بين ما يتناوله الطائر من علف وما يحوّله جسمه إلى لحم، يكمن سؤال يشغل الباحثين والمربين: كيف نحقق إنتاجًا أفضل من الغذاء المتاح؟ سؤال قاد الباحث حسن طالب الجنابي إلى اختبار صور مختلفة من الخارصين في تغذية الدواجن، مستعينًا ببذور اليقطين لتحضير إحداها بتقنية النانو...
بين ما يتناوله الطائر من علف وما يحوّله جسمه إلى لحم، يكمن سؤال يشغل الباحثين والمربين: كيف نحقق إنتاجًا أفضل من الغذاء المتاح؟ سؤال قاد الباحث حسن طالب الجنابي إلى اختبار صور مختلفة من الخارصين في تغذية الدواجن، مستعينًا ببذور اليقطين لتحضير إحداها بتقنية النانو.
وفي رسالته للماجستير بقسم تقنيات الإنتاج الحيواني في الكلية التقنية المسيب، التابعة لجامعة الفرات الأوسط التقنية، قارن الجنابي تأثير أكسيد الخارصين النانوي الأخضر وخلات الخارصين العضوي في أداء فروج اللحم. وأظهرت تجربته نتائج مشجعة في النمو وكفاءة الاستفادة من العلف، لكنها تترك أسئلة مفتوحة بشأن السلامة والجدوى الاقتصادية قبل الانتقال إلى التطبيق الواسع.
فما الذي يغيّره حجم جزيئات الخارصين في استفادة الطائر منه؟ وأين تدخل بذور اليقطين في هذه العملية؟ وما الذي تعنيه النتائج لمربي الدواجن في العراق؟ أسئلة نطرحها على الجنابي في هذا الحوار.
لنبدأ من السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا اخترت الخارصين تحديدًا ليكون محور هذه الدراسة، وما الذي جعلك تنتقل من صورته التقليدية إلى صورته النانوية؟
اخترت الخارصين لأنه من العناصر المعدنية الأساسية التي يحتاجها فروج اللحم بصورة مستمرة فهو لا يرتبط بالنمو فقط وإنما يدخل في عدد كبير من العمليات الحيوية والإنزيمية المرتبطة بالتمثيل الغذائي وتخليق البروتين والمناعة وتكوين العظام. وتشير الأدبيات التي اعتمدت عليها الرسالة إلى أن الخارصين يدخل في عمل أكثر من 300 إنزيم وهذا يعطيه أهمية كبيرة في المحافظة على صحة الطائر وكفاءته الإنتاجية. لكن المشكلة التي دفعتني إلى البحث لم تكن في أهمية الخارصين بحد ذاته وإنما في الصورة التي يقدم بها للطائر ومدى استفادة الجسم منه. فالخارصين غير العضوي رغم انخفاض كلفته وتوافره قد تكون استفادة الطائر منه محدودة نسبيًا ولذلك قد تضطر صناعة الأعلاف إلى استخدام مستويات أعلى من الحاجة الفعلية بهدف ضمان وصول كمية كافية إلى جسم الطائر. ومن هنا ظهرت أمامي فكرة الانتقال من الصورة التقليدية إلى الصورة النانوية. فعندما تتحول المادة إلى جسيمات ذات أبعاد نانوية تتغير خصائصها الفيزيائية والكيميائية ولا سيما زيادة مساحة السطح مقارنة بالحجم الأمر الذي قد يؤثر في ذوبانها وامتصاصها وتفاعلها داخل الجهاز الهضمي. لذلك لم يكن الهدف من الدراسة مجرد القول إن النانو أفضل من الخارصين التقليدي وإنما كان السؤال العلمي الأهم: هل يمكن أن تؤدي إعادة تصميم المادة على المستوى النانوي إلى زيادة كفاءة الاستفادة من الخارصين وتحسين أداء الطائر؟
ولهذا قارنت الدراسة بين أكسيد الخارصين النانوي الأخضر والخارصين العضوي مع وجود معاملة سيطرة حتى لا يكون الحكم قائمًا على مقارنة شكل واحد من الخارصين بصورة معزولة.
عندما نتحدث عن أكسيد الخارصين النانوي الأخضر، فنحن أمام مصطلحين قد يبدوان تقنيين للقارئ؛ ما الذي يعنيه «النانو» وما الذي يضيفه «الأخضر» إلى هذه التقنية؟
مصطلح «النانو» يشير ببساطة إلى التعامل مع المادة في أبعاد صغيرة جدًا، بحيث تصبح للجسيمات خصائص تختلف عن خصائص المادة نفسها عندما تكون في حجمها التقليدي. وصغر حجم الجسيمات يؤدي إلى ارتفاع نسبة مساحة السطح إلى الحجم وهذا أحد الأسباب التي تجعل المواد النانوية أكثر تفاعلًا وقابلية للتعامل مع الوسط الحيوي. أما كلمة «الأخضر» فلا تعني أن لون المادة أخضر وانما تشير إلى طريقة تحضير الجسيمات النانوية باستخدام مصادر حيوية أو نباتية بدل الاعتماد الكامل على طرائق كيميائية تقليدية قد تحتاج إلى مواد كيميائية أو ظروف إنتاج أكثر تعقيدا. في دراستي تم استخدام بذور اليقطين كمصدر نباتي لتحضير أكسيد الخارصين النانوي الأخضر وتم تحضير العينة في مختبر جامعة الزهراء في كربلاء وفق الطريقة المعتمدة في الرسالة. كما جرى توصيف المادة باستخدام تقنيات التحليل المناسبة للتأكد من تكوينها وخصائصها. والتخليق الأخضر مهم لأنه يستفيد من المركبات الحيوية الموجودة في المستخلصات النباتية في عملية تكوين الجسيمات النانوية وتثبيتها ولذلك يمثل توجها أكثر استدامة من بعض الطرائق التقليدية. إذن يمكن تبسيط المصطلحين للقارئ بالقول إن «النانو» يتعلق بحجم وشكل المادة وخصائصها عند هذا الحجم الصغير جدًا، بينما «الأخضر» يتعلق بالطريقة التي تم بها تصنيع هذه الجسيمات باستخدام مكون نباتي. وفي هذه الدراسة تحديدا لم يكن الهدف إنتاج مادة نانوية فحسب وإنما اختبار إمكانية توظيف التخليق الأخضر في إنتاج إضافة علفية يمكن أن يكون لها أثر إيجابي في إنتاج الدواجن، مع مراعاة أن هذا المجال ما زال بحاجة إلى مزيد من الدراسات الخاصة بالسلامة والتطبيق التجاري.
