يحاول هذا التقرير قراءة يوم الأغذية العالمي 2026 بوصفه مناسبة لطرح أسئلة جوهرية: لماذا يستمر الجوع رغم وفرة الإنتاج؟ وما الذي يمكن أن يقدمه الابتكار فعلياً للمزارعين والأسر؟ وكيف يمكن للعراق الاستفادة من التكنولوجيا والمعرفة المحلية لمواجهة شح المياه؟ وهل يكفي ارتفاع إنتاج القمح للحكم على قوة الأمن الغذائي؟...

في السادس عشر من تشرين الأول من كل عام، تتجه أنظار العالم إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بحياة الإنسان وكرامته واستقراره، وهي قضية الغذاء. غير أن يوم الأغذية العالمي لعام 2026 يأتي في ظل مفارقة تستحق التوقف عندها طويلاً؛ فالعالم يمتلك من القدرات العلمية والتكنولوجية والإنتاجية ما يسمح بتوفير الغذاء لسكانه، لكنه لا يزال عاجزاً عن ضمان وصول الغذاء الكافي والصحي إلى مئات الملايين من البشر. وبين الحقول التي تنتج، والأسواق التي تتقلب أسعارها، والمنازل التي تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية، تتشكل معادلة عالمية معقدة لم يعد بالإمكان التعامل معها بوصفها أزمة إنتاج زراعي فقط. وبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في جعل الغذاء متاحاً وميسور الكلفة وآمناً ومغذياً للجميع، مع حماية الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها إنتاجه.

وتحت شعار «ابتكار اليوم، غذاء الغد»، اختارت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن تجعل الابتكار محور احتفالات عام 2026، في تحول واضح نحو طرح الحلول العملية بدلاً من الاكتفاء بتشخيص الأزمات. فالغذاء الذي يصل إلى مائدة الأسرة يبدأ رحلته قبل ذلك بكثير؛ من قطرة ماء في حقل زراعي، وبذرة تُختار بعناية، ومزارع يواجه تقلبات الطقس، مروراً بوسائل الحصاد والتخزين والنقل والتصنيع، وصولاً إلى الأسواق والمستهلكين. وكل حلقة من هذه الحلقات يمكن أن تكون فرصة لتقليل الخسائر أو سبباً في مضاعفتها. وتوضح منظمة الأغذية والزراعة، في حملتها الرسمية ليوم الأغذية العالمي 2026، أن شعار المناسبة يجمع الحلول المستقبلية بالمعرفة التقليدية والنهج الشاملة، بهدف توفير أغذية كافية ومتنوعة وآمنة ومغذية دون الإضرار بحقوق الأجيال المقبلة في موارد الكوكب.

أما في العراق، فإن يوم الأغذية العالمي يكتسب أهمية خاصة تتجاوز حدود الاحتفال السنوي. فالبلد الذي يمتلك تاريخاً زراعياً عريقاً، وارتبط اسمه منذ آلاف السنين بنشوء الزراعة وأنظمة الري، يواجه اليوم تحديات تتعلق بتوافر المياه وملوحة التربة والتصحر والتغيرات المناخية واستدامة الإنتاج. ومع ذلك، تسجل البيانات الزراعية لعام 2026 مؤشرات إيجابية في إنتاج بعض المحاصيل، ولا سيما القمح، ما يفتح نقاشاً مهماً حول كيفية تحويل التحسن الموسمي إلى قدرة مستدامة على تحقيق الأمن الغذائي. ويشير موجز العراق الصادر عن نظام المعلومات والإنذار المبكر العالمي التابع لمنظمة الأغذية والزراعة في أيلول 2026 إلى أن تحسن الأمطار والدعم الزراعي ساهما في زيادة إنتاج الحبوب، بالتزامن مع استمرار الضغوط المائية على المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية.

من هنا، يحاول هذا التقرير قراءة يوم الأغذية العالمي 2026 بوصفه مناسبة لطرح أسئلة جوهرية: لماذا يستمر الجوع رغم وفرة الإنتاج؟ وما الذي يمكن أن يقدمه الابتكار فعلياً للمزارعين والأسر؟ وكيف يمكن للعراق الاستفادة من التكنولوجيا والمعرفة المحلية لمواجهة شح المياه؟ وهل يكفي ارتفاع إنتاج القمح للحكم على قوة الأمن الغذائي؟ والأهم من ذلك كله، كيف يمكن تحويل مناسبة عالمية إلى مشروع وطني ملموس يقيس النتائج ويغير السلوك ويترك أثراً بعد انتهاء الاحتفالات؟ وتستند هذه الأسئلة إلى التوجه الذي حددته منظمة الأغذية والزراعة في حملتها العالمية لعام 2026، وإلى الأولويات الواردة في الخطة الاستراتيجية القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في العراق للفترة 2026–2029.

645 مليون إنسان يواجهون الجوع

تكشف أحدث البيانات الأممية أن العالم حقق تقدماً محدوداً في تقليل الجوع، لكنه لا يزال بعيداً عن الهدف الدولي المتمثل في القضاء عليه بحلول عام 2030.

فقد أظهر تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026» الصادر عن وكالات الأمم المتحدة المعنية بالأمن الغذائي والتغذية أن نحو 645 مليون إنسان عانوا من الجوع خلال عام 2025، أي ما يعادل 7.8% من سكان العالم. ورغم انخفاض النسبة مقارنة بـ8.1% في عام 2024 و8.6% في عام 2022، فإن هذه الأرقام تعني أن مئات الملايين لا يزالون يواجهون صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ. وبحسب البيان الذي نشرته منظمة الأغذية والزراعة في 21 تموز 2026، انخفض عدد المتأثرين بالجوع بنحو 14 مليون شخص مقارنة بعام 2024، وبنحو 43 مليوناً مقارنة بعام 2022، لكن التقدم ظل متفاوتاً بين المناطق وغير كافٍ لتحقيق الأهداف التنموية.

ولا تتوقف المشكلة عند الأشخاص الذين يعانون الجوع بصورة مباشرة؛ فهناك شريحة أوسع تواجه درجات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، أي عدم القدرة المستقرة على الحصول على الغذاء الكافي أو الاضطرار إلى القلق بشأن توافره أو جودته. وتشير بيانات تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026 إلى أن نحو 2.1 مليار شخص تعرضوا لانعدام أمن غذائي متوسط أو شديد خلال عام 2025، رغم تراجع العدد بنحو 86 مليون شخص عن العام السابق. ويعكس ذلك حقيقة أن التحسن في المؤشرات العالمية لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط التي تواجه الأسر، خصوصاً عندما تتداخل أسعار الغذاء والدخل وفرص العمل مع النزاعات والتقلبات المناخية. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن الجوع ليس قدراً محتوماً، وأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية والغذائية قادرة على تغيير مساره عندما تتوافر الإرادة والاستثمارات المناسبة.

وتزداد الصورة تعقيداً عند الانتقال من سؤال «هل يتوافر الغذاء؟» إلى سؤال «هل يستطيع الإنسان الحصول على غذاء صحي؟». فوجود الخبز أو الحبوب أو الأغذية مرتفعة السعرات الحرارية لا يعني بالضرورة حصول الأسرة على نظام غذائي متوازن يضم احتياجاتها من العناصر الغذائية الأساسية. وتوضح بيانات منظمة الأغذية والزراعة المستخدمة في حملة يوم الأغذية العالمي لعام 2026 أن نحو 2.69 مليار إنسان لا يستطيعون تحمل كلفة نظام غذائي صحي. وهذا الرقم يسلط الضوء على فجوة لا تتعلق بالجوع وحده، بل بجودة الغذاء والقدرة الشرائية والعدالة في الوصول إلى المنتجات المغذية. وبحسب الصفحة التعريفية الرسمية لحملة يوم الأغذية العالمي 2026 الصادرة عن الفاو، فإن توفير غذاء متنوع وآمن ومغذٍ للجميع يستلزم تغيير الطريقة التي تعمل بها النظم الزراعية والغذائية، وليس مجرد زيادة كميات المحاصيل المنتجة.

