إن الحجاب في المنظور الإسلامي ليس مجرد قطعة قماش أو زي مدرسي شكلي، بل هو عهد كرامة بين المرأة وربها، وسيف مشهور في وجه الطغيان والفساد. إن ما يجري في أذربيجان من منع للمحجبات وطردهن من المدارس تحت شعارات العلمانية هو اختبار حقيقي لمدى ثبات الأمة على قيمها...
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي جعل العفاف حصناً، والثبات على الحق كرامة، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين جعل الله مودتهم أجراً ومودتهم سبيلاً، والبراءة من أعدائهم براءة من الظلم والعدوان.
أما بعد، فإني أكتب هذه الكلمات وأنا أرى بعين قلبي ما يجري على إخواننا وأخواتنا في أذربيجان، حيث تُمنع الطالبات والمعلمات من ارتداء الحجاب في المدارس، وتُطرد مئات الآلاف منهن بحجة “الزي المدرسي” و“العلمانية”. وأنا لا أكتب هنا لأزيد في تاريخنا سطراً، ولا لأشعل فتنة، بل لأقف وقفة مراجعة مع النفس ومع إخواني: كيف صار العفاف - بمعناه القرآني الواسع - مفتاحاً للثبات؟ وكيف نقرأ سيرة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم لا لنبكي فقط، بل لنفهم ونعمل ونثبت؟ وكيف نواجه ما يجري في أذربيجان بعفافٍ لا انسحاب فيه، وثباتٍ لا فوضى معه؟
في معنى العفاف: تحررٌ لا انسحاب
كثيراً ما يُفهم العفاف على أنه ضبط لجانب من السلوك، أو انصراف عن الحياة، أو ضعف أمام الظلم. وهذا فهم قاصر. العفاف في أصله هو الكف عما لا يحل، والامتناع عما يشين. لكنه في المنظور القرآني أوسع من ذلك: هو تحرر النفس من عبودية الدنايا، ومن سلطان الطمع، ومن الخوف على المنفعة. قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9). وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس: 9). فالعفيف ليس من انسحب من المسؤولية، بل من تحرر من الخوف على منصبه وماله وجاهه، فأصبح قادراً على أن يقف حيث يجب أن يقف. ومن هنا كان العفاف أساس الثبات، لا زينةً إلى جانبه.
الثبات: يقينٌ في القلب وصبرٌ في الموقف
الثبات في منطق القرآن ليس صلابة نفسية مجردة، بل استقامة القلب على اليقين، واستقامة الجوارح على العمل. وقد ربط الله بين الصبر واليقين وبين الإمامة والهداية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24). فاليقين يمنع التذبذب أمام الشبهة، والصبر يضبط الموقف عند البلاء. وقد جرت سيرة أهل البيت عليهم السلام على هذا الأصل: ما رأينا إماماً تنازل عن حقٍّ لمنفعة، ولا ساوم على مبدأٍ لجاه، ولا صمت عن ظلمٍ خوفاً على نفسه. وهذا هو الثبات الذي ورثناه، لا ثبات الشعارات.
سيرة الشيعة: من العاطفة إلى الشهادة العملية
إن محبة أهل البيت عليهم السلام لا تُقاس بكثرة البكاء ولا بوفرة الشعارات، بل بصدق الاقتداء. وقد عرف تاريخ شيعتهم رجالاً ثبتوا حيث لم يثبت كثيرون: حجر بن عدي، وميثم التمار، ورشيد الهجري، ومن سار على دربهم. هؤلاء لم يكونوا أصحاب جاهٍ ولا منصب، بل أصحاب كلمة حق في وجه سلطان جائر، دفعوا الثمن من غير أن يبيعوا دينهم. وهذا هو الامتداد العملي للولاء: أن يكون ولاؤك باعثاً على العفاف والثبات، لا عاطفةً تنفصل عن السلوك.
وأنا لا أدعو إلى التهور ولا إلى الفوضى، حاشا لله. إنما أقول إن الثبات على الحق له ثمن، والعفاف هو الذي يمكّن الإنسان من دفع هذا الثمن. من تحرر من الطمع في المنصب، ومن الخوف على المكانة، يستطيع أن يقول كلمة الحق حين يصبح السكوت أسهل وأربح.
في زماننا: أذربيجان امتحانٌ للجميع
وما يجري في أذربيجان في هذه الأيام ليس بعيداً عن هذا الباب. ففي بلدٍ يشكل المسلمون فيه الغالبية الساحقة، صدرت قرارات تقيّد ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية، وطُردت على إثرها طالبات ومعلمات محجبات من مدارسهن. وأنا أتحدث هنا بلسان رجل دين شيعي، لا بلسان سياسي، ولا بلسان من يريد إشعال الفتنة. أتحدث بلسان من يرى أن منع الحجاب في بلدٍ أكثر أهله من شيعة أهل البيت عليهم السلام هو امتحان للجميع: امتحان للدولة في وفائها لحرية العقيدة، وامتحان للمجتمع في ثباته على قيمه من غير عنف، وامتحان للعلماء في صدق كلمتهم.
وقد سمعنا مواقف مشرفة من حوزتينا في العراق، النجف وكربلاء. فمكتب المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله) أجاب على استفتاء حول حكم الإلزام بترك الحجاب في المدارس، فقال إن “الضرورة الشخصية لا تكفي فيما إذا ترتبت مفسدة نوعية شديدة على الاستجابة للإلزام بترك الحجاب، وهي الإضرار بالهوية الثقافية للمجتمع وتمادي السلطات في محاولاتها لطمس تقاليده الإسلامية، فلا بد من أن يؤخذ هذا في الحسبان. والى الله المشتكى”. هذا كلام فقيه عارف بحقائق الأمور، لا يفتي بالتهور ولا بالسكوت، بل يضع المسألة في سياقها الصحيح: الحجاب ليس قضية فردية، بل هوية مجتمع وكرامة أمة.
