فاتورة علاج واحدة قد تغيّر ترتيب احتياجات بيت كامل؛ يتأخر شراء الملابس، وتُختصر المائدة، ويؤجل الأبوان ما يحتاجه الأبناء للمدرسة. وفقدان عمل يستمر أشهرًا قد يستهلك مدخرات صنعتها سنوات، فيما يستطيع شح الماء أن يحوّل أرضًا منتجة إلى عبء على أصحابها...
فاتورة علاج واحدة قد تغيّر ترتيب احتياجات بيت كامل؛ يتأخر شراء الملابس، وتُختصر المائدة، ويؤجل الأبوان ما يحتاجه الأبناء للمدرسة. وفقدان عمل يستمر أشهرًا قد يستهلك مدخرات صنعتها سنوات، فيما يستطيع شح الماء أن يحوّل أرضًا منتجة إلى عبء على أصحابها. هذه احتمالات تضع سؤالًا يوميًا أمام سياسات مكافحة الفقر: ما مقدار الأمان الذي تملكه الأسرة بعد تحسن دخلها؟ وما الذي يحميها عندما تتوقف قدرتها على الكسب أو ترتفع كلفة حاجاتها الأساسية؟
يأتي اليوم الدولي للقضاء على الفقر، الذي يوافق ١٧ تشرين الأول، والعراق أمام نتائج رسمية تشير إلى تراجع الفقر النقدي، يقابلها تفاوت واسع بين المحافظات وأسئلة عن العمل والضمان والخدمات. وتمنح المناسبة فرصة لقراءة ما وراء النسبة العامة: قدرة الأسرة على شراء غذاء مناسب، والوصول إلى العلاج، وإبقاء أبنائها في التعليم، والاستمرار في العمل دون خوف دائم من خسارة موردها. فاستدامة التحسن تحتاج إلى مؤسسات تتدخل قبل استنزاف الموارد الصغيرة التي يعتمد عليها الناس في مواجهة الطوارئ.
وعلى المستوى العالمي، كشف تحديث مؤشر الفقر متعدد الأبعاد، الذي أعلنه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أوكسفورد للفقر والتنمية البشرية في ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦، عن نحو ١٫٢ مليار إنسان يعيشون أشكالًا متداخلة من الحرمان في الدول التي يشملها القياس. ومن بينهم ٦١٧ مليون طفل، فيما يعيش ٨٣ في المئة من الفقراء المشمولين بالمؤشر في المناطق الريفية. ويجمع المؤشر أبعاد الصحة والتعليم ومستوى المعيشة، مستندًا إلى مسوح أُجريت في سنوات مختلفة، ما يجعل النتائج صورة تجميعية لأحدث البيانات المتاحة، وليست مسحًا عالميًا نُفذ خلال عام واحد.
وتساعد هذه الصورة على فهم سبب استمرار القلق حتى عندما تتحسن بعض المؤشرات النقدية. فقد يرتفع دخل الأسرة ويبقى وصولها إلى الماء أو المدرسة أو المركز الصحي محدودًا، وقد يتحسن السكن بينما يظل العمل متقطعًا. كما أن الفقر النقدي والفقر متعدد الأبعاد يطرحان سؤالين مختلفين؛ الأول يقيس الموارد قياسًا إلى خط محدد، والثاني يرصد الحرمان في مجالات متزامنة. والجمع بين القراءتين يتيح رؤية أقرب إلى حياة الناس، شرط الحفاظ على اختلاف تعريفاتهما وتجنب جمع أعدادهما أو التعامل معها بوصفها مجموعات منفصلة تمامًا.
في العراق، أعلنت وزارة التخطيط في ٢٦ شباط ٢٠٢٥ نتائج المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، متضمنة معدل فقر بلغ ١٧٫٥ في المئة، ومعدل بطالة قدره ١٣٫٥ في المئة لمن تبلغ أعمارهم ١٥ سنة فأكثر. كما أوردت النتائج متوسطًا لحجم الأسرة بلغ ٥٫٩ أفراد، ونسبة اكتظاظ سكني وصلت إلى ٢٩ في المئة، وفق معيار وجود أكثر من ثلاثة أشخاص في الغرفة الواحدة. وتوضح هذه المؤشرات أن متابعة الفقر تحتاج إلى قراءة علاقة الدخل بحجم الأسرة والسكن وفرص العمل، وهي عناصر تتداخل في تحديد مقدار ما يكفي للعيش.