ويبرز هنا أحد أهم أوجه الخلل في النظام الغذائي العالمي: فقد تتحسن المؤشرات الإجمالية بينما تبقى بعض المجتمعات أكثر تعرضاً للجوع وسوء التغذية من غيرها. فالتقدم الذي يسجله العالم لا يتوزع بصورة متساوية بين الدول والمناطق والفئات الاجتماعية، وتؤثر النزاعات وعدم الاستقرار الاقتصادي والكوارث المناخية في قدرة المجتمعات على الاستفادة من النمو الزراعي والتجاري. ولهذا فإن قراءة الرقم العالمي وحده قد تخفي تفاوتات كبيرة بين المناطق، وتحتاج أي سياسة غذائية جادة إلى النظر في أوضاع الأسر الأشد هشاشة بدلاً من الاكتفاء بمتوسطات وطنية عامة. ويؤكد التقرير الأممي عن الجوع لعام 2026، الذي عرضت نتائجه منظمة الأغذية والزراعة، أن الانخفاض العالمي الأخير ما زال هشاً وغير متوازن، وهو ما يجعل الحفاظ على التقدم تحدياً لا يقل أهمية عن تحقيقه.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن ارتفاع أسعار الأغذية أو ضعف الدخل قد يحوّل الغذاء الصحي إلى خيار يصعب الوصول إليه حتى عندما تكون الأسواق ممتلئة بالمنتجات. وقد تجد الأسر نفسها مضطرة إلى إعطاء الأولوية للأطعمة الأقل كلفة على حساب التنوع الغذائي، بينما يواجه المنتجون صعوبات مختلفة تتعلق بتكاليف الطاقة والمياه والبذور والنقل والتخزين. ولهذا لم تعد السياسات الغذائية الفعالة تنحصر في دعم الإنتاج، بل تشمل أيضاً الحماية الاجتماعية وتحسين الأسواق وتوفير المعلومات ودعم القدرة الشرائية للفئات المعرضة للخطر. ويضع تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026» حماية الفئات الضعيفة واستقرار الأسواق ضمن القضايا المهمة لتقليل الجوع وتحسين الوصول إلى الغذاء.

«ابتكار اليوم، غذاء الغد»... لماذا اختارت الأمم المتحدة الابتكار شعاراً لعام 2026؟

لم يكن اختيار شعار «ابتكار اليوم، غذاء الغد» مجرد محاولة لتقديم عنوان إعلامي جديد، بل يعكس إدراكاً متزايداً بأن مستقبل الأمن الغذائي يعتمد على القدرة على تطوير حلول تتناسب مع التحديات المتغيرة. فالابتكار في المفهوم الغذائي لا يعني استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي حصراً، وإنما يشمل تطوير البذور وتحسين إدارة المياه وتبادل المعرفة بين المزارعين وإيجاد وسائل أكثر كفاءة للتخزين والنقل والتسويق.

كما يمكن أن يتجسد في نظام تعاوني صغير يساعد المزارعين على الوصول إلى الأسواق، أو تطبيق يقدم إرشادات زراعية دقيقة، أو أسلوب تقليدي في إدارة الموارد أعيد تطويره باستخدام المعرفة العلمية الحديثة. وتوضح منظمة الأغذية والزراعة في موادها التعريفية بحملة يوم الأغذية العالمي 2026 أن الابتكار الحقيقي يجمع العلوم والتكنولوجيا بخبرات المزارعين والصيادين والرعاة والمجتمعات المحلية، ولا يستثني النساء والشباب وأصحاب المشاريع الصغيرة.

وتتجلى أهمية هذا التوجه في أن النظم الغذائية الحديثة تواجه مجموعة مترابطة من الضغوط. فالتغير المناخي يؤثر في درجات الحرارة والأمطار، وندرة المياه تفرض قيوداً على التوسع الزراعي، والتقلبات الاقتصادية تزيد كلفة الإنتاج والتوزيع، بينما تؤدي الخسائر والهدر إلى ضياع جزء من الموارد التي استُخدمت أصلاً في إنتاج الغذاء. لذلك فإن الحلول المنفردة قد لا تكون كافية إذا لم ترتبط بإصلاحات تشمل سلسلة الغذاء بأكملها. وقد جعلت منظمة الأغذية والزراعة، في حملتها العالمية لعام 2026، من الجمع بين الحلول المستقبلية والمعرفة التقليدية مدخلاً لتحقيق نظم غذائية أكثر قدرة على الصمود، مع التأكيد على أن حماية الكوكب ليست هدفاً منفصلاً عن إطعام سكانه، بل شرط أساسي لاستمرار الإنتاج في المستقبل.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تحويل الابتكار من شعار إلى أداة متاحة للمزارع الصغير. فقد تكون التقنيات الزراعية المتقدمة ذات إمكانات كبيرة، لكن فائدتها الفعلية تعتمد على تكلفتها وسهولة استخدامها وتوافر خدمات الصيانة والتدريب والتمويل. ولا يكفي إدخال جهاز جديد إلى الحقل إذا لم يكن المزارع قادراً على تشغيله أو الاستفادة من البيانات التي يقدمها. كما أن الحل الذي ينجح في بيئة زراعية غنية بالمياه قد لا يكون مناسباً لمنطقة تعاني الجفاف والملوحة. ومن هنا، تصبح الحاجة إلى الابتكار المحلي والتجريب الميداني وتقييم النتائج ضرورة أساسية. وتشير منظمة الأغذية والزراعة، في وثيقة التعريف بيوم الأغذية العالمي 2026، إلى أهمية الخدمات الإرشادية الرقمية ونظم المعلومات والبذور المحسنة والمدارس الحقلية والتعاونيات الزراعية بوصفها مسارات مختلفة للابتكار، يمكن اختيار الأنسب منها وفق ظروف كل مجتمع.

ولا يقتصر الابتكار على زيادة المحاصيل؛ إذ يمتد إلى تقليل الفاقد وتحسين القيمة الغذائية وتعزيز قدرة المستهلك على اتخاذ قرارات أفضل. فكل خطوة تساعد على المحافظة على الغذاء قبل وصوله إلى السوق، أو تمنع تلفه أثناء النقل، أو تطيل مدة صلاحيته بطرق آمنة، يمكن أن تسهم في تقليل الضغط على الموارد. كما أن توفير بيانات دقيقة عن الإنتاج والأسعار والاحتياجات يساعد الجهات المعنية على التخطيط بصورة أفضل. ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل الغذاء يرتبط بقدرة المجتمعات على التعامل مع المعلومات بوصفها مورداً لا يقل أهمية عن الأرض والماء. وقد أبرزت منظمة الأغذية والزراعة، خلال فعاليتها العلمية في جنيف بتاريخ 7 تشرين الأول 2026، أهمية الانتقال من الاكتشافات العلمية إلى الحلول التطبيقية، من خلال جمع المؤسسات البحثية والجهات الحكومية والمنظمات الدولية لمناقشة دور التكنولوجيا في تطوير نظم غذائية أكثر استدامة وشمولاً.

ومن اللافت أن الحملة العالمية لعام 2026 تمنح الأطفال والشباب مساحة واضحة للمشاركة في تصور مستقبل الغذاء. فقد أعلنت منظمة الأغذية والزراعة مسابقة دولية للملصقات الفنية تدعو المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والتاسعة عشرة إلى التعبير عن رؤيتهم للابتكار الغذائي، وحددت السادس من تشرين الثاني 2026 موعداً نهائياً للمشاركة. وتكشف هذه المبادرة عن توجه تربوي مهم؛ إذ لا ينبغي التعامل مع الأطفال بوصفهم جمهوراً يتلقى رسائل توعوية جاهزة فقط، بل باعتبارهم قادرين على طرح أفكار تتعلق بحماية الموارد وتقليل الهدر وتطوير أساليب الإنتاج. وبحسب البرنامج التعليمي والشبابي للفاو لعام 2026، فإن الأنشطة تسعى إلى ربط العلوم والبيانات والتكنولوجيا والطبيعة بالممارسات اليومية، بما يساعد الأجيال الجديدة على فهم دورها في بناء مستقبل غذائي أفضل.