ومن النجف الأشرف أيضاً، انتقد آية الله السيد ياسين الموسوي، إمام جمعة بغداد والأستاذ البارز في حوزة النجف الأشرف، قرار السلطات الأذربيجانية منع الحجاب في المدارس، واصفاً إياه بأنه “انتهاك للحرية الدينية”، ولا سيما أن غالبية المجتمع الأذربيجاني تتمسك بهويتها الإسلامية رغم عقود الحكم الشيوعي. وأشار إلى موقف مكتب السيد السيستاني، معلناً تضامنه مع الشعب الأذربيجاني، وداعياً العلماء والحوزات والمسلمين إلى رفض هذه الممارسات.
وأما المرجع الديني آية الله السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)، وهو من أعلام حوزة كربلاء المقدسة، فلم يصدر عنه - بحسب ما وقفت عليه من المصادر المتاحة - بيان خاص بشأن منع الحجاب في أذربيجان. غير أن موقفه العام من الحجاب معروف وواضح، فهو يرى أن “الحجاب اليوم أصبح سيفاً مشهوراً في وجه الطغيان والفساد، وإذا ما حملته المرأة المسلمة بشكل متواصل فإنه يعني الإحباط والهزيمة والزوال للمستكبرين”. وهذا الموقف العام كافٍ في الدلالة على أن أي محاولة لنزع الحجاب بالقوة هي في نظره معركة ضد إرادة المرأة المسلمة وكرامتها، لا مجرد إجراء إداري. وقد استقبل سماحته وفداً من أهالي أذربيجان وأثنى على “روح الولاء والإيمان العالية والتمسك العميق بحب ونهج أهل البيت”، مما يعكس تقديره لتضحياتهم في الحفاظ على هويتهم.
وفي كربلاء المقدسة، نظّمت طالبات من مدارس في كربلاء وقفة احتجاجية في منطقة بين الحرمين، تضامناً مع فتيات مسلمات في أذربيجان، على خلفية منعهن من دخول مدارسهن بسبب ارتداء الحجاب. وشاركت في الوقفة طالبات من مدارس السيدة رقية التابعة لممثلية مكتب السيد السيستاني في كربلاء، إلى جانب طالبات مدارس الوارث التابعة للعتبة الحسينية المقدسة. هذه وقفة سلمية، حضارية، تعبر عن الثبات بالوسيلة المشروعة، لا بالشعارات الفارغة ولا بالتخريب.
العفاف في زمن الحجاب: كرامة لا تُنتزع بالقرار
إن الحجاب في المنظور الإسلامي ليس مجرد قطعة قماش، بل تعبير عن عهد بين المرأة وربها، وعن كرامة لا تُقاس بمعايير السوق ولا بموضة العصر. ومن هنا فإن منع الحجاب لا يُواجه بالصراخ ولا بالشتم ولا بتخريب الممتلكات، بل بالثبات الهادئ القوي: أن تحفظ المرأة حجابها حيث تستطيع، وأن تصبر حيث تُمنع، وأن تعرف أن كرامتها ليست في مقعد دراسي ولا في وظيفة، بل في وفائها لعهدها. وهذا هو العفاف في أعمق معانيه: أن لا تبيع كرامتك بثمن عاجل، وأن لا تجعل منعك من شيء ذريعة لترك دينك أو للانفعال الأعمى.
وأنا أعلم أن الكلام سهل والثمن ثقيل. لكن هذا هو ديننا: دين يطلب منك أن تثبت، لا أن تنتصر بالضرورة. وقد رأينا في تاريخنا كيف ثبتت النساء في أصعب المواقف، وكيف كانت المرأة المسلمة أقوى من السيوف حين تمسك بمبدأها. فما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الشعارات، بل مزيداً من العفاف الذي يجعل القلب غنياً عن الخوف، والثبات الذي يجعل الموقف واضحاً من غير ضجيج. والمواقف التي صدرت من حوزتينا في النجف وكربلاء هي النموذج: كلمة حق، وبيان علمي، ووقفة سلمية، لا مساومة ولا انسحاب.
خاتمة: من السيرة إلى الحياة
إن سيرة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ليست تاريخاً نقرأه للتسلية، ولا مادة نبكي عليها في المناسبات ثم ننساها. إنها مدرسة تعلمنا أن العفاف ليس انسحاباً، وأن الثبات ليس عناداً، وأن الولاء ليس دعوى. فمن أراد أن يكون من شيعة أهل البيت حقاً، فليجعل من سيرتهم ميزاناً يومياً: هل أنا أعفّ اليوم عما كنت عليه بالأمس؟ هل حفظت لساني ومالي وجاهي من الاستعمال في الباطل؟ هل ثبتُّ على الحق حين صار الثبات مكلفاً؟ وهل كان موقفي من قضايا المسلمين - ومنها ما يجري في أذربيجان - موقفاً أخلاقياً راشداً، لا موقفاً غاضباً أعمى؟
أسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا عفافاً يحرر قلوبنا، وثباتاً يحفظ ألسنتنا وأفعالنا، وأن يفرج عن إخواننا وأخواتنا في أذربيجان وعن كل مظلوم، إنه سميع مجيب. والحمد لله رب العالمين.



اضف تعليق