العلاقة.

في مواجهة هذه التصورات والأحكام المسبقة والإدانة الجاهزة، قد تتجه الكاتبة إلى مساءلة المعنى الذي أُعطي لهذه القيم، أو الدعوة إلى القطيعة مع المجتمع، باعتباره ذكوريًا أبويًا تسلطيًا. وهذا التمرد يتحول إلى استعراض صوتي أجوف، فنرى المرأة تتبرأ من طغيان المجتمع بلسان، بينما تتكئ في عمق وعيها على الأغلال نفسها لتبرير عجزها. ويصير تمرد الأنثى ثورة تكتفي بالصراخ المجاني على الورق، وتتهرب من أي محاسبة حقيقية لذاتها، وكأنها تريد أن تحصد مجد المرأة المتمردة دون أن تدفع ثمن التحرر الحقيقي، أو تخلع ثوب الضحية التي باتت تستمتع بالاختباء خلف ظلها. وما يُسمَّى «ثورة نسوية» ليس سوى استعراض عاطفي باهت، يكتفي بلوم الآخرين، وتعليق الخيارات الخاطئة على شماعة المجتمع، هربًا من تحمل مسؤولية الاختيار وتبعاته.

* كاتب من الأردن

اضف تعليق