الغذاء المهدور

بينما ينشغل العالم بتوفير الغذاء لمئات الملايين من المحتاجين، تُهدر كميات ضخمة من المنتجات الغذائية في مراحل الاستهلاك والتوزيع. وتشير نتائج تقرير «مؤشر هدر الأغذية 2024» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن العالم أهدر نحو 1.05 مليار طن من الغذاء خلال عام 2022 على مستوى الأسر وخدمات تقديم الطعام وتجارة التجزئة، بما يعادل قرابة 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين في تلك المراحل. ولا يمثل هذا الرقم خسارة غذائية فحسب، بل يعكس أيضاً ضياع المياه والطاقة والأراضي والجهود البشرية المستخدمة في الإنتاج.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن المنازل تتحمل الحصة الأكبر من الهدر، وهو ما يجعل تغيير السلوك الاستهلاكي جزءاً أساسياً من معالجة المشكلة.

وتكشف هذه الأرقام عن تناقض واضح: فبينما تعاني مجتمعات من صعوبة تأمين وجباتها اليومية، تتخلص مجتمعات وأسر ومؤسسات من أغذية كان يمكن الاستفادة منها لو توفرت ممارسات أفضل في التخطيط والشراء والحفظ والاستهلاك. ولا يعني ذلك أن الغذاء المهدر يمكن نقله ببساطة إلى جميع المناطق التي تعاني الجوع، لأن المسألة ترتبط بعوامل لوجستية واقتصادية وصحية معقدة، لكنه يؤكد وجود فرصة كبيرة لتحسين كفاءة النظم الغذائية. ويشير برنامج منظمة الأغذية والزراعة المعني بالفاقد والمهدر من الأغذية إلى أن تقليل الفاقد والهدر يتطلب إجراءات متكاملة في الإنتاج وسلاسل الإمداد والتجارة والاستهلاك، بما يعزز استدامة الموارد والأمن الغذائي.

والتمييز بين «الفاقد الغذائي» و«الهدر الغذائي» ضروري لفهم طبيعة الحلول. فالخسائر التي تحدث خلال الحصاد والتخزين والنقل والمعالجة تحتاج إلى تحسين البنية التحتية والمعدات والإدارة، بينما يرتبط الهدر في المنازل والمطاعم والمتاجر بعوامل أخرى، مثل سوء تقدير الكميات أو ضعف التخطيط أو ظروف الحفظ غير المناسبة. وفي كلتا الحالتين، ينبغي أن تستند التدخلات إلى بيانات تقيس أين تحدث الخسارة وما حجمها قبل اختيار الحل. ولهذا يركز برنامج الأمم المتحدة للبيئة، في مبادرته بشأن المدن الدائرية وتقليل الهدر الغذائي، على أهمية القياس والسياسات المحلية وتبادل الخبرات لتطوير أنظمة أكثر كفاءة في التعامل مع الغذاء والموارد.

وفي العراق، يمكن أن يكون هذا الملف مدخلاً عملياً لحملات يوم الأغذية العالمي، خصوصاً في المدارس والجامعات والمطاعم والأسواق والمؤسسات العامة. فبدلاً من الاكتفاء بالدعوة إلى عدم الإسراف، يمكن تنفيذ مبادرات لرصد كميات الغذاء المتبقي وتصنيف أسباب الهدر ووضع إجراءات قابلة للقياس لتقليله. ويمكن، على سبيل المثال، مقارنة كميات المخلفات الغذائية في مطعم جامعي قبل تطبيق حملة توعوية وبعدها، مع الالتزام بمتطلبات الصحة العامة وسلامة الغذاء. وهذه مقاربة تطبيقية مستوحاة من توجه برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقريره العالمي عن هدر الغذاء، الذي يبرز أهمية البيانات في فهم حجم المشكلة وتحويل السلوك اليومي إلى جزء من الحل.

العراق بين تحسن إنتاج القمح وتحديات الاستدامة

في المشهد الزراعي العراقي، يقدم عام 2026 مؤشراً يستحق الاهتمام، بعد تسجيل تقديرات إنتاجية أعلى من متوسط السنوات السابقة في عدد من المحاصيل. فقد قدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، في موجزها الزراعي الخاص بالعراق الصادر في أيلول 2026، إجمالي إنتاج الحبوب في العراق، باستثناء إقليم كردستان، بنحو 6.5 مليون طن، بزيادة تقارب 30% عن متوسط السنوات الخمس السابقة. كما قدرت إنتاج القمح بنحو 5.6 مليون طن، أي أعلى بنحو 34% من متوسط السنوات الخمس، وهو تطور يعكس أثر تحسن الظروف المناخية والدعم الزراعي في الموسم المعني. وتوضح المنظمة أن موسم الحصاد الشتوي بدأ في منتصف أيار واكتمل في تموز، بعد تحسن الأمطار خلال الفترة الممتدة من كانون الأول 2025 إلى نيسان 2026.

لكن هذا التحسن لا ينبغي أن يحجب التفاوت بين المناطق الزراعية العراقية. فقد استفادت المحافظات الشمالية المنتجة للحبوب من تحسن الأمطار ورطوبة التربة ومستويات المياه في بعض الخزانات، في حين بقيت ظروف الإنتاج أقل ملاءمة في أجزاء من الجنوب والجنوب الشرقي. وتشير منظمة الأغذية والزراعة، في تقييمها الزراعي للعراق لعام 2026، إلى أن السلطات خفضت المساحات المروية بالمياه السطحية بنسبة 50% في بعض المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية ضمن إجراءات الحفاظ على الموارد المائية المحدودة. ويكشف هذا التفاوت عن تحدٍّ أساسي: فنجاح الموسم الزراعي على المستوى الوطني لا يعني بالضرورة تحسن الظروف لجميع المزارعين أو استقرار الموارد التي يعتمد عليها الإنتاج.

ويبرز القمح بوصفه محصولاً استراتيجياً في النقاش العراقي حول الأمن الغذائي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بالغذاء الأساسي للأسر. إلا أن ارتفاع إنتاجه، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده لقياس قدرة البلد على تأمين غذاء صحي ومتنوع ومستقر لجميع السكان. فالأمن الغذائي يشمل توافر المنتجات والقدرة على الحصول عليها واستقرار الإمدادات والاستفادة التغذوية منها. ولذلك فإن ارتفاع إنتاج محصول واحد يحتاج إلى أن يترافق مع سياسات تعزز تنوع الإنتاج وسلامة الأغذية وكفاءة التخزين والتوزيع. ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة في إطارها المفاهيمي لحملة يوم الأغذية العالمي 2026، فإن الوصول إلى الغذاء الصحي يتطلب التعامل مع سلسلة الإنتاج والتسويق والاستهلاك بوصفها نظاماً مترابطاً، لا مجموعة أنشطة منفصلة.

وفي جانب آخر، تتوقع منظمة الأغذية والزراعة، في موجزها عن العرض والطلب على الحبوب في العراق، أن تبلغ احتياجات البلاد من استيراد الحبوب خلال السنة التسويقية 2026–2027 نحو 5.5 مليون طن، وهو مستوى أقل قليلاً من متوسط السنوات الخمس السابقة. وقد يبدو الرقم كبيراً مقارنة بحجم الإنتاج المحلي، لكنه لا يعني تلقائياً وجود عجز مماثل في محصول القمح وحده، لأن تقديرات الاستيراد تشمل أصنافاً متعددة من الحبوب واحتياجات مختلفة. وهذه نقطة مهمة في التغطية الصحفية؛ إذ إن الخلط بين إنتاج القمح وإجمالي واردات الحبوب قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة عن الاكتفاء الذاتي.

