إن قضية الحجاب في اذربيجان ليس خبراً يعبّر عن حدث واقع في زمان ومكان معينين تتناقله وسائل الاعلام، ثم تمضي عليه الايام ليخبو بريقه ويفسح المجال لأخبار جديدة اخرى، إنها قضية مركزية تعني ربما نصف مليار فتاة وامرأة في هذا العالم لهنّ هويتهنّ وانتماءهنّ وحقوقهنّ في حرية العقيدة...

ربما يكون الموقع الجيوسياسي لدولة اذربيجان وتحالفاتها المميزة مع تركيا من جهة، ومع الكيان الصهيوني من جهة اخرى، مع مستوى جيد من الوعي الجماهيري إزاء قضايا الهوية وحرية الرأي والعقيدة، هو الذي دفع بقضية حظر ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية في هذا البلد الى المراتب العليا من الاحداث الساخنة في وسائل الاعلام، قبل أن ينجح هذا الحدث من تشكيل رأي عام داخلي متعاظم وخلال فترة قياسية، الى جانب رأي عام خارجي متضامن لاسيما على منصات التواصل الاجتماعي.

مادمنا بصدد الحديث عن قضية تتعلق بحقوق الانسان المسلم في أي مكان من هذه المعمورة، فان قضايا عدّة تعتلج في صدور المسلمين كمواطنين في بلادهم "الاسلامية"، أو كجالية في مختلف بلدان العالم دون أن يُسلط عليها الضوء بما يكشف حجم الانتهاكات لحرية الرأي والعقيدة، ومختلف اشكال المضايقات والاستفزازت الى حد الموت. 

الطالبات المبعدات عن مدارسهن بسبب التزامهن بالحجاب، يعدن أنفسهن اليوم في موقع قوة أمام قرارات تعارض ما ينصّه الدستور من حرية التعبير والعقيدة للمواطن الاذربيجاني، و ايضاً؛ ما يشوبها من أدلجة قريبة الى الديكتاتورية منها الى الديمقراطية العلمانية التي يدعيها النظام الحاكم في باكو، بينما لو عطفنا النظر الى دولة اسلامية أخرى بعيدة كل البعد عن الأضواء الاعلامية مثل؛ افغانستان نجد أن قرارات حكومة طالبان بحظر التعليم على الفتيات، لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو قرار ينتهك أبسط حقوق الانسان في اكتساب العلم والمعرفة وفق الوصايا الدينية، وبنصّ حديث رسول الله، صلى الله عليه وآله: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وثمة اخبار ترد من افغانستان باستيلاء طالبان على بعض العقارات التابعة للمواطنين الشيعة في مناطق متعددة من البلاد بمبررات غير قانونية، وتسجيلها باسم "الدولة"! 

وفي مطلع الاسبوع الجاري تسرّب خبر إعدام خمسة من الشباب في السعودية بشكل مفاجئ دون معرفة الاتهامات الموجهة اليهم سوى إنهم من شيعة القطيف، وعلى الصعيد الخليجي تتواصل الانتهاكات لحقوق الانسان في السجون البحرينية، وتعرض المعتقلين لتعامل غير انساني وقمعي، بمنعهم من التواصل مع ذويهم، او توفير الدواء لمن يعاني من أمراض مزمنة كما هو الحال المعارض الكبير في السنّ؛ حسن مشيمع، ونفس الأمر ينسحب على الكويت وقرارات تجريد شريحة واسعة من المواطنين من جنسيتهم لاسباب غير واضحة رغم أنهم يعيشون في الكويت أباً عن جدّ. 

ثم ماذا نعرف عن أوضاع المسلمين في القسم الهندي لكشمير؟ وكيف يعيش المسلمون في ظل القوانين الهندية؟ وما هي ظروف العمل، والتعليم، والسفر، والبناء، وممارسة الشعائر الدينية؟ وكذا الحال في بلدان افريقية لها وزنها السياسي والاقتصادي مثل نجيريا؟ لا نسمع شيئاً إلا من خلال وسائل الاعلام العالمية عندما يتعرض المسلمون لأحداث عنف، او تنفجر عبوة ناسفة يسقط جرائها العديد من القتلى والجرحى، فيكون خبراً ذو قيمة إعلامية! 

إن قضية الحجاب في اذربيجان ليس خبراً يعبّر عن حدث واقع في زمان ومكان معينين تتناقله وسائل الاعلام، ثم تمضي عليه الايام ليخبو بريقه ويفسح المجال لأخبار جديدة اخرى، إنها قضية مركزية تعني ربما نصف مليار فتاة وامرأة في هذا العالم لهنّ هويتهنّ وانتماءهنّ وحقوقهنّ في حرية العقيدة، فعندما تُثار العنصرية بين فترة واخرى في اميركا ضد ذوي البشرة السمراء، نستعيد بالذاكرة التجربة الفاشلة والمريرة للفصل العنصري في جمهورية افريقيا الجنوبية طوال عقود من الزمن قبل اندثارها وطيّ صفحتها الى الأبد، وكذا الأمر بالنسبة للحجاب، فهو يثير مشاعر المرأة العراقية، كما يمسّ كرامة الفتاة والمرأة الاذربيجانية، والتركية، والاندونيسية وفي سائر البقاع الاسلامية.

ربما تكون السياسة الظل الثقيل على مختلف القضايا والاحداث في حياتنا، بيد أن الصحيح ايضاً، وضعها في إطارها الخاص بمسائل الإدارة والتنظيم والمراقبة، فهي تتعامل مع أمور متغيرة مع الأيام، مثل مسائل الاقتصاد والأمن والخدمات، بينما مسائل العقيدة والثقافة تحتاج الى جهود متظافرة من مؤسسات ثقافية وكيانات اجتماعية لها حضور ومعرفة بدقائق الأمور أكثر من الوزير والمدير، وحتى رئيس الحكومة و زعيم الدولة، وإن كان ثمة تحرك لمعالجة الموقف من خلال اتصالات، او تحالفات، او ما أشبه، فانه ربما يزيد في تعقيد المشكلة قبل أن يُسهم في حلها، لانها ستكون عامل شقاق ونزاع في حال فشل تلك المحاولات الدبلوماسية، والنتجية؛ انتاج مشكلة سياسية الى جانب المشكلة الثقافية الواسعة الأبعاد.  

إن الموقف الموحّد على الصعيد العالمي إزاء قضايا موحّدة لدى المسلمين كمواطنين، وكجالية في شتى أرجاء العالم، مثل احترام العقيدة، وحقوق الانسان، والتمييز على أساس الدين والطائفة، من شأنها إضاءة الطريق للساسة وأهل الحكم في كل مكان لاتخاذ القرارات الصحيحة التي تخدم الأمن والاستقرار، وفي نفس الوقت تعزز التماسك الاجتماعي، وتحكيم قيم انسانية مثل؛ السلم، والعدالة، والمساواة، والقضية ليس كما يتصورها البعض من أنها تنزلق الى "التدخل في الشؤون الداخلية"، بقدر ما هي نوعاً الاستشارة غير المباشرة لايجاد حلول سلمية قبل ان تتحول الى أزمات معقدة أمام رجال السياسة، كما هو الخطأ الذي ترتكبه دائماً الحكومات والانظمة السياسية فيما يتعلق بحجاب المرأة وحرية الرجل.

اضف تعليق