يرصد المقال أثر رفع سعر الدولار في أسعار الرز داخل كربلاء، من خلال شهادات أسر وبقالين وتجار ومقارنة بين كلفة الاستيراد والأسعار المحلية. ويكشف اتساع الفارق بين سعر الكيس عند المنشأ وسعره للمستهلك، مع تراجع القدرة الشرائية وضعف الرقابة والحصة التموينية، فيما تتحمل الأسر محدودة الدخل العبء الأكبر من...
دأب موفق جلال، وهو أب من كربلاء يعيل أسرة من سبعة أفراد، على أن يشتري كل شهر كيس رز وزنه خمسة وعشرون كيلوغرامًا، يكفي بيته حتى الشهر الذي يليه. قبل أسابيع دفع ثمنه خمسة وأربعين ألف دينار، وفي المرة الأخيرة دفع خمسة وسبعين، أي ثلاثين ألفًا فوق ما اعتاد عليه.
سألناه، كما سألنا عددًا من أهالي كربلاء، عن الأضرار التي لحقت بهم من رفع سعر الدولار، وعن طرقهم في مواجهة تداعيات القرار، فروى لنا حكاية الكيس، وقال إنه ضغط نفقات البيت إلى أقصى حد، ثم أضاف أن أبناءه وبناته ألفوا نمطًا من العيش ولا يدركون حجم الضغط الواقع عليه، وتوقف عند هذا فجأة، وجال ببصره بعيدًا عنا كأنه يبتلع إجابات لا يرى في قولها جدوى.
ففي بيت يعيش على دخل محدود، يحمل الأب وحده تفاصيل ميزانية لا يطّلع عليها أحد غيره، يقتطع من هنا، ويؤجل أو يلغي هناك، ويحاول قدر ما يستطيع ألا يشعر أولاده بما تغير.
ما يعيشه موفق تعيشه بيوت كثيرة في كربلاء منذ السابع من تشرين الأول، حين رفع البنك المركزي العراقي سعر الدولار من ١٣٢٠ دينارًا إلى ١٥٢٠، أي بنحو ١٥٪، وبلغ سعره في السوق الموازية، بعد ساعات، نحو ١٨٥٠ دينارًا في بغداد، بحسب ما نقلته وكالات الأنباء، ثم تراجع إلى نحو ١٧٠٠ دينار في بورصتي الكفاح والحارثية في الثاني والعشرين من تشرين الأول، غير أن سعر كيس الرز الهندي في كربلاء بدا كأنه في سباق مع الدولار لا بد أن يفوز فيه، فارتفع خلال أسبوعين من سعر يتراوح بين ٤٥ و٥٣ ألف دينار، بحسب النوعية، إلى ما بين ٧٥ و٨٠ ألفًا، أي بنسبة تراوحت بين ٥٠٪ و٦٧٪.
وللوقوف على ما تعيشه هذه البيوت، التقينا، إلى جانب موفق، تسعة آباء وأمهات آخرين من مهن ودخول مختلفة، بينهم معلم ومتقاعد وشرطي وكاسب وعامل بأجر يومي وأسرة تعيش على راتب الرعاية الاجتماعية، تتراوح دخولهم الشهرية بين ثلاثمئة ألف دينار ومليون ونصف، ومنهم من لا يعرف دخله إلا في آخر النهار؛ لأنه رهين بالعمل اليومي.
ويعتمد معظمهم على الرز الهندي من الدرجات المتأخرة لا الأولى، أما المتقاعد والأسرة التي تعيش على راتب الرعاية فلا يطبخان الرز إلا في المناسبات الملحة، وحظ العامل بالأجر اليومي منه أقل، فهو يكاد لا يأكله إلا في المناسبات الدينية حين توزعه المواكب مجانًا.