وتشير البيانات الزراعية نفسها إلى تقدير إنتاج الشعير بنحو 160 ألف طن، وإنتاج الرز بنحو 360 ألف طن، والذرة بنحو 300 ألف طن في عام 2026، مع اختلاف مستويات التحسن بين المحاصيل. وتكشف هذه الفوارق أن القطاع الزراعي لا يتحرك بوتيرة واحدة، وأن بعض المحاصيل أكثر تأثراً من غيرها بتوافر المياه والظروف المناخية والسياسات الزراعية. ومن هنا، فإن بناء نظام غذائي أكثر صموداً يستلزم النظر إلى سلة المحاصيل كاملة، ومراجعة ملاءمتها البيئية والاقتصادية، وتطوير أساليب إدارة الموارد وفق احتياجات كل منطقة. وترد هذه التقديرات في نشرة منظمة الأغذية والزراعة الخاصة بإنتاج الحبوب في العراق لعام 2026، التي تربط التحسن العام بالموسم المطري والإجراءات الداعمة للإنتاج.

المياه... التحدي الأكبر أمام مستقبل الغذاء العراقي

لا يمكن مناقشة مستقبل الزراعة في العراق بمعزل عن قضية المياه. فالماء ليس مجرد مدخل من مدخلات الإنتاج الزراعي، بل هو العامل الذي يحدد في كثير من الأحيان مساحة الأرض الممكن زراعتها، ونوع المحصول، ومواعيد الزراعة، وفرص نجاح الموسم. وعندما تتراجع الموارد المائية أو ترتفع الملوحة أو تتغير أنماط الأمطار، تصبح القرارات الزراعية أكثر تعقيداً، وتزداد الحاجة إلى حلول تقلل المخاطر وتحافظ على دخل المزارعين. وتضع الخطة الاستراتيجية القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في العراق 2026–2029 شح المياه والملوحة والتصحر ضمن التحديات الهيكلية التي تؤثر في النظم الغذائية وسبل العيش، وقد تسهم في دفع السكان إلى النزوح أو تغيير أنشطتهم الاقتصادية.

وتتجاوز آثار الأزمة المائية حدود الحقول الزراعية، إذ يمكن أن تمتد إلى الأسواق وفرص العمل والهجرة الداخلية ومستويات الدخل والاستقرار الاجتماعي. فعندما تقل قدرة الأرض على الإنتاج، قد تتراجع فرص العمل الموسمية أو ترتفع تكاليف تشغيل المزارع، وقد تصبح بعض الأسر أكثر اعتماداً على مصادر دخل بديلة. ولهذا فإن معالجة الأزمة المائية لا يمكن أن تقتصر على إدارة الري فقط، بل تتطلب تنسيقاً بين السياسات الزراعية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية. وتشير وثيقة برنامج الأغذية العالمي الخاصة بالعراق للفترة 2026–2029 إلى وجود أكثر من 170 ألف شخص نازحين نتيجة ضغوط مرتبطة بالمناخ، وفق البيانات المرجعية المعتمدة في الخطة، وهو مؤشر على أن التغيرات البيئية قد تتحول إلى قضية معيشية وإنسانية تتجاوز القطاع الزراعي.

وتطرح هذه التحديات سؤالاً مهماً حول جدوى الابتكار في إدارة المياه. فالري الحديث، والاستشعار عن بُعد، ومراقبة رطوبة التربة، وتحسين جدولة الري، واختيار المحاصيل المناسبة للظروف المحلية، كلها أدوات يمكن أن تسهم في رفع كفاءة استخدام الموارد عندما تُطبق وفق دراسات فنية واقتصادية. لكن نجاحها يعتمد على توافر البنية التحتية والخبرة والدعم الفني، وعلى قدرة المزارع على تحمل التكاليف. ومن المهم أيضاً التمييز بين تقليل المياه المستخدمة في حقل معين وتحقيق وفر مائي فعلي على مستوى الحوض أو المنطقة، لأن نتائج التقنيات تختلف باختلاف الإدارة والظروف المحلية. ويبرز برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقريره «مؤشر الهشاشة المناخية للعراق»، أهمية فهم اختلاف مستويات التعرض للمخاطر والقدرة على التكيف بين المناطق، بدلاً من افتراض أن حلاً واحداً يصلح لجميع المحافظات.

ومن التجارب التي تستحق الاهتمام توظيف الطاقة الشمسية والتقنيات الزراعية الحديثة لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وتحسين إدارة الأنشطة الزراعية. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الحلول لا تكمن في حداثة الأجهزة وحدها، بل في قدرتها على توفير خدمة مستمرة للمزارع وتحسين كفاءة الإنتاج دون زيادة الضغط على الموارد. فالتكنولوجيا ينبغي أن تخضع للتقييم من حيث الكلفة والعائد والصيانة والأثر البيئي، وأن ترتبط بتدريب محلي يضمن استمرار استخدامها. وقد عرض برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقريره الميداني عن جيل جديد من المزارعين العراقيين يستخدم الطاقة الشمسية والعلم لحماية إرثه الزراعي، نماذج تتعلق باستخدام الطاقة الشمسية والمعرفة العلمية في تطوير الممارسات الزراعية، بما يوضح إمكانية الجمع بين الخبرة المحلية والحلول التقنية الحديثة.

ومن الناحية الاستراتيجية، يحتاج العراق إلى الانتقال من التعامل مع شح المياه بوصفه أزمة موسمية إلى اعتباره عاملاً دائماً في التخطيط الغذائي. ويعني ذلك أن تُبنى الخطط الزراعية على سيناريوهات متعددة للأمطار والموارد المائية، وأن تتضمن أدوات لمتابعة الملوحة والتصحر والإنتاجية وتكاليف الزراعة، مع مراجعة النتائج دورياً. كما أن نجاح أي مشروع مائي أو زراعي يتطلب مشاركة المزارعين أنفسهم في تحديد المشكلات والحلول، لأن المعرفة المحلية قد تكشف تفاصيل لا تظهر في البيانات العامة. ويعرض برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقريره «مسارات الاستثمار المناخي في العراق»، إطاراً مهماً للنظر إلى الاستثمار المناخي بوصفه فرصة لتعزيز القدرة على التكيف والتنمية، وليس مجرد استجابة للأضرار البيئية.

الأمن الغذائي العراقي بين الحماية الاجتماعية والإنتاج المحلي

تؤكد تجربة العراق أن الأمن الغذائي لا يُقاس بالإنتاج الزراعي وحده، بل يرتبط أيضاً بقدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء خلال الظروف الاعتيادية والأزمات. فالعائلات التي تعتمد على دخل محدود أو تواجه صعوبات في السكن والعمل والخدمات قد تكون أكثر عرضة للتأثر بارتفاع الأسعار أو فقدان مصادر الرزق، حتى عندما تتوافر المنتجات في الأسواق. ولهذا فإن الحماية الاجتماعية وسياسات دعم الفئات الهشة تمثل جانباً مهماً من منظومة الأمن الغذائي. وتشير الخطة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في العراق للفترة 2026–2029 إلى أن الحكومة العراقية وسعت وأصلحت منظومات المساعدة الاجتماعية والغذائية منذ عام 2021، مع استمرار الحاجة إلى معالجة التحديات الهيكلية التي تؤثر في الفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر.