الخارصين عنصر أساسي في تغذية الدواجن، لكن الرسالة تشير إلى أن صورته غير العضوية قد تعاني من انخفاض التوافر الحيوي وزيادة طرحه في الفضلات؛ فهل المشكلة إذن في كمية الخارصين أم في قدرة الطائر على الاستفادة منه؟
في تقديري العلمي المشكلة الأساسية ليست دائما في غياب الخارصين من العليقة وإنما في مدى قدرة الطائر على الاستفادة من الخارصين الموجود فيها، فالطائر قد يتناول كمية معينة من العنصر ولكن ليس بالضرورة أن تتحول الكمية كلها إلى صورة متاحة للامتصاص والاستفادة داخل الجسم، وهنا يأتي مفهوم التوافر الحيوي أي مقدار العنصر الذي يصبح متاحا بالفعل للامتصاص والاستخدام في العمليات الحيوية. وقد أشارت مراجعة المصادر في الرسالة إلى أن بعض صور الخارصين غير العضوية تعاني من انخفاض نسبي في التوافر الحيوي وهذا قد يؤدي إلى انخفاض كفاءة الاستخدام وزيادة طرح جزء من العنصر مع الفضلات، المشكلة تصبح أكثر أهمية عندما تستخدم مستويات مرتفعة من العنصر لتعويض انخفاض الاستفادة منه، ففي هذه الحالة لا يكون كل ما أضيف إلى العلف قد ذهب إلى بناء الأنسجة أو دعم العمليات الحيوية، فقد يطرح جزء منه إلى البيئة، لذلك جاءت فكرة استخدام صور مختلفة من الخارصين، ومنها الخارصين العضوي والجسيمات النانوية، لمحاولة تحسين كفاءة الاستفادة من العنصر بدل التركيز فقط على زيادة الكمي، والنتائج التي ظهرت في دراستي وخصوصا التفوق الواضح للمعاملة التي احتوت على 50 ملغم/كغم من أكسيد الخارصين النانوي الأخضر في عدد من الصفات الإنتاجية، تدعم فكرة أن شكل المادة وطريقة تقديمها يمكن أن يكونا مهمين بقدر أهمية كمية العنصر نفسها. لكنني لا أقول إن كل مشكلة الخارصين تحل بمجرد تحويله إلى صورة نانوية، فالتوافر الحيوي يتأثر أيضا بتركيب العليقة وحالة الطائر والعمر والجرعة وشكل المركب والظروف البيئية ولذلك فإن تحديد المستوى الأمثل يحتاج إلى تجارب إضافية.
دراستك لم تكتفِ بمقارنة الخارصين النانوي بالمعاملة التقليدية، بل قارنت أيضًا ثلاثة تراكيز من أكسيد الخارصين النانوي الأخضر وثلاثة تراكيز من الخارصين العضوي؛ لماذا كان من المهم اختبار التركيز وليس المادة وحدها؟
لأن المادة الواحدة لا تعمل بالضرورة بالطريقة نفسها عند جميع المستويات، فقد يكون المستوى المنخفض غير كاف لإظهار تأثير واضح وقد يكون المستوى المتوسط مناسبا، بينما قد لا يؤدي المستوى الأعلى بالضرورة إلى استمرار التحسن بالمقدار نفسه، ولهذا صممت الدراسة بحيث لا تقتصر المقارنة على النانوي مقابل العضوي وإنما تتضمن مستويات مختلفة لكل من أكسيد الخارصين النانوي الأخضر والخارصين العضوي، وبذلك أصبحت لدينا إمكانية النظر إلى عاملين في الوقت نفسه: الأول هو نوع مصدر الخارصين والثاني هو مستوى الإضافة، وهذا يجعل تفسير النتائج أكثر قيمة من تجربة تستخدم مستوى واحدًا فقط.
