تسلط احتجاجات الحجاب في أذربيجان الضوء على تفاوت التغطية الإعلامية الغربية لقضايا حرية المرأة، مقارنة بالاهتمام الواسع الذي حظيت به احتجاجات إيران عام 2022. وبين رفض فرض الحجاب والاعتراض على منعه، تبرز إشكالية اتساق المعايير الحقوقية والإعلامية، ومدى تأثر أولويات المؤسسات الصحفية بالسياقات السياسية، رغم ارتباط الحالتين بحرية المعتقد...
أعادت احتجاجات الحجاب في أذربيجان خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026 قضية حرية المرأة إلى الواجهة من اتجاه معاكس لما شهدته إيران عام 2022. ففي إيران خرجت نساء احتجاجًا على إلزامهن بارتداء الحجاب، بينما خرجت طالبات ومعلمات في أذربيجان دفاعًا عن حقهن في ارتدائه داخل المدارس. وفي الحالتين كان جوهر القضية واحدًا: تدخل السلطة في اختيار المرأة لمظهرها الديني والشخصي.
لكن التشابه في جوهر الحق لم يقابله تشابه في مستوى الاهتمام الإعلامي الغربي. ففي الحالة الإيرانية تحولت قضية مهسا أميني والحجاب الإلزامي سريعًا إلى حدث عالمي تصدر نشرات الأخبار والمنصات الدولية، واستمر حضوره أسابيع وشهورًا، ثم تحول إلى ملف سياسي وحقوقي دولي. أما في أذربيجان، فعلى الرغم من منع طالبات محجبات من الدراسة، ومطالبة معلمات بإزالة الحجاب، وخروج احتجاجات واعتقال عشرات الأشخاص، ظل حضور القضية أقل بكثير في عدد من المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى.
هذه المقارنة تكشف ازدواجية واضحة في التعامل مع مفهوم حرية المرأة. فعندما كانت المرأة الإيرانية تطالب بحقها في خلع الحجاب، جرى تقديمها بوصفها رمزًا للتحرر ومقاومة تدخل الدولة في حياتها الشخصية. وعندما طالبت المرأة الأذربيجانية بحقها في ارتداء الحجاب، لم يحظَ هذا الاختيار بالمكانة الإعلامية نفسها، مع أن المبدأ الحقوقي في الحالتين واحد: أن تختار المرأة لباسها من دون إكراه سياسي أو إداري.
ولا تحتاج هذه الازدواجية إلى افتراض وجود تعليمات مركزية أو مؤامرة تحريرية موحدة بين المؤسسات الإعلامية الغربية. يكفي النظر إلى النتيجة العملية: حق واحد، وامرأتان تطالبان بحرية الاختيار، وسلطتان تتدخلان في لباس المرأة، لكن مستوى الاهتمام وطبيعة التأطير الإعلامي يختلفان بصورة واضحة.
إيران 2022.. حين أصبح الحجاب قضية عالمية
في سبتمبر/أيلول 2022، توفيت الشابة الإيرانية مهسا أميني بعد احتجازها على خلفية اتهامها بمخالفة قواعد الحجاب الإلزامي. وتحولت وفاتها إلى شرارة احتجاجات واسعة امتدت إلى عشرات المدن الإيرانية، ورفعت في بداياتها مطالب ترتبط بحرية المرأة ورفض الإكراه في ارتداء الحجاب، قبل أن تتوسع لتشمل مطالب سياسية واجتماعية أوسع.
وجدت القضية منذ أيامها الأولى طريقها إلى مقدمة التغطية الغربية. لم تُقدَّم بوصفها خلافًا على قواعد اللباس أو مسألة إدارية تتعلق بالنظام العام، وإنما وُضعت في إطار واضح يتعلق بحقوق المرأة والحريات الأساسية ومقاومة تدخل الدولة في خيارات الفرد.
خصصت مؤسسات غربية كبرى مساحات متتابعة للقضية. ونشر موقع أكسيوس، على سبيل المثال، تقارير متلاحقة عن الاحتجاجات، وقيود الإنترنت، وتحركات الإدارة الأميركية لمساعدة الإيرانيين على تجاوز الحجب، والعقوبات الأميركية على المسؤولين الإيرانيين، ومواقف السياسيين الأميركيين من الاحتجاجات. ولم تكن مهسا أميني مجرد خبر عابر في هذه التغطيات، بل تحولت إلى رمز متكرر لقضية أوسع تتعلق بحقوق النساء والحريات السياسية.