وتحمل نسبة ١٧٫٥ في المئة دلالة مهمة في تتبع الفقر على المستوى الوطني، لكنها تترك أسئلة تحتاج إلى معلومات أكثر تفصيلًا. كم أسرة تقع قريبًا من الخط ويمكن أن تتراجع عند أول صدمة؟ وما الفارق بين دخول الأسر الأعلى والأدنى داخل المحافظة نفسها؟ وكم يستمر التحسن بعد حصول المستفيد على فرصة عمل أو مساعدة؟ الإجابة تتطلب متابعة زمنية للظروف المعيشية، لأن إحصاء الأسر الواقعة تحت الخط في لحظة معينة يختلف عن تتبع انتقال الأسرة نفسها بين الفقر والاستقرار عبر السنوات.
وتتضح الفوارق المكانية في بيان لوزارة التخطيط نُشر في ٨ نيسان ٢٠٢٦ بشأن تخصيص ١٠٠ مليار دينار سنويًا للمحافظات المشمولة بعمل صندوق إعمار المحافظات الأكثر فقرًا. واستنادًا إلى نتائج المسح المشار إليه لعام ٢٠٢٤، أورد البيان معدلًا بلغ ٤٣٫٦ في المئة في المثنى، و٣٤٫٤ في بابل، و٢٨٫٩ في الديوانية، و٢٧٫٩ في البصرة، و٢٥٫٢ في النجف. وهذه بيانات عن سنة المسح وردت في إعلان أحدث، ويقتضي استخدامها إبقاء هذا الفارق الزمني واضحًا.
وتثير هذه الخريطة سؤال توزيع الفرص والخدمات داخل الاقتصاد العراقي. فوجود نشاط اقتصادي أو مورد مالي في محافظة لا يضمن وحده وصول أثره إلى كل الأسر فيها. ويعتمد ذلك على طبيعة الوظائف المتاحة، ومهارات السكان، وقدرتهم على الوصول إلى مواقع العمل، وانتظام الخدمات التي يحتاجها النشاط الاقتصادي. كما تتفاوت الأحياء والأقضية والنواحي داخل المحافظة الواحدة، ولذلك ينبغي أن تقود الخريطة العامة إلى استهداف أدق، يأخذ ظروف السكان الفعلية في الحسبان عند اختيار المدارس والمراكز الصحية ومشاريع الماء وفرص التدريب والتشغيل.
ويمنح التخصيص المالي المعلن فرصة لاختبار الصلة بين الإنفاق والتحسن المعيشي. فالمبلغ المرصود يحتاج إلى ترجمة في مشاريع محددة، وجداول تنفيذ، وبيانات عن المستفيدين، ثم قياس ما تغير في حياتهم. وتبقى هناك مسافة بين إعلان التخصيص وإطلاق التمويل وإنجاز المشروع وتشغيله. ومن ثم، فإن متابعة ملف الفقر تستدعي سؤالًا متكررًا عن النتائج: هل قل وقت الوصول إلى الخدمة؟ وهل انخفض ما تدفعه الأسرة من جيبها؟ وهل أصبح المشروع يوفر منفعة منتظمة يمكن الاعتماد عليها بعد انتهاء مرحلة الإنشاء؟
وقد وسعت وزارة التخطيط زاوية القياس عندما أعلنت في ٣٠ تموز ٢٠٢٥ إطلاق التقرير الوطني لدليل الفقر متعدد الأبعاد، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وذكر الإعلان تراجع الدليل من ١١٫٤ في المئة عام ٢٠١٨ إلى ١٠٫٨ في المئة عام ٢٠٢٤، وتناول الحرمان في التعليم والصحة والسكن والعمل. وتبرز أهمية هذا المسار في توجيه النظر إلى نوعية الحياة، مع ضرورة التمييز بين قيمة الدليل ونسبة السكان الفقراء عند استخدام الجداول التفصيلية، وعدم إحلال أي منهما محل معدل فقر الدخل.
ويصبح هذا التمييز مهمًا عند تقييم مشروع خدمي في منطقة منخفضة الدخل. فتحسين مياه الشرب، مثلًا، قد يخفف عبئًا صحيًا وماليًا دون أن يظهر أثره فورًا في الأجر الذي يتقاضاه العامل. وافتتاح مدرسة أقرب قد يقلل كلفة النقل ويساعد الأسرة على استمرار تعليم الأبناء، حتى إذا بقي دخلها النقدي ثابتًا. وتتيح متابعة أبعاد الحرمان رؤية هذه الآثار، بدل حصر نجاح التدخل في زيادة المبلغ الداخل إلى البيت. كما تساعد على تحديد الأسر التي تحتاج خدمة مباشرة إلى جانب المساعدة المالية.