وقد أظهرت النتائج أن أكسيد الخارصين النانوي الأخضر حقق أفضل استجابة إنتاجية عند مستوى 50 ملغم/كغم، وكانت المعاملة T4 من أبرز المعاملات في وزن الجسم ومعامل التحويل الغذائي، بينما أظهر الخارصين العضوي تحسنًا في بعض المؤشرات، لكنه لم يصل عمومًا إلى المستوى الذي حققته المعاملات النانوية. والأهم أن النتائج أوضحت أن زيادة المستوى لا تعني تلقائيًا أن كل الأشكال الكيميائية ستعطي النتيجة نفسها، فقد اختلفت استجابة الطيور باختلاف نوع الخارصين ومستوى الإضافة معًا. لذلك أعتقد أن دراسة التركيز جزء أساسي من تقييم أي إضافة علفية جديدة، لأن الهدف النهائي ليس الوصول إلى أعلى جرعة وإنما الوصول إلى المستوى الذي يعطي أفضل استجابة ممكنة بكفاءة وأمان واقتصادية.
استخدمت 525 فرخًا موزعة على سبع معاملات خلال 40 يومًا؛ ما الذي يجعل تصميم التجربة قادرًا على القول إن الفروق التي ظهرت مرتبطة بالإضافة العلفية وليست مجرد اختلاف طبيعي بين الطيور؟
قوة التصميم التجريبي جاءت أولًا من وجود معاملة سيطرة تلقت العليقة الأساسية من دون إضافة، بحيث يمكن مقارنة الطيور التي تلقت الخارصين بمستوى أساسي واضح، كما استخدمت الدراسة 525 فرخًا من سلالة Ross 308 بعمر يوم واحد ووزعت بصورة عشوائية على سبع معاملات، بحيث ضمت كل معاملة 75 فرخًا موزعة على ثلاثة مكررات، بواقع 25 فرخًا في كل مكرر، وهذا التوزيع العشوائي مهم لأنه يقلل من احتمال أن يكون اختلاف النتائج ناتجًا عن اختيار طيور معينة لمعاملة معينة ويساعد على توزيع الاختلافات الطبيعية بين الطيور على جميع المعاملات. كذلك استمرت التجربة 40 يوما وتم قياس الصفات الإنتاجية بصورة دورية خلال مراحل التربية وليس الاعتماد على قياس واحد في نهاية التجربة، وشملت القياسات وزن الجسم والزيادة الوزنية واستهلاك العلف ومعامل التحويل الغذائي إضافة إلى صفات الذبيحة والمؤشرات الفسيولوجية والمناعية، ومن الناحية الإحصائية فإن وجود المكررات واستخدام التحليل الإحصائي يسمحان بتقدير مقدار الاختلاف بين المعاملات مقارنة بالاختلاف الطبيعي داخل التجربة، لذلك عندما تظهر فروق معنوية بين المعاملة النانوية ومعاملة السيطرة، فإننا لا نتعامل معها على أنها مجرد اختلاف فردي بين الطيور وإنما كدليل إحصائي على أن المعاملة الغذائية كانت مرتبطة بالاختلاف الذي ظهر في الصفة المدروسة.
النتيجة اللافتة أن إضافة أكسيد الخارصين النانوي الأخضر حسّنت الوزن الحي والزيادة الوزنية واستهلاك العلف ومعامل التحويل ونسبة التصافي؛ أي أن التأثير لم يظهر في مؤشر واحد، بل امتد إلى منظومة الأداء الإنتاجي كاملة، فكيف تفسرون هذا الاتساع في التأثير؟
يرتبط ذلك بطبيعة الخارصين نفسه، فهو ليس عنصرًا يعمل في مسار حيوي واحد، بل يدخل في عدد كبير من العمليات الأيضية والإنزيمية داخل جسم الطائر وبالتالي فإن تحسين توفره أو الاستفادة منه يمكن أن ينعكس بصورة غير مباشرة على أكثر من وظيفة في الجسم، فعندما تتحسن الاستفادة من العناصر الغذائية يمكن أن ينعكس ذلك على النمو وتكوين الأنسجة والزيادة الوزنية، كما يمكن أن يظهر في معامل التحويل الغذائي الذي يعد من أهم المؤشرات الاقتصادية في إنتاج فروج اللحم. وفي دراستي كانت المعاملة T4 التي احتوت على 50 ملغم/كغم من أكسيد الخارصين النانوي الأخضر، الأفضل في وزن الجسم الحي، فقد بلغ متوسط وزن الطيور في عمر 40 يومًا، كذلك بالنسبة لمعامل التحويل الغذائي التراكمي كان افضل معامل التحويل الغذائي في T4 وهو فرق مهم من الناحية الإنتاجية، لأن انخفاض معامل التحويل يعني أن الطائر تمكن من تحويل العلف المتناول إلى وزن حي بكفاءة أفضل. واشارت المناقشة إلى أن توفر الخارصين بصورة مناسبة قد يدعم نشاط الإنزيمات الهاضمة والاستفادة من العناصر الغذائية وهذا يمكن أن يفسر لماذا ظهر التأثير في مجموعة من الصفات الإنتاجية بدل أن يقتصر على الوزن وحده. لكنني أفضل علميًا ألا نقول إن النانو يعالج كل شيء، وإنما نقول إن النتائج تشير إلى تأثير متعدد الجوانب يمكن تفسيره بتداخل الخارصين مع النمو والتمثيل الغذائي والهضم والاستفادة من العلف، مع الحاجة إلى دراسات أكثر تخصصًا لتحديد الآليات الدقيقة.