واستمرت التغطية حتى بعد مرور أسابيع على اندلاع الأحداث. ففي أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2022، كانت أكسيوس لا تزال تنشر مواد عن الاحتجاجات وتحركات الحرس الثوري والقمع والضحايا، بما يؤكد أن الاهتمام لم يكن محصورًا باللحظة الأولى لوفاة مهسا أميني، وإنما تحول إلى مسار إعلامي وسياسي مستمر.
كما تناولت رويترز ووول ستريت جورنال والغارديان وغيرها تطورات الاحتجاجات، والمواقف الدولية، وحالات القتل والاعتقال، والقيود على الإنترنت، وأصوات المحتجين. وأصبح شعار حرية المرأة جزءًا أساسيًا من سردية الأحداث.
اتسعت الاحتجاجات الإيرانية جغرافيًا، واستمرت مدة طويلة، وسقط خلالها مئات الضحايا وفق منظمات حقوقية، كما تحولت من قضية مرتبطة بالحجاب إلى حركة احتجاجية ذات أبعاد سياسية أوسع، وهو ما أسهم في كثافة التغطية الإعلامية واستمرارها. ومع ذلك، تكشف المقارنة مع الحالة الأذربيجانية تفاوتًا في تطبيق المعيار الحقوقي المتعلق بحرية لباس المرأة؛ إذ احتل تدخل الدولة في لباس المرأة الإيرانية موقعًا مركزيًا في التغطية، بينما جاء تدخل الدولة في لباس المرأة الأذربيجانية بدرجة أقل من الحضور والاهتمام في المؤسسات الإعلامية نفسها.
أذربيجان 2026.. المرأة تطالب بحقها في ارتداء الحجاب
بعد أربع سنوات، جاءت الحالة الأذربيجانية لتضع الخطاب الحقوقي أمام الاختبار المعاكس.
بدأ الجدل بعد تعديل قواعد الزي المدرسي في سبتمبر/أيلول 2026، وهي قواعد لم تذكر الحجاب بصورة صريحة، لكنها منعت عناصر في الملابس اعتُبرت متعارضة مع «مبدأ العلمانية» في التعليم. ومع التطبيق، بدأت طالبات محجبات يُمنعن من حضور الدروس، وطُلب من معلمات التخلي عن الحجاب أثناء عملهن.
لم تبقِ القضية في نطاق الإجراءات المدرسية. خرج طلاب وأولياء أمور للاحتجاج، وتضامن طلاب ذكور مع زميلاتهم المحجبات، ورفض بعضهم حضور الدروس، وظهرت مشاهد لطالبات يواجهن الحرمان من دخول المدارس بسبب الحجاب.
وأكدت تقارير دويتشه فيله في 13 و14 و16 أكتوبر/تشرين الأول أن الأزمة شملت منع طالبات ومعلمات محجبات من حضور المدارس، وأن احتجاجات امتدت إلى مناطق متعددة، وشارك فيها أطفال وزملاء للطالبات المتضررات. ووصفت دويتشه فيله الاحتجاجات بأنها غير مسبوقة في أذربيجان، وربطتها بصورة مباشرة بحرية الدين والتعليم.
أما ميدوزا، فنقلت أن القواعد الجديدة أعقبتها عمليات تفتيش في المدارس، وأن طالبات محجبات مُنعن من حضور الدروس، ثم اندلعت احتجاجات في باكو ومدن أخرى، قبل أن تعتقل السلطات 37 شخصًا في 12 أكتوبر/تشرين الأول. كما تحدثت تقاريرها عن مشكلات في الوصول إلى منصات التواصل بالتزامن مع الاحتجاجات.
إذن، لم تكن القضية مجرد جدل نظري حول العلمانية، بل أصبحت مسألة عملية تتعلق بحق طالبات في دخول المدرسة، وحق معلمات في ممارسة عملهن، وحق نساء في ارتداء لباس يعتبرنه جزءًا من التزامهن الديني.
ومع ذلك، لم تتحول الطالبات الأذربيجانيات إلى رموز عالمية لحرية المرأة بالطريقة نفسها التي تحولت بها مهسا أميني والمحتجات الإيرانيات إلى رموز دولية.