وتشير الاستراتيجية الوطنية الثالثة للتخفيف من الفقر إلى محاولة جمع هذه المسارات. فقد أعلنت وزارة التخطيط في ٢٥ حزيران ٢٠٢٥ إقرار اللجنة الفنية للاستراتيجية الخاصة بالسنوات ٢٠٢٥–٢٠٢٩، تمهيدًا لرفعها إلى مجلس الوزراء، مع هدف خفض معدل الفقر إلى أقل من ١٠ في المئة بنهاية المدة. وتضمن الإعلان سبع محصلات رئيسة و٣٨ نشاطًا تنفيذيًا. ويظل الرقم المستهدف وعدًا تخطيطيًا يخضع للاختبار، ويحتاج إلى مؤشرات مرحلية تكشف مقدار التقدم والجهات المسؤولة عن التنفيذ والموارد اللازمة لكل نشاط.
وتبدأ قيمة الاستراتيجية من قدرتها على الربط بين المؤسسات التي تتعامل مع الأسرة ذاتها. فقد تحتاج أسرة واحدة إلى إعانة، وتأهيل مهني، وعلاج مستمر، وتسهيل عودة أحد أطفالها إلى المدرسة. وإذا عولج كل احتياج في دائرة منفصلة دون تنسيق، قد يضيع وقت المستفيد في إثبات ظروفه مرارًا، وتتأخر الخدمة رغم وجود برامج مخصصة لها. ويتيح التنسيق، مع حماية البيانات الشخصية ووجود طرق واضحة للاعتراض، تحويل المعلومات إلى دعم متناسب مع الحاجة، ومراجعة الاستحقاق بطريقة تحفظ الكرامة وتحد من الاستبعاد الخاطئ.
ويحتل العمل موقعًا مركزيًا في هذه المعادلة، لأن الدخل المنتظم يوسع قدرة الأسرة على التخطيط. غير أن الحصول على عمل يحتاج إلى فحص شروطه: مقدار الأجر، وعدد الأيام المدفوعة، واستقرار العلاقة مع صاحب العمل، ووجود حماية عند الإصابة أو المرض. فالعامل بأجر يومي قد يستطيع تغطية بعض حاجاته في أيام التشغيل، ثم يواجه فجوة مباشرة عند التوقف. ومن هنا تظهر أهمية النظر إلى جودة فرصة العمل، وإلى صافي ما يبقى للأسرة بعد كلفة النقل والطعام والرعاية اللازمة للخروج إلى العمل.
وفي تقرير صدر في ٨ أيلول ٢٠٢٥ عن اتجاهات تغطية الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص العراقي خلال ٢٠٢١–٢٠٢٤، عرضت منظمة العمل الدولية بيانات إدارية تسمح بمتابعة التوسع الفعلي في الاشتراك. وبلغ صافي الزيادة السنوية في العمال المشتركين بالعراق الاتحادي ٥٥٬٤٢٧ عاملًا عام ٢٠٢٣، ثم ٤٥٬٢٤٧ عام ٢٠٢٤. وهذه الأرقام تقيس الفرق السنوي بين الإضافات والاستبعادات من الاشتراك الفعال، ولا تمثل إجمالي العمال المضمونين. لكنها تفتح نقاشًا بشأن استمرارية التغطية، وأسباب تباين التسجيل بين السنوات والمحافظات.
ويستدعي توسيع الضمان معرفة ما يعوق وصول العامل إليه. فقد ترتبط العقبات بكلفة الاشتراك أو ضعف المعرفة بالإجراءات أو طبيعة العلاقة غير الرسمية مع صاحب العمل. كما قد تؤدي صعوبة إثبات العمل المتقطع إلى إبقاء أشخاص خارج الحماية، رغم حاجتهم الشديدة إليها. وتزداد فاعلية الإصلاح عندما يستطيع العامل معرفة حقوقه، والتحقق من تسجيله، وفهم المنفعة التي سيحصل عليها، والوصول إلى جهة تنظر في شكواه. أما قياس النجاح، فيحتاج إلى متابعة التغطية والاستفادة الفعلية، إلى جانب أعداد المسجلين الجدد.
وتشير منظمة العمل الدولية، في موجز نُشر في ١٤ آب ٢٠٢٥ عن توسيع الضمان للعمال غير المنظمين في الزراعة والبناء والصناعة التحويلية بالعراق الاتحادي، إلى حجم هشاشة الدخل في هذه القطاعات.
واستنادًا إلى بيانات أقدم مرتبطة بمسح قوة العمل لعام ٢٠٢١، يورد الموجز تصنيف ٧٢ في المئة من العاملين في الزراعة والبناء ضمن منخفضي الدخل، مقابل ٥٢٫٦ في المئة في الصناعة التحويلية. وتُستخدم هذه النتائج لفهم البنية التي تناقشها الدراسة، مع إبقاء سنة البيانات واضحة، وعدم اعتبار انخفاض الدخل تعريفًا مطابقًا للفقر الوطني.