وتقدم الخطة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي أرقاماً مهمة عن السياق الإنساني والاجتماعي الذي تعمل فيه سياسات الغذاء. فهي تشير إلى وجود نحو مليون نازح داخلي، و4.9 مليون عائد يواجهون عوائق أمام إعادة الاندماج، فضلاً عن نحو 300 ألف لاجئ وطالب لجوء ما زالوا بحاجة إلى المساعدة. ولا ينبغي تفسير هذه الأرقام على أنها أعداد أشخاص يعانون الجوع، لأنها تتعلق بفئات سكانية وظروف إنسانية مختلفة، لكنها تكشف اتساع العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تصميم برامج الحماية والتنمية. وبحسب الوثيقة الرسمية لبرنامج الأغذية العالمي بشأن العراق، فإن التحديات المرتبطة بالنزوح والموارد الطبيعية وسبل العيش تجعل بعض الأسر أكثر هشاشة أمام انعدام الأمن الغذائي.

وتحدد الخطة الاستراتيجية القطرية لبرنامج الأغذية العالمي للفترة 2026–2029 ثلاثة مسارات مترابطة: مساعدة السكان المتأثرين بالأزمات على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وتعزيز سبل العيش وقدرة المجتمعات على الصمود، وتطوير القدرات المؤسسية والتحليلية والسياساتية لدعم الفئات المعرضة لانعدام الأمن الغذائي. ويعكس هذا التوجه تحولاً من الاعتماد على الاستجابة الإنسانية المباشرة إلى بناء نظم وطنية قادرة على التعامل مع الصدمات وتوفير حلول أطول أمداً. وفي هذا السياق، تصبح جودة البيانات والتنسيق بين المؤسسات والقدرة على الاستجابة المبكرة عناصر لا تقل أهمية عن حجم المساعدات المقدمة.

ومن منظور تنموي، فإن دعم المزارع العراقي لا يقتصر على توفير مستلزمات الإنتاج، بل يشمل تحسين قدرته على الوصول إلى المعلومات والتمويل والأسواق والتقنيات المناسبة. وقد يكون المزارع قادراً على إنتاج محصول جيد، لكنه يواجه صعوبات في التخزين أو النقل أو التسويق، ما يقلل من العائد الذي يحصل عليه ويؤثر في استدامة نشاطه. ولهذا فإن تعزيز سلاسل القيمة الغذائية، وتطوير التعاونيات والخدمات الإرشادية، وتشجيع المشاريع الصغيرة المرتبطة بالتصنيع الزراعي، يمكن أن يفتح فرصاً اقتصادية جديدة للمناطق الريفية. وتعرض منظمة الأمم المتحدة الإنمائية، في مادتها الميدانية «تعزيز صمود المزارع العراقية»، أهمية تطوير الممارسات الزراعية والتكيف مع التحديات البيئية، وهو اتجاه يتقاطع مع الدعوة العالمية إلى الابتكار في يوم الأغذية العالمي 2026.

تغذية الأطفال

عند الحديث عن الأمن الغذائي، غالباً ما تتصدر كميات الإنتاج وأسعار الحبوب والمخزونات الاستراتيجية المشهد الإعلامي، بينما تبقى قضية التغذية السليمة للأطفال أقل حضوراً مما تستحق. فالغذاء ليس مجرد وسيلة لإشباع الجوع، بل عنصر أساسي في النمو الجسدي والتطور المعرفي والمناعة والصحة العامة. وقد تحصل الأسرة على كمية من الطعام تكفي لتلبية احتياجاتها اليومية من الطاقة، لكنها تفتقر إلى التنوع الضروري للحصول على الفيتامينات والمعادن والبروتينات وغيرها من العناصر الغذائية. ولذلك فإن تحسين الأمن الغذائي ينبغي أن يرتبط بتحسين جودة التغذية، ولا سيما خلال مراحل الطفولة المبكرة.

وتوفر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، من خلال قاعدة بياناتها الخاصة بالعراق، مؤشرات تتعلق بصحة الأطفال والتغذية، يمكن الاستفادة منها في متابعة التقدم وتحديد الفجوات التي تحتاج إلى تدخلات متخصصة.

وتبرز أهمية المدارس بوصفها بيئة مناسبة لنشر الثقافة الغذائية بطريقة عملية ومستدامة. فالطالب الذي يتعلم كيفية تكوين وجبة متنوعة، وأهمية النظافة وسلامة الغذاء، وكيفية المحافظة على الموارد وتقليل الهدر، يمكن أن ينقل هذه المعرفة إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي. لكن التوعية الفعالة لا تقوم على المحاضرات وحدها، بل تحتاج إلى تجارب وأنشطة تشجع على الملاحظة والمشاركة والتفكير. ولهذا أطلقت منظمة الأغذية والزراعة ضمن أنشطة يوم الأغذية العالمي لعام 2026 كتاباً تعليمياً للأطفال يربط الابتكار الغذائي بالعلوم والطبيعة والبيانات والتكنولوجيا، ويدعو المتعلمين إلى استكشاف الحلول بدلاً من الاكتفاء بحفظ المعلومات.

وفي العراق، يمكن الاستفادة من هذا التوجه عبر تصميم برامج مدرسية تتناسب مع البيئة المحلية. فقد تتناول مدرسة في منطقة زراعية موضوع المياه والمحاصيل والتربة، بينما تركز مدرسة داخل المدينة على سلامة الغذاء والهدر والاستهلاك المسؤول. ويمكن إدخال أنشطة بسيطة مثل متابعة نمو النباتات أو التعرف إلى رحلة المنتجات من المزرعة إلى السوق أو دراسة أسباب تلف الأغذية وطرق الحد منه. ولا ينبغي أن تتحول هذه البرامج إلى منافسات شكلية أو أنشطة عابرة، بل يمكن ربطها بالمناهج الدراسية وبمشاركة المعلمين والأسر. وتستند هذه المقاربة إلى فلسفة حملة منظمة الأغذية والزراعة ليوم الأغذية العالمي 2026، التي ترى أن الابتكار قد يبدأ من فكرة صغيرة أو ممارسة محلية، وأن بناء المستقبل الغذائي مسؤولية مشتركة بين الأجيال والمؤسسات والمجتمعات.

البحث العلمي مفتاح التحول الزراعي

من التحديات التي تواجه تطوير الزراعة في كثير من البلدان وجود فجوة بين نتائج البحوث العلمية والتطبيق العملي في الحقول والأسواق. فقد تنجح دراسة جامعية في تطوير طريقة لقياس رطوبة التربة أو تحسين إدارة محصول معين، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى خدمة يستفيد منها المزارعون. وقد تمتلك المؤسسات البحثية بيانات مهمة عن التغيرات المناخية والإنتاج، لكنها تبقى بعيدة عن الجهات المسؤولة عن اتخاذ القرارات. لذلك فإن الابتكار الغذائي يحتاج إلى آليات واضحة لنقل المعرفة، واختبار الحلول في ظروف حقيقية، وقياس جدواها الاقتصادية والبيئية. وقد اختارت منظمة الأغذية والزراعة، في فعاليتها العلمية التي أقيمت بجنيف في 7 تشرين الأول 2026، عنوان «من العلم إلى الحلول في النظم الزراعية والغذائية»، في تأكيد على أهمية ربط البحث العلمي بالممارسات التطبيقية والسياسات العامة.

ويتيح هذا التوجه فرصة مهمة للجامعات العراقية وكليات الزراعة والعلوم والهندسة والتقنيات الصحية والغذائية. فبدلاً من أن تقتصر المشاركة في يوم الأغذية العالمي على الندوات والكلمات الرسمية، يمكن للمؤسسات الأكاديمية عرض نماذج أولية لحلول قابلة للاختبار، مثل أنظمة مراقبة المياه أو تطبيقات الإرشاد الزراعي أو أساليب تحسين التخزين أو أدوات تتبع المنتجات. ويجب أن تخضع هذه الحلول لمعايير واضحة تشمل الكلفة وسهولة التشغيل والسلامة والأثر المتوقع، مع إشراك المزارعين والمستفيدين في تقييمها. وتنسجم هذه المقاربة مع ما تعرضه منظمة الأغذية والزراعة في مواد حملتها العالمية لعام 2026 من أهمية الجمع بين نظم المعلومات والخدمات الرقمية والمعرفة المحلية والتعاون بين مختلف الأطراف.