وهنا تبدأ الازدواجية.
الحرية عند خلع الحجاب.. والصمت عندما يُفرض خلعه
تظهر المفارقة بصورة أوضح عند النظر إلى طريقة بناء الخطاب الإعلامي حول الحجاب. ففي الحالة الإيرانية، جرى تأطير رفض الحجاب الإلزامي بوصفه قضية حرية وحقوق فردية، وأصبح هذا الإطار حاضرًا بقوة في العناوين والتقارير والتحليلات. أما في الحالة الأذربيجانية، فلم يحظَ منع الحجاب بالحضور الإعلامي نفسه، ولم يُقدَّم بالزخم ذاته باعتباره تدخلًا من السلطة في الممارسة الدينية والمظهر الشخصي.
ويكشف هذا التفاوت أن الخطاب الإعلامي لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يحدد أيضًا الإطار الذي تُفهم من خلاله القضية. فعندما يُبرز منع الدولة للمرأة من خلع الحجاب بوصفه انتهاكًا للحرية، ثم يتراجع هذا الإطار عند منع امرأة أخرى من ارتدائه، يصبح معيار التغطية غير متوازن في التعامل مع الحالتين.
في إيران، كان تدخل السلطة في فرض الحجاب عنصرًا رئيسيًا في بناء القصة الإعلامية، بينما ظهر تدخل السلطة في أذربيجان لمنع الحجاب بصورة أقل مركزية في عدد من التغطيات. وبذلك لا تكمن المفارقة في طبيعة الحجاب نفسه، وإنما في اختلاف طريقة تقديم التدخل الحكومي وفق السياق السياسي الذي تقع فيه القضية.
ومن هنا تتجلى ازدواجية الخطاب الإعلامي في أن مفهوم الحرية لا يحظى بالوزن نفسه في التغطية عندما يتغير اتجاه الممارسة الدينية؛ إذ يتحول في حالة إلى عنوان مركزي ومستمر، بينما يتراجع في الحالة الأخرى إلى عنصر ثانوي داخل سياقات سياسية أو تعليمية أوسع. وهذا التفاوت في التأطير والأولوية هو الذي يجعل المقارنة بين إيران وأذربيجان كاشفة عن اختلاف واضح في معايير المعالجة الإعلامية.
الازدواجية في صناعة الأولويات
المؤسسات الإعلامية لا تنقل الأحداث فقط، بل تشارك في تحديد أهميتها الدولية. عدد التقارير، واستمرار المتابعة، وموقع الخبر، وطريقة صياغة العنوان، واختيار الضيوف، وإبراز شهادات الضحايا، كلها عناصر تحدد ما إذا كانت القضية ستتحول إلى شأن عالمي أو تبقى خبرًا محدودًا.
في إيران، لم يكن الحجاب مجرد تفصيل في الخبر. أصبح جزءًا من الإطار الرئيسي للقصة: امرأة تُعاقَب بسبب لباسها، واحتجاجات تطالب بالحرية، وسلطة تستخدم أدوات الدولة لفرض معيار محدد على النساء.
في أذربيجان، فإن الصورة المقابلة موجودة: طالبات يُمنعن من التعليم بسبب لباسهن، ومعلمات يواجهن قيودًا على ممارسة عملهن، واحتجاجات ترفع مطلب حرية الاعتقاد. ومع ذلك، لم يظهر الاهتمام بالمستوى نفسه داخل عدد من المؤسسات الإعلامية التي جعلت حرية اللباس النسائي عنصرًا مركزيًا في معالجة الحالة الإيرانية.
وتشير مراجعة المواد التي قام عليها هذا التقرير حتى 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى أن رويترز تناولت القضية الأذربيجانية، فيما لم تظهر تغطية مباشرة مماثلة في أكسيوس ووول ستريت جورنال ضمن المواد التي جرى فحصها، في مقابل حضور كثيف ومتكرر للاحتجاجات الإيرانية في هاتين المؤسستين، ولا سيما أكسيوس.
وجود تقارير غربية عن أذربيجان، مثل تغطية دويتشه فيله، يمنع القول بوجود تعتيم غربي كامل، لكنه لا يلغي الازدواجية. فالازدواجية لا تعني غياب الخبر نهائيًا، وإنما اختلاف قيمة الحق نفسه في سلم الأولويات الإعلامية باختلاف الدولة والسياق السياسي.