لماذا كان تركيز 50 ملغم/كغم هو الأبرز؟ هل يمكن أن نفهم من ذلك أن زيادة الجرعة لا تعني بالضرورة نتيجة أفضل، وأن هناك مستوى أمثل يجب الوصول إليه؟
نعم وهذه من أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من التجربة، فالنتائج لا تعني أن الأكثر دائمًا هو الأفضل، وإنما تشير إلى أن هناك مستوى معينًا قد يعطي استجابة أفضل تحت ظروف التجربة المستخدمة. المعاملة T4 وهي 50 ملغم أكسيد الخارصين النانوي الأخضر/كغم علف، حققت أعلى وزن جسم في عمر 40 يومًا، كما حققت أفضل معامل تحويل غذائي تراكمي، وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحويل هذه النتيجة مباشرة إلى قاعدة تقول إن 50 ملغم/كغم هو المستوى المثالي لجميع قطعان الدواجن وفي جميع الظروف، لأن التجربة اختبرت ثلاثة مستويات فقط هي 10 و30 و50 ملغم/كغم، قد يكون هناك مستوى أمثل قريب من 50 ملغم/كغم، وقد يكون أعلى أو أقل وهذا سؤال يحتاج إلى تصميم تجربة أخرى تستخدم مستويات أكثر. وهذا مهم جدًا لأن استخدام الإضافات المعدنية يجب أن يوازن بين الحاجة الغذائية والفائدة الحيوية والسلامة والتكلفة وليس بين الجرعة الأعلى والجرعة الأقل فقط. لذلك أقول إن نتيجة 50 ملغم/كغم في رسالتي تمثل أفضل مستوى من المستويات التي اختبرت في هذه الدراسة وتحت ظروفها وليس توصية نهائية بأن هذه الجرعة هي الأفضل لكل مزارع أو كل سلالة أو كل نظام تربية.
إذا كانت المعاملة النانوية الأفضل قد حققت تحسنًا في معامل التحويل الغذائي، فهل نحن أمام فرصة اقتصادية حقيقية لمربي الدواجن، أم أن الانتقال من المختبر إلى الحقل يحتاج إلى حسابات أخرى تتعلق بسعر الإضافة وكلفة الإنتاج؟
من الناحية الاقتصادية فأن النتيجة مشجعة جدا لأن معامل التحويل الغذائي من أكثر المؤشرات ارتباطا باقتصاديات إنتاج فروج اللحم. فإذا استطاع الطائر تحقيق وزن اعلى باستخدام كمية علف اقل نسبيا، فإن ذلك يمكن أن ينعكس على تكلفة إنتاج الكيلوغرام من اللحم. أرى أن الخطوة الاقتصادية التالية يجب أن تكون تجربة ميدانية تتضمن تحليلًا اقتصاديًا كاملًا لأن نجاح أي تقنية في صناعة الدواجن لا يقاس بالنتيجة البيولوجية فقط وإنما بقدرتها على تحقيق فائدة إنتاجية واقتصادية مستدامة.
من النتائج المثيرة للاهتمام انخفاض الغلوكوز والكوليسترول والدهون الثلاثية وارتفاع البروتين الكلي في مصل الدم عند إضافة أكسيد الخارصين النانوي؛ كيف يمكن ترجمة هذه المؤشرات المخبرية إلى معنى مفهوم بالنسبة لصحة الطائر وجودة إنتاجه؟
هذه المؤشرات مهمة لأنها تعطينا صورة عن الحالة الأيضية للطائر ولكن هنا أود ان اكون دقيقًا جدًا في نقل نتيجة الرسالة. الجداول التفصيلية في الدراسة لا تثبت وجود فروق معنوية في الغلوكوز والكوليسترول والدهون الثلاثية والبروتين الكلي بالمستوى نفسه الذي تفترضه صياغة السؤال، إذ كانت معظم هذه المؤشرات غير معنوية إحصائيًا، بينما ظهر اختلاف معنوي في حامض اليوريك. ومع ذلك، فإن قياس هذه المؤشرات كان مهمًا لأنه يساعدنا على تقييم كيفية استجابة الجسم للإضافة من الناحية الأيضية. فالبروتين الكلي يرتبط بصورة عامة بالحالة البروتينية والاستقلابية، بينما يعكس الغلوكوز والدهون الثلاثية والكوليسترول جوانب من استقلاب الطاقة والدهون. أما بالنسبة للطيور، فإن هذه المؤشرات لا تُفسر منفردة، وإنما يجب قراءتها مع النمو، واستهلاك العلف، ومعامل التحويل، ومؤشرات الدم الأخرى، وحالة الكبد والكلى. ولهذا فإن القيمة الحقيقية للفحوصات الفسيولوجية في هذه الدراسة كانت أنها أعطت صورة إضافية إلى جانب الأداء الإنتاجي بحيث لا يكون الحكم على المادة النانوية قائمًا على الوزن فقط. ومن الناحية العلمية، فإن هذه النتائج تؤكد أيضًا أهمية إجراء دراسات أطول وأكثر تفصيلًا تشمل مؤشرات إنزيمية وأيضية إضافية لأن فهم التأثير الفسيولوجي الدقيق للجسيمات النانوية يحتاج إلى أكثر من مؤشر واحد.