وتكشف هذه القراءة أن معالجة الفقر تتطلب متابعة من يعملون بالفعل إلى جانب الباحثين عن عمل. فرفع الإنتاجية وتحسين شروط التشغيل والتدريب والوصول إلى الأسواق يمكن أن يغير العائد الذي يحصل عليه العامل، فيما يوفر الضمان حماية من انقطاع هذا العائد. ويحتاج صاحب المشروع الصغير أيضًا إلى بيئة تساعده على الالتزام، من إجراءات مفهومة وخدمات مستقرة ومعلومات واضحة عن المسؤوليات والمنافع. وتتطلب العلاقة المتوازنة بين حماية العامل واستمرار المنشأة تصميمًا يستند إلى واقع القطاعات، ثم رقابة تمنع تحويل ضعف التنظيم إلى وضع دائم.
ويظل سؤال الحماية قائمًا عندما يتقدم العامل في العمر. ففي مادة نشرتها منظمة العمل الدولية في ٩ تموز ٢٠٢٤ حول ورقة مشتركة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإصلاح التقاعد العراقي، قُدرت تغطية نظام تقاعد القطاع الخاص بنحو ٥٠٠ ألف عامل، فيما أشير إلى استفادة نحو ٢٢٥ ألف شخص مسن من التحويلات النقدية عبر شبكة الحماية الاجتماعية. وهذه تقديرات يعرضها ذلك الإصدار، وتبرز الحاجة إلى دراسة من يخرجون من سوق العمل دون مورد تقاعدي فردي كافٍ.
وتضع الشيخوخة الأسرة أمام احتياجات قد تتزامن فيها كلفة العلاج مع انخفاض القدرة على الكسب. وعندما يعتمد المسن كليًا على مساعدة الأبناء، تتأثر معيشته بتقلب أوضاعهم أيضًا. لذلك يصبح وجود دخل يمكن توقعه عنصرًا أساسيًا في تقليل الهشاشة، إلى جانب خدمات صحية قريبة وميسورة. ويستدعي إصلاح التقاعد النظر إلى الاستدامة المالية وعدالة التغطية وكفاية المنفعة معًا، لأن توسيع التسجيل اليوم ينبغي أن يترجم لاحقًا إلى حماية يستطيع المتقاعد أن يبني عليها احتياجاته الأساسية بقدر معقول من الاطمئنان.
وعلى الصعيد الدولي، قدّم تقرير الحماية الاجتماعية العالمي ٢٠٢٤–٢٠٢٦، المنشور عام ٢٠٢٤ عن منظمة العمل الدولية، صورة واسعة لهذه الفجوة. فقد بلغت التغطية بمنفعة حماية اجتماعية واحدة على الأقل ٥٢٫٤ في المئة من سكان العالم، وفق التقديرات المعروضة لعام ٢٠٢٣، بينما بقي نحو ٣٫٨ مليارات شخص دون أي تغطية. وحتى وجود منفعة واحدة لا يعني اكتمال الحماية من مختلف المخاطر؛ فقد يحصل الشخص على دعم في مرحلة من حياته وتبقى مراحل أو احتياجات أخرى خارج النظام.
وتمنح هذه النتائج معنى عمليًا لسؤال منع العودة إلى الفقر. فالحماية الاجتماعية تستطيع أن تساعد الأسرة على تجاوز فترة بطالة أو مرض دون بيع أداة عمل أو سحب طفل من المدرسة أو استنزاف مدخرات محدودة. غير أن الأثر يتوقف على كفاية المبلغ وانتظام وصوله وسهولة الانتفاع به. وقد تفقد المساعدة جزءًا من قيمتها إذا تأخرت عن موعد الحاجة، أو استلزمت تكاليف انتقال وإجراءات لا يستطيع المستفيد تحملها. لذلك يرتبط نجاح البرنامج بما يصل فعليًا إلى الأسرة وفي الوقت الذي تحتاج إليه.
وتبقى الموارد المالية عاملًا حاسمًا في قدرة الدول على بناء هذه الحماية. فقد قدّرت دراسة لمنظمة العمل الدولية نُشرت في ٢٣ نيسان ٢٠٢٤، وشملت ١٣٣ دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، فجوة تمويل أرضيات الحماية الاجتماعية بنحو ٣٫٣ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المجمع لهذه البلدان سنويًا. وترتفع النسبة إلى ٥٢٫٣ في المئة لدى مجموعة الدول منخفضة الدخل. وتشمل الدراسة ضمانات أساسية للدخل والرعاية الصحية، وتوضح الفوارق الكبيرة بين قدرة الاقتصادات على تمويل الحد الأدنى من الأمان.