كما أن مشاركة القطاع الخاص يمكن أن تسهم في تحويل الأفكار البحثية إلى مشاريع اقتصادية، شرط أن تكون الأولوية لحل المشكلات الفعلية لا لمجرد تسويق أجهزة أو تقنيات جديدة. فالمشروع الذي يساعد على تقليل تلف المحاصيل أثناء النقل قد يحقق أثراً مباشراً في دخل المزارعين وكفاءة الأسواق، تماماً كما يمكن لخدمة معلوماتية منخفضة الكلفة أن تساعد المنتجين على اتخاذ قرارات أفضل. ويتطلب ذلك بيئة تسمح بالتجريب والتقييم والتمويل المسؤول وتبادل البيانات، مع مراعاة حقوق المستفيدين والقدرة على استمرار المشروع. وقد ركزت مناقشات منظمة الأغذية والزراعة في جنيف خلال تشرين الأول 2026 على دور الشراكات بين المؤسسات الحكومية والبحثية والدولية في تحويل المعرفة العلمية إلى حلول تدعم استدامة النظم الغذائية.

التجارب الدولية... كيف يتحول يوم الأغذية العالمي إلى نشاط مؤثر؟

تُظهر الفعاليات الدولية المرتبطة بيوم الأغذية العالمي لعام 2026 أن الاحتفال لم يعد مقتصراً على المؤتمرات الرسمية، بل يتجه إلى إشراك المجتمعات المحلية والطلبة والمزارعين والباحثين وأصحاب المشاريع. ففي جنيف، جرى التركيز على دور العلوم والتكنولوجيا في تطوير النظم الغذائية، بينما تتناول أنشطة أخرى دور الشباب والمعرفة المحلية وإدارة الموارد.

وتكشف هذه النماذج أن الفعالية الناجحة لا تُقاس فقط بعدد الحضور أو حجم التغطية الإعلامية، بل بقدرتها على تقديم معرفة جديدة أو بناء شراكة أو إطلاق مبادرة يمكن متابعتها لاحقاً. وقد أعلنت منظمة الأغذية والزراعة عن فعالية جنيف في 7 تشرين الأول 2026، ببرنامج يجمع ممثلين عن المؤسسات الحكومية والبحثية والمنظمات الدولية لبحث الحلول العلمية والتطبيقية في مجال الأمن الغذائي.

وفي طاجيكستان، تتضمن الأنشطة المعلنة ليوم الأغذية العالمي 2026 فعالية مقررة في الثالث والعشرين من تشرين الأول، تركز على الشراكات والنظم الغذائية القادرة على الصمود، مع إبراز مساهمات النساء والشباب في التحول الزراعي والغذائي. ويعكس هذا النموذج أهمية توسيع دائرة المشاركين في قضايا الغذاء، بحيث لا تبقى محصورة في الجهات الزراعية التقليدية. فالمرأة الريفية، وصاحب المشروع الصغير، والباحث، والطالب، والمستهلك، جميعهم أطراف يمكن أن تؤثر قراراتهم في مستقبل الغذاء. وبحسب الإعلان الرسمي لمنظمة الأغذية والزراعة عن فعالية طاجيكستان لعام 2026، فإن الهدف هو عرض حلول وشراكات تعزز الاستدامة والشمول وتدعم العمل الجماعي من أجل نظم غذائية أفضل.

وفي أوزبكستان، أُعلنت فعالية مقررة في التاسع والعشرين من تشرين الأول 2026 تجمع مؤسسات حكومية وشركاء تنمية وجهات أكاديمية ومزارعين وشباباً، بهدف عرض الممارسات الزراعية المستدامة والتقنيات الرقمية والإدارة الفعالة للموارد الطبيعية. وتبرز أهمية هذه التجربة في ربط الابتكار بالسياق المحلي، وعدم تقديم التكنولوجيا بوصفها حلاً منفصلاً عن احتياجات المجتمعات الزراعية. ووفقاً للإعلان الذي نشرته منظمة الأغذية والزراعة بشأن احتفالية أوزبكستان 2026، فإن البرنامج يستهدف إبراز دور المبادرات الشبابية والمعرفة المحلية والحلول الرقمية في بناء نظم غذائية أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة التحديات.

أما في الجانب الإعلامي، فتقدم منظمة الأغذية والزراعة نموذجاً لاستخدام الفنون والمواد المرئية والأنشطة الجماهيرية لتبسيط المفاهيم المعقدة. فقد خصصت لحملة 2026 مواد إعلامية وتعليمية، إلى جانب مسابقة دولية للملصقات الفنية، ما يتيح تقديم قضية الأمن الغذائي بطريقة تصل إلى جمهور أوسع من المتخصصين. ويمكن للمؤسسات الإعلامية العراقية الاستفادة من هذا التوجه عبر إنتاج قصص إنسانية مصورة عن المزارعين، وتحقيقات تتبع رحلة المحاصيل، وتقارير بيانات عن المياه والإنتاج والهدر، بدلاً من الاكتفاء بتغطية مراسم الاحتفال. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة، في برنامجها العالمي ليوم الأغذية العالمي 2026، أن المناسبة تجمع أنشطة توعوية ومجتمعية واسعة، وتشارك فيها حكومات وبلديات ومنظمات مجتمع مدني ووسائل إعلام وشباب من بلدان مختلفة.

«من قطرة ماء إلى لقمة غذاء»... مبادرة عراقية مقترحة تتجاوز الاحتفال التقليدي

انطلاقاً من شعار يوم الأغذية العالمي لعام 2026، يمكن طرح مبادرة عراقية بعنوان «من قطرة ماء إلى لقمة غذاء»، تقوم على تحويل العلاقة بين المياه والإنتاج الزراعي والاستهلاك إلى تجربة تفاعلية يفهمها الجمهور ويشارك في قياس نتائجها. والفكرة المقترحة ليست فعالية منفذة أو برنامجاً أعلنت عنه جهة رسمية، بل تصور تحريري وتنفيذي يمكن أن تتبناه جامعة أو مؤسسة حكومية أو منظمة مجتمع مدني أو جهة إعلامية. وتستمد المبادرة فلسفتها من دعوة منظمة الأغذية والزراعة في حملتها لعام 2026 إلى الجمع بين الابتكار والمعرفة المحلية لضمان غذاء مستدام، ومن الأولويات المتعلقة بالمياه وسبل العيش الواردة في الخطة الاستراتيجية القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في العراق.

وتقوم المبادرة على إنشاء مختبر تفاعلي مؤقت يضم محطات تعليمية وعلمية، تبدأ برحلة قطرة الماء من مصدرها إلى الحقل، ثم تنتقل إلى مراحل الإنتاج والحصاد والتخزين والتوزيع والاستهلاك. وفي كل محطة، يُعرض تحدٍّ محدد مع حل قابل للتجربة أو القياس. ويمكن، على سبيل المثال، تقديم نموذج تعليمي يقارن بين طريقتين لإدارة الري، مع توضيح أن النتائج التجريبية لا يمكن تعميمها على جميع الحقول دون دراسة الظروف المحلية. كما يمكن عرض وسائل تحسين التخزين أو تقليل الفاقد أو متابعة جودة الغذاء، بمشاركة مختصين من المؤسسات الأكاديمية والزراعية. وتنسجم هذه الفكرة مع توجه منظمة الأغذية والزراعة بشأن الابتكار في النظم الزراعية والغذائية نحو تحويل المعرفة العلمية والخبرة التقليدية إلى حلول عملية مرتبطة بالإنتاج والأسواق والموارد.