الخارصين لا يرتبط بالنمو فقط، بل بالمناعة ومقاومة الإجهاد التأكسدي أيضًا؛ هل يمكن القول إن ما حققته الإضافة النانوية كان تحسينًا لصحة الطائر من الداخل، وليس مجرد دفعه إلى زيادة الوزن؟
نعم، ولكن مع ضرورة التعبير العلمي الدقيق عن هذه الفكرة. فالخارصين عنصر يدخل في وظائف مناعية وإنزيمية متعددة، ولذلك فإن دراسة تأثيره لا ينبغي أن تقتصر على وزن الجسم أو الزيادة الوزنية. ولهذا شملت رسالتي إلى جانب الصفات الإنتاجية مجموعة من المؤشرات الفسيولوجية والدموية ومنها الهيموغلوبين وPCV وMDA، إضافة إلى عدد من المؤشرات الكيموحيوية واختبارات الأجسام المضادة. وأحد الجوانب المهمة في النتائج كان تحسن بعض الصفات الدموية وانخفاض معدل المالونديهايد MDA وفق استنتاجات الدراسة وهو مؤشر يرتبط بالإجهاد التأكسدي وبالتالي فإن النتيجة لا تتعلق فقط بزيادة وزن الطائر. كما أن مراجعة المصادر أوضحت أن الخارصين يؤدي دورًا في عمل الإنزيمات المضادة للأكسدة وفي المحافظة على سلامة الخلايا وأن الجسيمات النانوية يمكن أن تؤثر في الاستجابة المناعية ومقاومة الإجهاد التأكسدي.
الرسالة تذكر أن التقنية النانوية قد تساعد على تحسين الامتصاص والاستفادة من العناصر الغذائية؛ هل تكمن قوة النانو في المادة نفسها، أم في جعل الجسم يحصل على الفائدة من كمية أقل؟
أن قوة النانو تكمن في الاثنين معًا ولكن بصورة أساسية في تغيير خصائص المادة وطريقة تفاعلها مع الوسط الحيوي، فعندما يصبح حجم الجسيمات صغيرًا جدًا تزداد مساحة سطحها نسبة إلى حجمها وهذا يمكن أن يؤثر في ذوبانها وتفاعلها وإتاحتها للامتصاص. لذلك لا ينبغي أن نفكر في النانو على أنه مادة جديدة مختلفة تمامًا عن الخارصين، فالخارصين يبقى هو العنصر الأساسي، لكن طريقة وجوده وتقديمه إلى الجسم تختلف. ومن هذا المنظور يمكن أن يؤدي تحسين التوافر الحيوي إلى تحقيق الفائدة المطلوبة بكمية أكثر كفاءة، بدل أن يكون الحل دائمًا في زيادة كمية المادة المضافة إلى العلف. وهذا هو السبب في أن مراجعة الرسالة أشارت إلى أن المعادن النانوية يمكن أن تساعد في تلبية الاحتياجات الغذائية بكميات صغيرة مع إمكانية تقليل الفاقد والطرح البيئي عندما تتحسن الاستفادة من العنصر. لكن لا يمكن من نتائج تجربتي وحدها أن أقول إن الطائر يحتاج حتمًا إلى كمية أقل من الخارصين النانوي مقارنة بكل المصادر التقليدية، لأن ذلك يحتاج إلى قياس مباشر للتوافر الحيوي والاحتفاظ بالخارصين وطرحه في الفضلات. لذلك فإن السؤال العلمي القادم ليس فقط «هل النانو أفضل؟» وإنما كمية الخارصين التي يستطيع الطائر الاستفادة منها فعليًا وما مقدار ما يحتفظ به جسمه وما يطرحه؟ وهذا سيكون من أهم المحاور التي تستحق الدراسة مستقبلًا.
اخترت التخليق الأخضر باستخدام المستخلصات النباتية في تحضير الجسيمات النانوية؛ لماذا كان هذا الخيار مهمًا علميًا وبيئيًا مقارنة بطرائق التحضير التقليدية؟
كان اختيار التخليق الأخضر جزءًا مهمًا من فلسفة البحث، لأنني لم أكن أريد فقط تحضير أكسيد الخارصين بحجم نانوي وإنما أردت استخدام طريقة تحضير تتجه نحو الاستدامة والاستفادة من المصادر الحيوية. والتخليق الأخضر يعتمد بصورة عامة على استخدام مكونات حيوية، مثل المستخلصات النباتية للمساعدة في تكوين الجسيمات النانوية بدل الاعتماد بصورة كاملة على بعض المواد الكيميائية القاسية المستخدمة في بعض طرائق التصنيع التقليدية. وهذا التوجه قد يقلل من استخدام بعض المواد الكيميائية ويجعل عملية التصنيع أكثر توافقًا مع مفهوم الاستدامة، فضلًا عن إمكانية الاستفادة من المواد النباتية المحلية أو المتاحة بسهولة.
الحديث عن النانو غالبًا يحمل معه سؤال السلامة؛ إذا كانت الجسيمات أصغر وأكثر قدرة على الامتصاص والوصول إلى الأنسجة، فهل تصبح هذه الميزة نفسها مصدر قلق إذا لم تُضبط الجرعة؟
بالتأكيد، وهذه نقطة لا يمكن للباحث تجاهلها. فالميزة التي تجعل الجسيمات النانوية مثيرة للاهتمام، وهي صغر الحجم وزيادة التفاعل والتوافر الحيوي، يمكن أن تصبح مصدر قلق إذا لم تكن الجرعة والشكل الكيميائي وخصائص الجسيمات محددة بصورة دقيقة. ولهذا فإن التعامل مع المواد النانوية يختلف عن التعامل مع المواد التقليدية، إذ لا يكفي أن نعرف كمية المادة فقط وإنما من المهم معرفة حجم الجسيمات وشكلها وخصائص سطحها وطريقة تحضيرها ومدى استقرارها. لذلك أرى أن القاعدة الأساسية في استخدام النانو هي: كلما زادت القدرة على الامتصاص والتفاعل زادت الحاجة إلى ضبط الجرعة والتوصيف والتقييم السمي ولا يجوز أن تتحول كلمة نانو إلى مبرر لاستخدام المادة بصورة عشوائية.