وتطرح هذه الفجوة الحاجة إلى ترتيب الإنفاق وتحسين التحصيل وكفاءة الإدارة والتعاون الدولي، بحسب ظروف كل بلد. كما تجعل من تقييم البرامج ضرورة مالية واجتماعية في الوقت نفسه: أي تدخل يحقق أثرًا أكبر؟ وأين تتكرر الخدمات أو تتسرب الموارد؟ وما الفئات التي لا تزال خارج التغطية؟ ولا ينحصر التقييم في تقليل المصروفات الإدارية، إذ يتعين أن يتابع أيضًا كلفة عدم تقديم الخدمة، وما قد يترتب عليها من مرض أشد أو انقطاع تعليمي أو فقدان قدرة على العمل في المستقبل.
ويضيف عبء الدين ضغطًا آخر على الموازنات. فبحسب تقرير «عالم من الديون ٢٠٢٥» الصادر عن الأونكتاد، بلغت مدفوعات الفائدة الصافية على الدين العام في البلدان النامية ٩٢١ مليار دولار عام ٢٠٢٤. وأشار الإصدار إلى أن ٣٫٤ مليارات إنسان يعيشون في بلدان تنفق على فوائد الدين أكثر مما تنفقه على الصحة أو التعليم. وتخص هذه الأرقام نطاق التقرير وسنته، لكنها تفسر كيف يمكن أن تضيق مساحة تمويل الخدمات، في وقت تحتاج فيه الأسر الأقل دخلًا إلى دعم أكثر انتظامًا.
وتتجسد كلفة ضعف الخدمات بوضوح في الصحة. فقد أظهر تقرير رصد التغطية الصحية الشاملة الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي في أيلول ٢٠٢٣ أن نحو ملياري شخص واجهوا صعوبات مالية مرتبطة بالدفع المباشر للعلاج، استنادًا إلى تقديرات العبء المالي لعام ٢٠١٩. ويبيّن التقرير أن المدفوعات الصحية قد تضغط حتى عندما تبدو محدودة بالقيمة المطلقة، لأن الأسرة منخفضة الدخل توزع مواردها أصلًا على حاجات يصعب الاستغناء عنها. ومن ثم، يصبح الوصول إلى العلاج جزءًا من حماية المعيشة.
وعندما تُقاس القدرة على تحمل العلاج، ينبغي احتساب ما يرافقه من انتقال وفحوص وأدوية وأيام عمل مفقودة، بحسب الحالة والظروف المحلية. فقد يتأخر طلب الرعاية لأن الأسرة تخشى الكلفة، ثم تتعقد المشكلة وتتسع حاجتها إلى العلاج. ويمكن لخدمة صحية فعالة وقريبة أن تقلل هذا الضغط، كما يساعد انتظام توفير الأدوية الأساسية على قدرة المصاب بمرض مزمن على تنظيم إنفاقه. وهنا يلتقي إصلاح الصحة مع مكافحة الفقر، عبر تخفيف الاضطرار إلى المفاضلة بين العلاج والطعام وبقية الاحتياجات الضرورية.
ويظهر الضغط نفسه عند المائدة. ففي تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم لعام ٢٠٢٥، الذي تشترك في إصداره خمس وكالات أممية، قُدر عدد من واجهوا الجوع عام ٢٠٢٤ بنحو ٦٧٣ مليون شخص، بينما عجز نحو ٢٫٦ مليار إنسان عن تحمل كلفة نظام غذائي صحي. ويكشف اختلاف الرقمين الفرق بين الحصول على الطعام والقدرة على تنويعه بما يلبي الاحتياجات التغذوية. وهذه تقديرات لذلك الإصدار عن سنة محددة، ويقتضي استخدامها تجنب تحويلها إلى قياس آني لواقع عام ٢٠٢٦.
وتستطيع الأسرة تحت ضغط الميزانية أن تقلل تنوع غذائها قبل أن تقلل عدد الوجبات، فتشتري ما يسد الحاجة المباشرة بأقل كلفة متاحة. ولذلك يتطلب فهم الأمن الغذائي متابعة الأسعار والدخل والتوافر ونوعية الطعام معًا. وفي العراق، أظهرت نتائج المسح الاجتماعي والاقتصادي المعلنة عام ٢٠٢٥ امتلاك ٩٦٫٤ في المئة من الأسر البطاقة التموينية. ويحدد هذا الرقم مدى انتشار امتلاك البطاقة، فيما يحتاج تقييم أثرها إلى بيانات إضافية عن انتظام التجهيز وكمياته وجودته وما توفره فعليًا من إنفاق الأسرة.