أما المحطة الثانية، فيمكن تخصيصها لما يسمى «ميزان الهدر الغذائي»، وهو نشاط يعتمد على قياس المخلفات الغذائية ضمن نطاق محدد، مثل مطعم مؤسسة تعليمية أو قاعة طعام، خلال فترة زمنية معلنة. وتُجمع البيانات وفق إجراءات صحية واضحة، ثم تُقارن النتائج بعد تنفيذ نشاط توعوي لتحسين التخطيط وتقدير الكميات.

والهدف ليس إحراج الأفراد أو فرض سلوك غذائي معين، بل فهم أسباب الهدر المؤسسي والبحث عن حلول تنظيمية تقلله. ويمكن عرض النتائج بالأرقام والرسوم البيانية، بما يحول الرسالة التوعوية إلى تجربة قابلة للتحقق. وتستند أهمية هذا المحور إلى نتائج تقرير «مؤشر هدر الأغذية 2024» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي كشف ضخامة الهدر العالمي وأهمية تطوير إجراءات عملية لرصده والحد منه.

وفي المحطة الثالثة، يمكن إطلاق تحدٍّ طلابي بعنوان «فكرة لغذاء الغد»، تدعى إليه فرق من الجامعات والمدارس لتقديم مقترحات تعالج مشكلة محلية محددة، مثل كفاءة استخدام المياه أو سلامة تخزين المنتجات أو الاستفادة من المعلومات الزراعية أو تقليل خسائر النقل. ويُفضّل أن تعتمد عملية تقييم الأفكار على معايير واضحة تشمل قابلية التنفيذ والتكلفة والأثر المتوقع وسهولة الاستفادة منها، بدلاً من التركيز على المظهر التقني أو العرض التسويقي. ويمكن اختيار عدد محدود من الأفكار لتطوير نماذج أولية لها ومتابعتها بعد المناسبة. وتستمد هذه المقاربة إلهامها من البرنامج الشبابي لمنظمة الأغذية والزراعة لعام 2026، الذي يشجع الأجيال الجديدة على تصور حلول مبتكرة لمستقبل الغذاء باستخدام العلم والمعرفة والطبيعة.

وتكتمل المبادرة بمحطة رابعة تحمل عنوان «رحلة اللقمة العراقية»، تُعرض فيها سلسلة إنتاج محصول محلي من الحقل إلى المستهلك، مع بيان الموارد المستخدمة والمراحل التي قد يحدث فيها الفاقد. ويمكن تنفيذ العرض باستخدام شاشة تفاعلية أو لوحات معلوماتية أو نماذج تعليمية، مع ضرورة توثيق الأرقام الخاصة بكل محصول وعدم افتراض نسب ثابتة للهدر أو استهلاك المياه. وتتيح هذه المحطة للجمهور فهم أن الغذاء الذي يصل إلى المائدة هو نتيجة عمل متكامل يشارك فيه المزارع والناقل والتاجر والمصنع والمستهلك. وتنسجم الفكرة مع رؤية منظمة الأغذية والزراعة للابتكار في سلسلة الغذاء التي تشمل تحسين الإنتاج والتخزين والنقل والتسويق، وليس تطوير العمليات الزراعية وحدها.

ومن أجل أن تترك المبادرة أثراً بعد انتهاء المناسبة، يمكن وضع مؤشرات أداء محددة منذ البداية. فقد تستهدف الجهة المنظمة إشراك مئة طالب أو مشارك، واستقبال عشر أفكار ابتكارية، وتنفيذ أسبوع تجريبي لرصد الهدر، واختيار مشروع واحد على الأقل للمتابعة الفنية. وهذه الأعداد أهداف مقترحة وليست بيانات فعلية أو نتائج تحققت. والأهم أن يُنشر تقرير متابعة بعد ثلاثين أو تسعين يوماً يوضح ما نُفذ بالفعل، وما واجه التنفيذ من عقبات، وما إذا كانت النتائج قابلة للاستمرار. ويعكس هذا النهج الانتقال من الاحتفال الرمزي إلى العمل القائم على البيانات، وهو ما يتفق مع دعوة منظمة الأغذية والزراعة في حملتها العالمية لعام 2026 إلى العمل الجماعي وتبني الحلول التي تضمن مستقبلاً غذائياً أفضل.

الإعلام العراقي ودوره في تحويل قضية الغذاء إلى أولوية مجتمعية

يمتلك الإعلام العراقي فرصة مهمة لإعادة تقديم قضية الأمن الغذائي للجمهور بعيداً عن التغطيات الموسمية المرتبطة بمواعيد الحصاد أو قرارات الاستيراد أو ارتفاع الأسعار. فالغذاء قضية تتقاطع مع الصحة والاقتصاد والبيئة والتعليم والتشغيل والاستقرار الاجتماعي، ويمكن تناولها من زوايا صحفية متعددة تستند إلى الوقائع والبيانات والتجارب الإنسانية. ويحتاج هذا النوع من التغطية إلى الانتقال من الخبر المجرد إلى الصحافة التفسيرية التي تجيب عن أسئلة الجمهور: لماذا يتغير سعر محصول معين؟ وكيف يؤثر شح المياه في الإنتاج؟ وما العلاقة بين الهدر وكلفة الغذاء؟ وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تساعد المزارع؟ وتوفر المواد التفسيرية لمنظمة الأغذية والزراعة بشأن يوم الأغذية العالمي 2026 أساساً علمياً لربط هذه الأسئلة بمفهوم النظم الغذائية المتكاملة، التي تشمل الإنتاج والتخزين والنقل والتسويق والاستهلاك.

وتبرز أهمية الصحافة القائمة على البيانات في هذا الملف، خصوصاً مع تعدد المؤشرات المتعلقة بالأمن الغذائي. فهناك فرق بين إنتاج الحبوب، واحتياجات الاستيراد، ونسب الجوع، وانعدام الأمن الغذائي، والقدرة على تحمل كلفة الغذاء الصحي، ومؤشرات سوء التغذية. ولا يجوز التعامل مع هذه المفاهيم بوصفها أرقاماً متبادلة أو متطابقة. فعلى سبيل المثال، يشير تقدير إنتاج القمح العراقي البالغ 5.6 مليون طن إلى حجم محصول محدد في سنة معينة ونطاق جغرافي معين، بينما يشير رقم 645 مليون جائع إلى تقدير عالمي لحالة الجوع في عام 2025. ولذلك فإن المصداقية الصحفية تقتضي ذكر سنة البيانات ونطاقها وطبيعتها، والتمييز بين النتائج النهائية والتقديرات والتوقعات. ويمكن الاستناد في ذلك إلى موجز منظمة الأغذية والزراعة الزراعي عن العراق لعام 2026 وتقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026» بوصفهما مصدرين متخصصين لكل نوع من هذه المؤشرات.

كما يمكن للإعلام المحلي أن يؤدي دوراً في نقل تجارب المزارعين والباحثين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من خلال توثيق المشكلات التي يواجهونها والحلول التي يجربونها والنتائج التي يحققونها. وقد تكون قصة مزارع نجح في تحسين إدارة موارده أكثر تأثيراً من حملة إعلامية عامة، شريطة أن تُعرض تجربته بصورة دقيقة دون تعميم نتائجها أو المبالغة في نجاحها. ويمكن أيضاً إنتاج تحقيقات عن سلاسل تسويق المنتجات الزراعية، والتحديات التي تواجه التصنيع الغذائي، وفرص تطوير المنتجات المحلية، مع إتاحة المجال للخبراء والجهات الرسمية والمستهلكين لتقديم وجهات نظرهم. وتقدم التغطيات الميدانية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بشأن صمود المزارع العراقية نموذجاً للاهتمام بالتجارب الميدانية بوصفها مدخلاً لفهم التحديات الزراعية والتنموية.