في مراجعة المصادر تظهر إشارات واضحة إلى أن استخدام المواد النانوية في تغذية الحيوان ما زال يحتاج إلى مزيد من البحث والتقييم؛ أين تنتهي النتائج الواعدة لدراستك وأين يبدأ الحذر العلمي؟
تنتهي النتائج الواعدة لدراستي عند حدود ما أثبتته التجربة فعلًا. فقد وجدت أن أكسيد الخارصين النانوي الأخضر ولا سيما مستوى 50 ملغم/كغم، ارتبط بتحسن واضح في عدد من الصفات الإنتاجية وكان الأفضل في وزن الجسم ومعامل التحويل الغذائي ضمن مستويات التجربة. لكن لا أستطيع أن أنتقل من هذه النتيجة إلى القول إن المادة آمنة تمامًا لكل الأعمار والسلالات والجرعات والظروف البيئية، لأن هذه الأسئلة لم تكن كلها ضمن أهداف التجربة. كما أن التجربة أجريت على عدد محدد من الطيور وفي مكان محدد ولمدة 40 يومًا وتحت ظروف تربية محددة ولذلك فإن تعميم النتيجة على جميع المزارع يحتاج إلى تجارب ميدانية أوسع. والحذر العلمي لا يعني رفض التقنية بل يعني أن نمنحها فرصة للتطور بناءً على الأدلة، فالتقنية الجديدة تحتاج إلى أن تمر من إثبات الفعالية إلى إثبات السلامة ثم إلى إثبات الجدوى الاقتصادية ثم إلى تقييم التطبيق التجاري. وقد أشارت مراجعة الرسالة إلى أن الاستخدام الآمن للجسيمات النانوية أصبح موضوع اهتمام الهيئات العلمية والتنظيمية المختلفة وأن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات المتخصصة لتقييم المخاطر والفوائد. لذلك فإن موقفي كباحث هو أن نتائج الدراسة مشجعة وليست نهائية، فهي تفتح الباب أمام تطبيقات مستقبلية، لكنها في الوقت نفسه تفرض علينا مسؤولية إجراء دراسات سلامة وتوافر حيوي وبقايا وجدوى اقتصادية قبل إصدار حكم نهائي بشأن استخدامها على نطاق واسع.
بعض الدراسات التي استندت إليها لم تتطابق نتائجها تمامًا مع نتائجك؛ عندما يختلف الباحث مع نتائج سابقة، هل يكون الاختلاف مشكلة في البحث أم فرصة لاكتشاف أن الجرعة أو الظروف أو نوع المادة يصنع فرقًا؟
الاختلاف بين نتائج الدراسات ليس بالضرورة مشكلة، بل قد يكون من أكثر الأمور فائدة في البحث العلمي. فالعلوم التطبيقية ومنها تغذية الدواجن تتأثر بمجموعة كبيرة من العوامل التي قد تختلف من تجربة إلى أخرى. فنوع سلالة الطيور والعمر ودرجة الحرارة وتركيب العليقة الأساسية والحالة الصحية ونوع الخارصين وحجم الجسيمات النانوية وطريقة تصنيعها والجرعة المستخدمة كلها عوامل يمكن أن تغير الاستجابة. ولهذا فإن عدم تطابق نتائج دراسة مع دراسة أخرى لا يعني مباشرة أن إحدى الدراستين خاطئة، بل يجب أن نسأل: هل كانت الظروف التجريبية متطابقة؟
في رسالتي مثلًا، لم أستخدم فقط «الخارصين النانوي» بشكل عام، وإنما استخدمت أكسيد الخارصين النانوي الأخضر المحضر من بذور اليقطين، وقارنت ثلاثة مستويات محددة مع ثلاثة مستويات من الخارصين العضوي. ومن ثم فإن الاختلاف مع بعض الدراسات السابقة يمكن أن يكون فرصة لفهم العلاقة بين شكل المادة والجرعة والظروف التجريبية بدل البحث عن نتيجة واحدة ثابتة تصلح لجميع الحالات. ولهذا أعتبر اختلاف النتائج حافزًا لإجراء تجارب أكثر دقة.