وتكتسب التغذية أهمية أشد لدى الأطفال. فقد قدّر تقرير اليونيسف عن فقر الغذاء لدى الأطفال، الصادر في حزيران ٢٠٢٤، عدد الأطفال دون الخامسة الذين يعانون فقرًا غذائيًا شديدًا بنحو ١٨١ مليون طفل، أي قرابة طفل من كل أربعة عالميًا. ويقيس هذا المفهوم قدرة الطفل على الوصول إلى غذاء متنوع ومغذٍ في مرحلة مبكرة من العمر، وهو مختلف عن قياس فقر دخل الأسرة. وتدعو هذه النتائج إلى الجمع بين دعم القدرة الشرائية وتحسين المعرفة الغذائية وتوفير خدمات الرعاية والتغذية المناسبة.
ويستحق الطفل أن يُنظر إلى احتياجاته داخل الأسرة بصورة مستقلة أيضًا، لأن متوسط دخل البيت قد يخفي تفاوتًا في الوصول إلى الغذاء أو التعليم أو العلاج. وتؤثر طبيعة الرعاية المتاحة ووقت الوالدين والخدمات القريبة في قدرته على الانتفاع بالموارد الموجودة. لذلك تحتاج برامج الطفولة إلى مؤشرات تقيس ما يصل إلى الطفل نفسه، مثل الاستمرار في المدرسة والوصول إلى الرعاية والغذاء الملائم. كما يساعد ربط الخدمات على اكتشاف الحرمان مبكرًا، قبل أن يتحول إلى تأخر يصعب تعويضه في مراحل لاحقة.
وفي تقدير تاريخي مهم، أعلن البنك الدولي واليونيسف في ١٣ أيلول ٢٠٢٣ أن ٣٣٣ مليون طفل عاشوا في فقر مدقع عام ٢٠٢٢، وفق الخط الدولي المستخدم وقتها، والبالغ ٢٫١٥ دولار يوميًا. وتكشف النتيجة حجم تعرض الأطفال للحرمان، لكنها تُقرأ ضمن منهجيتها الأصلية. فقد تغيرت خطوط القياس الدولية لاحقًا، ولذلك لا تصلح المقارنة المباشرة بين هذا العدد وأعداد محسوبة وفق خط جديد للاستنتاج بأن الفقر ازداد أو انخفض بالمقدار نفسه، من دون توحيد المنهجية والسنة المرجعية.
وهذه المسألة ضرورية لفهم أحدث الأرقام النقدية العالمية. ففي تحديث نشره البنك الدولي في ٢٢ أيلول ٢٠٢٦، قُدر عدد الذين عاشوا في الفقر المدقع عام ٢٠٢٤ بنحو ٨٢٤٫٣ مليون شخص، أي ١٠٫١ في المئة من سكان العالم، وفق خط ثلاثة دولارات للفرد يوميًا بتعادل القوة الشرائية لعام ٢٠٢١. والرقم تقدير محدث عن سنة سابقة، بينما تتضمن المنصة تقديرات آنية لسنوات لاحقة. ويساعد الفصل بين النوعين على حماية القارئ من الخلط بين تاريخ الإعلان والفترة التي يصفها.
وكان البنك الدولي قد أعلن في حزيران ٢٠٢٥ تحديث خطوط الفقر الدولية من ٢٫١٥ إلى ثلاثة دولارات، ومن ٣٫٦٥ إلى ٤٫٢٠ دولارات، ومن ٦٫٨٥ إلى ٨٫٣٠ دولارات يوميًا، مع اعتماد تعادلات القوة الشرائية لعام ٢٠٢١. وهذه القيم لا تُحوّل مباشرة بسعر صرف الدولار في السوق العراقية لتحديد فقر الأسرة، لأن وظيفتها المقارنة الدولية وفق قوة شرائية معيارية.
أما متابعة الفقر داخل العراق فتستند إلى الخط الوطني ومنهجية المسح المحلية، وهو تمييز أساسي عند مناقشة الأرقام والسياسات.
وتزداد الحاجة إلى حماية الأطفال عندما تضغط المعيشة باتجاه تشغيلهم. فقد أعلنت منظمة العمل الدولية واليونيسف في حزيران ٢٠٢٥ تقديرات تشير إلى انخراط نحو ١٣٨ مليون طفل في عمل الأطفال عام ٢٠٢٤، بينهم ٥٤ مليونًا في أعمال خطرة. وتتناول هذه الأرقام عمل الأطفال وفق تعريفه المعتمد، ولا تشمل تلقائيًا كل نشاط يؤديه طفل. لكنها تبرز حجم التحدي الذي يجمع الحماية والتعليم والدخل، وضرورة أن يجد البيت بديلًا اقتصاديًا يساعده على إبقاء الطفل في بيئة آمنة ومناسبة لعمره.