عندما تتحول حقوق المرأة إلى مفهوم انتقائي
تكشف الحالتان عن مشكلة أعمق في بعض أنماط الخطاب الإعلامي الغربي بشأن المرأة المسلمة.
فالحجاب غالبًا ما يُتناول عندما يكون رمزًا للإكراه أو القمع، بينما يضعف حضوره عندما يتحول من موضوع يُفرض على المرأة إلى حق تطالب المرأة بممارسته.
وهذا يخلق صورة محدودة للمرأة المسلمة: تصبح حريتها أكثر قابلية للاحتفاء الإعلامي عندما تتحرر من ممارسة دينية، وأقل جاذبية عندما تتمسك بالممارسة نفسها بوصفها اختيارًا شخصيًا.
لكن الحرية لا يمكن تعريفها بهذه الطريقة.
إذا كانت حرية الاعتقاد تعني شيئًا، فهي تعني حق الإنسان في الاعتقاد وعدم الاعتقاد، وفي ممارسة الدين وعدم ممارسته، ضمن الحدود التي تضمن حقوق الآخرين.
وتنص المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل إظهار الدين أو المعتقد وممارسته. ولهذا فإن منع امرأة من ارتداء الحجاب يحتاج إلى مبررات قانونية وضرورية ومتناسبة، مثلما أن إجبار امرأة على ارتدائه يمثل تدخلًا في مجالها الشخصي. وهذه هي النقطة التي عرضها النص الأصلي عند المقارنة بين حالتي إيران وأذربيجان.
وعندما تتعامل التغطية الإعلامية مع جانب واحد من هذه الحرية بوصفه قضية عالمية، ثم تخفض مستوى الاهتمام بالجانب الآخر، فإنها تنتقل من الدفاع عن مبدأ الحرية إلى اختيار الصورة التي تناسب تصورًا محددًا لها.
إيران خصم.. وأذربيجان شريك
لا يمكن فصل الاختلاف في التغطية عن البيئة السياسية الدولية التي تعمل داخلها وسائل الإعلام.
إيران دولة تعيش منذ عقود في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة ودول غربية، وترتبط صورتها في الإعلام الغربي بالبرنامج النووي والعقوبات والصراع الإقليمي والعلاقة مع إسرائيل وسياساتها الداخلية. ولذلك فإن أي احتجاج واسع داخل إيران يجد نفسه سريعًا ضمن اهتمام سياسي وإعلامي قائم أصلًا.
أما أذربيجان، فلها موقع مختلف. فهي شريك مهم في جنوب القوقاز، وترتبط بعلاقات اقتصادية وأمنية مع دول غربية، ولها أهمية في أسواق الطاقة ومسارات النقل، إلى جانب علاقاتها الوثيقة مع تركيا وإسرائيل. وقد أشار النص الأصلي إلى هذه الاختلافات الجيوسياسية وإلى أثرها في ترتيب أولويات المؤسسات الإعلامية.
ولا يعني ذلك أن الصحفي الذي يكتب عن أذربيجان يتلقى توجيهًا سياسيًا بتجاهل قضية الحجاب. فالازدواجية الإعلامية لا تحتاج بالضرورة إلى قرار مباشر أو تدخل حكومي. إنها قد تظهر من خلال ترتيب الأولويات، وانتقاء القصص، واختلاف مستوى المتابعة، وتحديد ما يستحق أن يتحول إلى قضية حقوقية دولية وما يبقى خبرًا محليًا أو إقليميًا.
وهذا ما يجعل المقارنة مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من نوايا الصحفيين إلى نتائج العمل الإعلامي نفسه.
فإذا كان تدخل الدولة في لباس المرأة الإيرانية يستحق تغطية مستمرة تحت عنوان الحريات، فإن تدخل الدولة في لباس المرأة الأذربيجانية يستحق أن يُقاس بالميزان نفسه.
هل العلمانية تلغي حرية التدين؟
تستخدم السلطات الأذربيجانية علمانية التعليم إطارًا لتبرير قواعد الزي، لكن علمانية الدولة شيء، وإجبار المواطنين على إخفاء معتقداتهم شيء آخر.
الدولة العلمانية، في معناها الذي يحمي التعدد، يفترض أن تكون محايدة بين المواطنين، لا أن تجعل التخلي عن المظهر الديني شرطًا للحصول على التعليم.