الخارصين العضوي أظهر هو الآخر تحسنًا في بعض المؤشرات، لكنه لم يصل إلى مستوى أكسيد الخارصين النانوي الأخضر؛ ما الذي تخبرنا به هذه المقارنة تحديدًا عن كفاءة الشكل الكيميائي للمادة؟
هذه المقارنة كانت من النقاط المهمة في تصميم التجربة، لأنني لم أكتفِ بمقارنة النانو مع السيطرة وإنما وضعت مصدرًا آخر للخارصين وهو الخارصين العضوي لمعرفة ما إذا كان التفوق ناتجًا فقط عن إضافة الخارصين أو مرتبطًا بشكل المادة أيضًا. وقد أظهر الخارصين العضوي تحسنًا في عدد من الصفات وخصوصًا عند مستوى 30 ملغم/كغم لكنه لم يصل عمومًا إلى المستوى الذي حققته معاملات أكسيد الخارصين النانوي الأخضر. وهذا يشير إلى أن الشكل الكيميائي وحجم الجسيمات قد يكون لهما دور في مقدار الاستفادة من الخارصين، وليس فقط كمية العنصر المضافة. لكنني لا أفسر ذلك على أنه دليل على أن كل أنواع الخارصين النانوي أفضل دائمًا من كل أنواع الخارصين العضوي، فالمقارنة كانت بين مادة محددة حضّرت بطريقة محددة ومصدر عضوي محدد وتحت ظروف تجربة محددة. ومن هنا تأتي قيمة الدراسة: لقد أعطتنا دليلًا تجريبيًا على أن نوع مصدر الخارصين يمكن أن يغير الاستجابة الإنتاجية وهذا يستحق المزيد من الدراسة على مستويات مختلفة.
إذا أردنا اختزال رسالتك في سؤال عملي واحد يهم قطاع الدواجن: هل يمكن أن يصبح أكسيد الخارصين النانوي الأخضر بديلًا أكثر كفاءة لبعض الإضافات التقليدية في الأعلاف؟ أم أن الوقت ما زال مبكرًا لإطلاق هذا الحكم؟
أعتقد أن الوقت ما زال مبكرًا لإطلاق حكم نهائي، لكن النتائج التي توصلت إليها تجعل الفكرة واعدة جدًا وتستحق الانتقال إلى مراحل بحثية أوسع. ففي هذه الدراسة حقق أكسيد الخارصين النانوي الأخضر تحسنًا واضحًا في عدد من الصفات الإنتاجية وكان مستوى 50 ملغم/كغم هو الأفضل بين المستويات التي تم اختبارها. كما أن المقارنة مع الخارصين العضوي أظهرت تفوق المعاملة النانوية في عدد من المؤشرات، الأمر الذي يدعم إمكانية أن تكون الصورة النانوية أكثر كفاءة في ظروف التجربة. لكن البديل التجاري لا يحدد من خلال الوزن ومعامل التحويل فقط. نحن بحاجة إلى معرفة تكلفة التصنيع وثبات المادة أثناء خلطها بالعلف وتخزينه وسلامة استخدامها ومقدار الخارصين الذي يصل إلى الأنسجة ومقدار ما يطرح في الفضلات. كما يجب اختبار المادة في مزارع تجارية وليس فقط في ظروف التجربة البحثية وعلى أعداد أكبر من الطيور وتحت ظروف مناخية مختلفة. لذلك سأصف النتيجة بأنها إشارة علمية قوية إلى إمكانية استخدام أكسيد الخارصين النانوي الأخضر كمضاف علفي واعد وليس حكمًا نهائيًا بأنه أصبح بديلًا جاهزًا لجميع الإضافات التقليدية.
نتائجك تشير إلى تحسن في الأداء الإنتاجي إلى جانب مؤشرات مرتبطة بالمناعة ومقاومة الإجهاد التأكسدي؛ هل ترى أن مستقبل تغذية الدواجن سيتجه من مجرد توفير الاحتياجات الغذائية إلى تصميم أعلاف «وظيفية» تدعم صحة الحيوان أيضًا؟
نعم، أعتقد أن هذا هو أحد الاتجاهات المهمة في مستقبل تغذية الدواجن. فالعلف الحديث لم يعد ينظر إليه فقط على أنه مصدر للطاقة والبروتين والأحماض الأمينية والمعادن، وإنما أصبح من الممكن أن يكون وسيلة للمساهمة في دعم وظائف الجسم المختلفة. وهذا ما نراه في الاهتمام المتزايد بمضافات الأعلاف التي يمكن أن تؤثر في المناعة وصحة الأمعاء والإجهاد التأكسدي، وكفاءة الاستفادة من العناصر الغذائية. وفي هذا السياق تأتي تقنية النانو لأنها تسمح بتصميم بعض المواد أو تقديمها بصورة قد تحسن التوافر الحيوي والتفاعل داخل الجسم. ودراستي حاولت النظر إلى الخارصين من هذه الزاوية، فلم أدرس وزن الجسم فقط، بل درست أيضًا معامل التحويل وصفات الذبيحة ومؤشرات الدم والإجهاد التأكسدي وبعض المؤشرات المناعية. لكن مفهوم «العلف الوظيفي» يجب أن يبقى قائمًا على الدليل، فلا يكفي أن نضيف مادة ونفترض أنها تحسن الصحة، بل يجب قياس التأثير بصورة موضوعية ومقارنة النتائج مع السيطرة وتحديد الجرعة الآمنة والفعالة. وأعتقد أن المستقبل سيكون في أعلاف مصممة ليس فقط لتلبية الاحتياجات الغذائية، وإنما لتحسين كفاءة استخدام الغذاء ودعم صحة الأمعاء والمناعة وتقليل الإجهاد التأكسدي وتحسين جودة المنتج، بشرط أن يتم ذلك ضمن إطار علمي واقتصادي وسلامة غذائية واضحة.