ويستدعي التعامل مع هذه المشكلة فهم الظروف التي تدفع الأسرة والطفل إلى العمل المبكر، بالتوازي مع تطبيق الحماية القانونية. فاستمرار التعليم يحتاج إلى مدرسة متاحة وكلفة محتملة وقدرة على الانتقال وبيئة يشعر فيها الطفل بالأمان. وقد يكون الدعم النقدي أو الغذائي جزءًا من الاستجابة، إلى جانب متابعة الانقطاع والتواصل مع الأسرة. وتصبح النتيجة أكثر ثباتًا عندما تستعيد الأسرة موردًا مناسبًا من عمل البالغين، بدل أن يبقى دخل الطفل هو الوسيلة التي تعالج بها فجوة الإنفاق اليومية.
ويقدم برنامج التغذية المدرسية في العراق مثالًا على تدخل يصل إلى نقطة التقاء التعليم والغذاء. فبحسب عرض لبرنامج الأغذية العالمي نُشر عام ٢٠٢٥، وفرت الحكومة العراقية وجبات مدرسية يومية إلى ٧٧٥٬٦٨٦ طفلًا خلال العام الدراسي ٢٠٢٣–٢٠٢٤، بما يقارب ١٣ في المئة من تلاميذ المرحلة الابتدائية. ويمثل الرقم حجم الوصول المعلن في تلك السنة الدراسية. أما أثر البرنامج على الانتظام والتحصيل وتغذية الأطفال فيحتاج إلى تقييم خاص، يسمح بتحسين الاستهداف وجودة الوجبات واستمرارية التجهيز.
ويظهر من هذا المثال أن المدرسة يمكن أن تكون نقطة وصول لخدمات متعددة تساعد الأسرة، بشرط ألا تتحمل أعباء تفوق قدرتها الإدارية. فتوفير وجبة مناسبة يحتاج إلى سلامة غذائية ومتابعة وتجهيز منتظم، كما يحتاج إلى اختيار منصف للمناطق والمدارس المستفيدة. ويمكن أن يساعد تقييم التجربة على معرفة ما إذا كانت تصل إلى الأطفال الأشد احتياجًا، ومن يظل خارجها بسبب الانقطاع أصلًا. فالتدخل المدرسي يحقق منفعة مهمة للحاضرين، ويظل الوصول إلى الأطفال خارج التعليم مهمة مكملة تحتاج أدوات أخرى.
وعند الانتقال من المدرسة إلى سوق العمل، يواجه الشباب اختبارًا جديدًا للاستقرار الاقتصادي. فقد أورد تقرير منظمة العمل الدولية عن اتجاهات الاستخدام العالمية للشباب لعام ٢٠٢٤ أن ٦٤٫٩ مليون شاب من الفئة العمرية ١٥–٢٤ سنة كانوا عاطلين عن العمل عام ٢٠٢٣، بمعدل بلغ ١٣ في المئة. ويقيس معدل البطالة العاطلين ضمن قوة العمل، ولذلك لا يشمل وحده كل شاب خارج العمل والتعليم والتدريب. وتحتاج قراءة أوضاع الشباب إلى هذه المؤشرات المتكاملة لفهم فرص الدخول إلى النشاط الاقتصادي.
وفي السياق العراقي، يمكن أن تُبنى متابعة فرص الشباب على مسار يبدأ من اكتساب المهارة وينتهي بوظيفة قابلة للاستمرار. فعدد المشاركين في دورة تدريبية يوضح حجم النشاط، بينما يوضح حصولهم على عمل مناسب واستمرارهم فيه مقدار الأثر. وتستحق المهارات التي يحتاجها السوق المحلي أولوية في التصميم، مع مراعاة قدرة الشباب على تحمل الانتقال وأوقات التدريب. كما يساعد الحوار مع أصحاب العمل على تقليل الفجوة بين ما يتعلمه المتدرب وما تتطلبه المهمة الفعلية، دون اختزال التشغيل في مسؤولية الفرد وحده.
وتتفاوت فرص النساء في الاستفادة من التعليم والعمل والحماية بحسب الظروف الاجتماعية والخدمية. وفي تقرير «لمحة النوع الاجتماعي ٢٠٢٤» الصادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، قُدر أن إنهاء الفقر المدقع بين النساء والفتيات قد يستغرق ١٣٧ سنة إضافية إذا استمر معدل التقدم الذي اعتمده التقرير. ويعبر الرقم عن إسقاط مشروط باتجاهات معينة، وليس موعدًا حتميًا. لكنه يوضح الحاجة إلى تسريع السياسات التي توسع قدرة النساء على الوصول إلى الموارد والدخل والخدمات.