والتغطية الغربية التي دافعت في حالات عديدة عن حق الفرد في مواجهة تدخل الدولة مطالبة بأن تطبق المبدأ ذاته عندما تكون المرأة مسلمة ومحجبة.
فلا يمكن أن يصبح الحجاب دليلًا على القمع عندما يُفرض، ثم يتحول إلى تفصيل غير مهم عندما يُمنع. فالمعيار الحقوقي المتسق يقول إن الإكراه مرفوض في الاتجاهين.
مواقع التواصل ملأت جزءًا من الفراغ
أمام محدودية حضور القضية الأذربيجانية في بعض المؤسسات الدولية الكبرى، تحولت مواقع التواصل إلى ساحة مهمة لتداول مشاهد الطالبات والمعلمات، ونقل الاحتجاجات، والمطالبة بتوسيع الاهتمام بالقضية.
وتضمن النقاش على ريديت ومنصات أخرى انتقادات لما اعتبره مستخدمون ضعفًا في الاهتمام الدولي بحق الطالبات المحجبات، كما ظهرت شهادات تنتقد ربط الحجاب بالتشدد الديني والتمييز بين حرية المرأة في التخلي عنه وحقها في التمسك به. وفي الوقت نفسه، ظهرت مواقف أذربيجانية مختلفة تنتقد الاحتجاجات أو ترى أن البلاد تواجه مشكلات سياسية واقتصادية أكثر إلحاحًا.
ولا تمثل هذه النقاشات قياسًا للرأي العام، لكنها تكشف أن مسألة التفاوت الإعلامي لم تكن ملاحظة صحفية فقط، بل أصبحت جزءًا من النقاش المحيط بالأحداث نفسها.
من مهسا أميني إلى طالبة محجبة في باكو
لا تتطابق إيران 2022 مع أذربيجان 2026. الاحتجاجات الإيرانية كانت أوسع وأطول وأكثر دموية، وتحولت إلى حركة سياسية كبيرة، بينما كانت احتجاجات أذربيجان، عند إعداد هذه المقارنة، أحدث زمنًا وأضيق نطاقًا.
لكن اختلاف الحجم لا يلغي المقارنة الحقوقية. فالاختبار الحقيقي لاتساق الخطاب الإعلامي لا يكون عندما تتطابق الوقائع، وإنما عندما يبقى المبدأ ثابتًا رغم اختلافها.
المبدأ الذي دافعت عنه التغطيات الغربية في إيران كان واضحًا: لا ينبغي للدولة أن تفرض على المرأة لباسًا لا تريده.
والمبدأ نفسه يقود منطقيًا إلى نتيجة واضحة في أذربيجان: لا ينبغي للدولة أن تمنع المرأة من لباس تختاره بدافع ديني، ولا أن تجعل التخلي عنه شرطًا لدخول المدرسة أو ممارسة العمل.
ومع ذلك، أظهرت المقارنة تفاوتًا واضحًا في مقدار الاهتمام ودرجة تحويل القضية إلى عنوان دولي لحقوق المرأة. وهذا هو جوهر الازدواجية.
ليست القضية أن الإعلام الغربي تحدث عن إيران ولم يتحدث مطلقًا عن أذربيجان؛ فقد تناولت وسائل غربية أحداث أذربيجان بالفعل، وفي مقدمتها دويتشه فيله، التي نشرت تقارير متعددة عن منع الحجاب والاحتجاجات.
القضية هي أن الحرية التي تحولت في إيران إلى قصة عالمية ورمز سياسي وحقوقي، لم تحظَ بالحضور نفسه عندما اتخذ اختيار المرأة الاتجاه المعاكس.
وهذا يكشف أن مشكلة الخطاب ليست في افتقاره إلى الحديث عن الحرية، بل في عدم ثبات معيارها.
فحرية المرأة لا تُختبر فقط عندما ترفض الحجاب، وإنما تُختبر أيضًا عندما تختاره. وحين تكون المرأة حرة في خلع الحجاب، لكنها لا تحظى بالاهتمام الحقوقي نفسه عندما تدافع عن حقها في ارتدائه، فإن القضية لم تعد مجرد اختلاف في التغطية، بل أصبحت ازدواجية في تعريف الحرية ذاتها.



اضف تعليق