بعد كل هذه النتائج، لو أُعيدت التجربة اليوم، ما المتغير الذي ستضيفه إليها؟ هل سيكون توسيع عدد الطيور، إطالة مدة التجربة، دراسة بقايا الخارصين في الأنسجة، أم اختبار الجدوى الاقتصادية؟
إذا أُعيدت التجربة، فسأضيف دراسة بقايا الخارصين وتوزيعه في الأنسجة إلى جانب التحليل الاقتصادي وأرى أن الجمع بينهما سيكون أكثر فائدة من زيادة عدد الطيور وحدها. فالنتيجة الإنتاجية أصبحت واضحة نسبيًا في التجربة، لكن السؤال الذي يليها هو: ماذا يحدث للخارصين النانوي بعد دخوله جسم الطائر؟ وكم منه يتم امتصاصه؟ وكم يبقى في الأنسجة؟ وكم يطرح مع الفضلات؟ هذه الأسئلة مهمة جدًا، خصوصًا لأن المادة النانوية تختلف عن الصورة التقليدية من حيث حجم الجسيمات والتفاعل الحيوي، وبالتالي فإن دراسة التوزيع والاحتفاظ بها ستساعد في تقييم السلامة والتوافر الحيوي بصورة أدق. وفي الوقت نفسه، سأضيف تحليلًا اقتصاديًا كاملًا، بحيث لا نكتفي بمعرفة أن T4 حققت أفضل معامل تحويل وإنما نحسب تكلفة إنتاج المادة النانوية وتكلفة إضافتها لكل طن علف والتوفير الناتج عن تحسن معامل التحويل والعائد النهائي لكل طائر. كما سيكون من المفيد توسيع التجربة إلى عدد أكبر من الطيور ومواقع تربية مختلفة، لأن ذلك يزيد من إمكانية تعميم النتائج. أما إطالة مدة التجربة، فهي أقل أولوية بالنسبة لفروج اللحم من دراسة البقايا والتوزيع والجدوى الاقتصادية، لأن مدة 40 يومًا في الدراسة تمثل تقريبًا دورة الإنتاج التي استهدفتها التجربة. لذلك ستكون السلامة والتوافر الحيوي والاقتصاد هي المحاور التي أضعها في مقدمة التجربة القادمة.
وأختم بالسؤال الذي يختبر قيمة البحث خارج قاعة المناقشة: إذا أثبتت الدراسات اللاحقة سلامة أكسيد الخارصين النانوي الأخضر وجدواه الاقتصادية، فما الشيء الذي يمكن أن يتغير فعليًا في صناعة الدواجن العراقية بفضل هذه النتيجة؟
إذا أثبتت الدراسات اللاحقة سلامة المادة وجدواها الاقتصادية، فإن أول تغيير محتمل سيكون في كفاءة استخدام العلف، وهي من أهم عناصر تكلفة إنتاج فروج اللحم. وإذا أمكن تحقيق وزن تسويقي جيد باستخدام كمية علف أقل نسبيًا، فإن ذلك يمكن أن يخفض تكلفة إنتاج اللحم ويرفع هامش الربح لدى المربي. كما يمكن أن يفتح استخدام التخليق الأخضر مجالًا للاستفادة من الموارد النباتية المتاحة محليًا في إنتاج إضافات علفية ذات قيمة مضافة، بدل الاعتماد الكامل على المنتجات المستوردة. وقد يكون لذلك بعد بيئي أيضًا، فإذا أدى تحسين التوافر الحيوي للخارصين إلى تقليل كمية الخارصين غير المستفاد منه والمطروح في الفضلات، فإن ذلك قد يساعد في الحد من الحمل البيئي المرتبط بطرح المعادن. ومن الناحية الإنتاجية، تشير نتائج الدراسة إلى أن المعاملة T4 حققت وزنًا حيًا مرتفعًا ومعامل تحويل غذائي أفضل من السيطرة وهي نتائج إذا تكررت في تجارب ميدانية واسعة يمكن أن تكون ذات أهمية مباشرة للمربين. لكن الأهم بالنسبة لي أن البحث يمكن أن يساهم في تغيير طريقة التفكير في صناعة الأعلاف العراقية، أي الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على الإضافات التقليدية فقط إلى البحث عن إضافات أكثر كفاءة واستدامة، مصممة وفق احتياجات الطائر الحقيقية. وفي النهاية، لا أعتقد أن قيمة البحث تكمن في استبدال مادة بأخرى فقط وإنما في إثبات أن لدينا إمكانية لتطوير حلول غذائية حديثة يمكن أن تجمع بين الإنتاجية والصحة والاستدامة. وإذا أكدت الدراسات المستقبلية السلامة والجدوى الاقتصادية، فقد يكون أكسيد الخارصين النانوي الأخضر أحد الأمثلة على كيفية توظيف البحث العلمي والتقنيات الحديثة في معالجة مشكلات حقيقية تواجه صناعة الدواجن العراقية، مثل ارتفاع كلفة الأعلاف والحاجة إلى تحسين كفاءة التحويل الغذائي وتقليل الفاقد ورفع إنتاجية الطائر وجودة المنتج.
تفتح هذه التجربة بابًا للبحث في تحسين تغذية الدواجن، وتضع أمام الدراسات المقبلة مهمة التحقق من السلامة والجدوى الاقتصادية، وصولًا إلى نتائج يمكن للمربين الاستفادة منها عمليًا. وفي ختام الحوار، نتقدّم بالشكر إلى الباحث حسن طالب الجنابي على ما قدّمه من إيضاحات، ومشاركته تفاصيل تجربته العلمية، متمنّين له التوفيق في استكمال أبحاثه بما يخدم قطاع الدواجن في العراق.



اضف تعليق