ما الذي يحتاجه العراق بعد يوم الأغذية العالمي؟

إن تحويل يوم الأغذية العالمي إلى فرصة للتغيير يتطلب أولاً التعامل مع الأمن الغذائي بوصفه ملفاً طويل الأمد، لا مناسبة تنتهي بانتهاء الفعاليات. ويبدأ ذلك بتطوير البيانات المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك والأسعار والموارد المائية والفاقد الغذائي، وتسهيل الوصول إليها بصورة تساعد الباحثين والإعلاميين وصناع القرار. كما يتطلب تعزيز التنسيق بين المؤسسات الزراعية والمائية والصحية والتعليمية والاقتصادية، لأن القرارات المتعلقة بكل قطاع يمكن أن تؤثر في القطاعات الأخرى. وتؤكد الخطة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في العراق للفترة 2026–2029 أهمية تعزيز القدرات المؤسسية والتحليلية والسياساتية في العراق، بما يساعد الجهات الوطنية على تحسين دعم السكان الأكثر عرضة للمخاطر الغذائية.

أما الأولوية الثانية فتتمثل في الاستثمار بالحلول التي تراعي الواقع البيئي المحلي. فالمشاريع الزراعية الناجحة لا تُقاس بحداثة تقنياتها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار في ظل محدودية الموارد وتغير الظروف المناخية. ويحتاج العراق إلى تجارب ميدانية تقارن بين البدائل وتدرس تكاليفها وفوائدها، مع منح المزارعين دوراً أساسياً في تحديد الاحتياجات وتقييم النتائج. كما أن تحسين إدارة المياه والتربة ينبغي أن يترافق مع دعم المعرفة الزراعية والتدريب والصيانة والخدمات الفنية. ويمكن الاستفادة من وثائق العراق المتعلقة بالمساهمات المحددة وطنياً في مواجهة تغير المناخ، المنشورة عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لفهم الإطار الوطني للعمل المناخي، وربط التكيف الزراعي بإدارة الموارد والتنمية المستدامة.

وتتعلق الأولوية الثالثة ببناء شراكات عملية بين الجامعات والقطاعين العام والخاص والمزارعين والمجتمعات المحلية. فالجامعة قادرة على تطوير المعرفة واختبار الحلول، والمؤسسات الحكومية تمتلك دوراً تنظيمياً وتخطيطياً، والقطاع الخاص يمكن أن يسهم في الإنتاج والتسويق والاستثمار، بينما يمتلك المزارعون الخبرة المباشرة بالواقع الميداني. وعندما تعمل هذه الأطراف بصورة منفصلة، قد تضيع فرص مهمة للاستفادة من الموارد المتاحة. أما الشراكات القائمة على أهداف محددة ومؤشرات أداء واضحة، فيمكن أن تساعد على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة، في برنامج فعالية طاجيكستان المعلنة ليوم الأغذية العالمي 2026، أن التعاون بين المؤسسات والنساء والشباب وأصحاب المصلحة يمثل جزءاً أساسياً من بناء نظم غذائية أكثر استدامة وشمولاً.

وتبقى الأولوية الرابعة مرتبطة بالإنسان، باعتباره الهدف النهائي لجميع السياسات الغذائية. فزيادة الإنتاج وتحسين كفاءة الري وتقليل الهدر وتطوير الأسواق ليست غايات منفصلة، وإنما وسائل لضمان حصول الأسر على غذاء كافٍ وآمن وصحي، وحماية سبل عيش المزارعين، وتوفير فرص أفضل للأجيال المقبلة. ولهذا فإن النجاح الحقيقي لأي سياسة غذائية يجب أن يظهر في تحسن القدرة على الوصول إلى الغذاء وجودته واستقرار توافره، لا في ارتفاع المؤشرات الإنتاجية وحدها. ويشير تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026» إلى أن التقدم في مكافحة الجوع ممكن، لكنه يحتاج إلى سياسات متكاملة تحمي الفئات الهشة وتدعم استقرار الأسواق وتواجه العوامل التي تعرقل الوصول إلى الغذاء.

مستقبل الغذاء يبدأ بقرار نتخذه اليوم

في يوم الأغذية العالمي لعام 2026، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لم يعد السؤال متعلقاً بقدرة العالم على إنتاج الغذاء فقط، بل بقدرته على إدارة موارده بعدالة وكفاءة واستدامة. فوجود 645 مليون إنسان يعانون الجوع، ومليارات لا يستطيعون الحصول على غذاء صحي بتكلفة ميسورة، يكشف أن التقدم العلمي والإنتاجي لا يحقق غايته الإنسانية ما لم يصل أثره إلى حياة الناس. وفي المقابل، فإن تراجع الجوع عالمياً للعام الثالث على التوالي يثبت أن التحسن ممكن، وأن السياسات والابتكارات والشراكات قادرة على إحداث فرق عندما تتكامل جهودها.

وتؤكد نتائج تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026»، الذي عرضته منظمة الأغذية والزراعة، أن التقدم المسجل لا يزال هشاً ومتفاوتاً، وهو ما يجعل استمرار العمل ضرورة لا خياراً.

وفي العراق، يفتح تحسن إنتاج القمح والحبوب خلال عام 2026 نافذة مهمة للتفكير في مستقبل القطاع الزراعي، لكنه لا يلغي التحديات المتعلقة بالمياه والملوحة والتصحر والتفاوت بين المناطق. فالإنجاز الزراعي الذي يعتمد على موسم مطري جيد يحتاج إلى أن يتحول إلى قدرة مؤسسية وإنتاجية مستدامة، من خلال تحسين الإدارة والاستثمار بالمعرفة وتطوير التقنيات المناسبة وحماية الموارد الطبيعية. ويظهر التقييم الزراعي لمنظمة الأغذية والزراعة بشأن العراق الصادر في أيلول 2026 أن التحسن الإنتاجي والضغوط المائية يمكن أن يتزامنا في العام نفسه، وهي مفارقة تلخص جانباً مهماً من التحدي الذي يواجه الزراعة العراقية.

ولعل القيمة الأكبر لشعار «ابتكار اليوم، غذاء الغد» تكمن في أنه ينقل المسؤولية من المستقبل المجهول إلى الحاضر الممكن. فالغذاء الذي نحتاج إليه غداً يعتمد على القرارات التي تُتخذ اليوم بشأن المياه والأرض والبحث العلمي والتعليم والاستثمار والاستهلاك. وكل مشروع يقلل الفاقد، وكل فكرة تحسن كفاءة الموارد، وكل شراكة تدعم المزارعين، وكل مبادرة تعزز التغذية السليمة، يمكن أن تكون جزءاً من بناء نظام غذائي أكثر قدرة على الصمود. ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة في حملتها الرسمية لعام 2026، فإن الابتكار لا ينفصل عن المعارف التقليدية والمشاركة المجتمعية وحماية البيئة، بل يستمد قوته من الجمع بينها.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه العراق في يوم الأغذية العالمي ليس: كيف نحتفل بالغذاء؟ بل: كيف نضمن أن تكون أرضنا ومياهنا ومعرفتنا قادرة على إطعام أجيالنا المقبلة؟

فالمستقبل الغذائي لا تصنعه الشعارات وحدها، ولا تكفي لبنائه المواسم الزراعية الجيدة أو التقنيات الحديثة بمعزل عن الإنسان. إنه نتيجة عمل متواصل يبدأ من الحقل ويمر بالمختبر والمدرسة والسوق والمؤسسة الحكومية، وينتهي عند مائدة كل أسرة. ومن هنا يصبح يوم الأغذية العالمي 2026 فرصة لإطلاق التزام عراقي طويل الأمد يقوم على حماية المياه، ودعم المزارع، وتقليل الهدر، وتشجيع الابتكار، وضمان وصول الغذاء الصحي إلى الجميع.

ابتكار اليوم، غذاء الغد... ليس مجرد شعار لعام 2026، بل مسؤولية تبدأ الآن.

اضف تعليق