أما البيوت التي ربطتها بالرز الهندي علاقة وثيقة، ومنها بيت موفق، فقد شاب هذه العلاقة، منذ القرار، فتور واضح بلغ حد القطيعة في بعض الأيام، فالرز الذي حضر على الغداء كل يوم تراجع إلى ثلاث مرات أو أربع في الأسبوع، وتقدم الخبز ليسد الفراغ الذي تركه، ونزلت الأسر إلى أدنى الأصناف التي يبيعها البقال.
ويبدو أن ارتفاع سعر الرز أثّر في جوانب أخرى من احتياجات الأسر الكربلائية، ولا سيما محدودة الدخل منها، فالمال الإضافي الذي ابتلعه الكيس اقتطعته البيوت من أبواب إنفاق أخرى، فتراجعت الفاكهة بعيدًا في كثير من البيوت، وانحسر الدجاج واللحم إلى أيام متباعدة لتحل الخضار محلهما، وقلّت الوجبات الجاهزة كثيرًا بعد أن صارت عبئًا لا يحتمله مصروف البيت، فصارت صحون الغداء نفسها شاهدًا يوميًا على ما خلّفه قرار رفع سعر الدولار في معيشة هذه البيوت.
ولو أدت الحصة التموينية دورها لخففت شيئًا من هذه الضائقة، لكن ما يوزع فيها من رز لا يغني كمًا ولا نوعًا عن الأنواع التي تباع في الأسواق التجارية، فهي تنص على كيلوغرامين من الرز التايلندي للفرد كل شهر، غير أن الأسر تقول إنه لم يصل إلى كثير منها منذ شهرين، وإن الكمية لا تكفي حين تصل، ويصفه بعض المواطنين بأنه رديء أو شبه تالف ورائحته غير زكية، فتتركه أسر عديدة جانبًا، ويقف الأب بين كيس في السوق يرهق جيبه، ورز من الدولة يخاف أن يقدمه لأولاده. وحين لا تجد الأسر مخرجًا في السوق ولا في الحصة، تحمّل الدولة مسؤولية ما وصلت إليه؛ لأنها لم تضبط الأسعار، والتجار؛ لأنهم يستغلون كل أزمة.
في الطرف الآخر يقف البقال الذي تشتري منه هذه الأسر رزها، ويروي الحكاية من حيث يراها. يقول إنه اشترى الكيس قبل القرار من تجار الجملة في بغداد بين تسعة وثلاثين ألفًا وخمسة وأربعين ألفًا، بحسب النوعية، وإنه حسب ربحه فيه خمسة آلاف دينار بعد أجور النقل، أما اليوم فيشتريه، على ما يقول، باثنين وسبعين ألفًا ويبيعه بزيادة ستة آلاف.
ولا يخفي أنه رفع سعر الأكياس التي في مخزنه فور صدور القرار، مع أنه اشتراها بالسعر القديم، ويبرر ذلك بأنه سيدفع أكثر حين يشتري غيرها، وبأنه يدفع لتاجر الجملة بالدولار أحيانًا ويبيع للناس بالدينار، فإن لم يرفع السعر خسر رأس ماله.
ويلفت البقال إلى أن الغلاء هذه المرة لم يأتِ من تزاحم المشترين، وقد لا يحقق له أرباحًا، فالناس في أزمات سابقة، حين هددت الحرب مضيق هرمز، تزاحموا على شراء الرز وتخزينه، أما اليوم فالطلب ضعيف، ومع ذلك بقي السعر مرتفعًا.
أما الرقابة التجارية، فيقول إنها لم تزر دكانه منذ القرار، وهي، على أي حال، لا تملك أن تسأله عن السعر؛ لأن دورها يقف عند فحص صلاحية البضاعة للاستهلاك، والسوق في العراق تقوم على العرض والطلب لا على تسعيرة حكومية. ولأن أحدًا لا يسأل البائع عن كلفته، طلبنا نحن من البقالين الذين التقيناهم أن يطلعونا على فواتير شرائهم، فعرضها بعضهم ورفض آخرون، ولاحظنا أن الرافضين يبيعون الكيس بسعر أعلى، كما تحفّظ عدد منهم على ذكر اسمه.
في بغداد، حيث يشتري البقالون بضاعتهم، رفض تاجر جملة أن يذكر سعر شرائه، وقال إن السوق متذبذبة والدولار في صعود، وإن على التاجر أن «يأخذ احتياطاته» تجنبًا للخسارة، وإنه يستوفي الثمن بالدولار حين يضطرب سعر الصرف؛ لأنه «ثابت» بالنسبة إلى العملة المحلية.
أما المستوردون الذين يجلبون الرز من الهند عبر ميناء العقبة الأردني فرفضوا الحديث إلينا، واكتفى أحدهم بالقول إن كلفة الاستيراد ارتفعت بسبب الحرب. وأمام صمتهم، لجأنا إلى نشرات أسعار التصدير العالمية ومنصات الشحن المعلنة، لنعرف كم يكلف الكيس في بلد منشئه، وكم يكلف وصوله إلى أبواب العراق، قبل أن يمر بأيدي المستوردين والتجار.
في الهند، أكبر مصدّر للرز في العالم ومنها يأتي ما تأكله هذه الأسر، لا يتجاوز سعر الكيس من الصنف العادي في الموانئ نحو ١٠ دولارات، أي قرابة ١٥ ألف دينار بالسعر الرسمي الذي تبيع به الدولة الدولار للتجار، وهو ١٥٢٠ دينارًا، ولم يرتفع خلال الأسابيع نفسها إلا بأقل من ٤٪، بحسب نشرة الأسعار العالمية لجمعية الأغذية الفيتنامية.
وحتى بعد شحنه إلى ميناء العقبة بأجور ارتفعت بسبب الحرب، لا تتجاوز كلفته نحو ٢٧ ألف دينار بالسعر نفسه، ولا تزيد على ٣٣ ألفًا لو حُسبت بأعلى سعر بلغه الدولار في السوق الموازية، ولا تضاف إليها رسوم جمركية؛ لأن الدولة أعفت المواد الغذائية منها، فلا يبقى إلا أجر نقله برًا إلى العراق، فيما يبيعه تاجر الجملة باثنين وسبعين ألفًا، ويبقى السؤال عما يملأ المسافة بين الرقمين.
يرى الخبير الاقتصادي عبد الأمير حازم الإمارة أن كلفة الكيس حتى ميناء العقبة، إذا بلغت ٢٧ ألف دينار في أعلى الاحتمالات، فمن المنطقي أن يضيف إليها التجار نحو عشرة آلاف دينار أو ثلاثة عشر ألفًا ليحققوا أرباحًا معقولة، فيصبح سعره بين ٣٧ ألفًا و٤٠ ألفًا، بينما يدفع موفق وأمثاله اليوم ما بين ٧٥ و٨٠ ألفًا. ويقول إن التجارة في العراق لم تعد تخضع لكثير من الضوابط، فكل من يملك رأس مال يستطيع الحصول على هوية تخوله ممارستها، ولهذا يدعو إلى أن تعود الدولة إلى الإشراف على الأسعار، وأن تدخل السوق لاعبًا معتبرًا يوفر المواد الأساسية بسعر الكلفة، بدل أن يُترك التجار يعبثون بها.
كل ما تقدم من أرقام لا يعني موفق بشيء، وهو لا يريد أن يعرف شيئًا عن أسعار الموانئ ولا عن أجور الحاويات ولا عن حسابات الخبراء، فما في صدره من هموم يكفيه. يتوقع أن الكيس الذي سيشتريه في المرة القادمة لن يكون أرخص، بل ربما ارتفع ثمنه من جديد، فضاق ما بقي في يده، ويخشى أن يأتي يوم لا يستطيع فيه أن يضع هذه المادة الأساسية على مائدته بقدر ما يحتاجه أفراد أسرته، وهو خوف لا يحدّث به أولاده.




اضف تعليق