ويبدأ ذلك بفهم العوائق الفعلية أمام المشاركة الاقتصادية. فقد تمتلك المرأة المهارة والرغبة في العمل، فيما تعوقها كلفة النقل أو غياب رعاية مناسبة للأطفال أو شروط تشغيل لا تتلاءم مع مسؤولياتها. كما تؤثر قدرتها على التحكم بدخلها والوصول إلى حسابات وخدمات مالية في مقدار الأمان الذي يمنحه العمل لها. ويتيح تصميم البرامج وفق هذه الاحتياجات تحسين أثرها، مع قياس النتائج على مستوى النساء المستفيدات، بدل الاكتفاء بعدد القروض أو المشاريع المعلنة أو أسماء المشاركات في الدورات.
ويضيف تغير المناخ ضغطًا على الأسر التي تعتمد على موارد طبيعية محدودة. ففي تقرير للمنظمة الدولية للهجرة عن النزوح المناخي في وسط العراق وجنوبه، بقيت ٣١٬٠٠١ أسرة، تعادل ١٨٦٬٠٠٦ أشخاص، نازحة بسبب عوامل مناخية حتى أيلول ٢٠٢٥، عبر ١٢ محافظة. ويصف الرقم حالة نزوح ولا يمثل إحصاء للفقراء، لكنه يوضح نطاقًا واسعًا من الأسر التي تغيرت علاقتها بالأرض والعمل والسكن، وتحتاج أوضاعها المعيشية إلى متابعة عند الانتقال وفي مناطق الاستقرار الجديدة.
وقد يرافق الانتقال من الريف إلى المدينة تغير في نوع النفقات والمهارات المطلوبة. فالأسرة التي كانت تعتمد جزئيًا على إنتاجها الزراعي قد تصبح أكثر اعتمادًا على الشراء، وتحتاج إلى إيجار ونقل وعمل مختلف. وتستدعي الاستجابة الجمع بين تحسين القدرة على التكيف في مناطق الأصل ودعم الخدمات وسبل العيش في مناطق الاستقبال. كما يفيد إشراك السكان في تحديد الأولويات، لأن الاحتياج قد يختلف بين من يريد العودة ومن استقر في مكان جديد ومن لا يزال يتنقل بحثًا عن مورد أو خدمة.
ويتصل الماء مباشرة بهذه المعادلة. ففي تقرير لمنظمة الصحة العالمية واليونيسف أُعلن في آب ٢٠٢٥ عن التقدم في مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة، افتقر ٢٫١ مليار شخص عالميًا إلى مياه شرب مُدارة بأمان عام ٢٠٢٤، بينهم ١٠٦ ملايين اعتمدوا على المياه السطحية مباشرة. ويختلف هذا المؤشر عن مجرد وجود شبكة أو مصدر ماء، لأنه يتعلق بمستوى الخدمة وسلامتها وتوافرها. ويبرز الفرق عند تقييم مشروعات البنية التحتية: اتصال المنزل بالشبكة خطوة، واستمرار وصول ماء آمن إليه نتيجة تحتاج إلى تحقق.
وتؤثر الخدمة المنتظمة في الوقت والمال معًا. فالحصول على الماء من مسافة بعيدة أو عبر وسائل بديلة قد يستهلك موارد كان يمكن توجيهها إلى احتياجات أخرى، كما قد يتداخل مع وقت الدراسة والعمل والرعاية. ولذلك تشمل معالجة الفقر تحسين تشغيل المرافق وصيانتها، إلى جانب إنشائها. ويستحق تقييم المشروع أن يتابع الخدمة بعد التسليم، وأن يتيح للسكان الإبلاغ عن الانقطاع ومتابعة الاستجابة. ومن خلال هذه التفاصيل اليومية تتحدد القيمة التي يضيفها الإنفاق العام إلى قدرة الأسرة على العيش والاستقرار.
وتظهر التجارب الدولية أن ارتفاع ثروة البلد لا يلغي الحاجة إلى سياسات توزيع وحماية فعالة. ففي تقرير «فقر الأطفال وسط الثراء» الصادر عن مركز إينوشنتي التابع لليونيسف عام ٢٠٢٣، تجاوز عدد الأطفال الذين يعيشون في فقر نقدي نسبي ٦٩ مليون طفل في مجموعة من أغنى دول العالم، وفق بيانات تصل إلى عام ٢٠٢١. ويقيس الفقر النسبي وضع الأسرة قياسًا إلى مستوى الدخل في مجتمعها، ويختلف عن الفقر المدقع الدولي. وتوضح المقارنة أهمية النظر إلى نصيب الأطفال من الموارد والفرص المتاحة.
وتتيح هذه الخبرة توجيه النقاش نحو أثر السياسات بدل الاكتفاء بحجم الاقتصاد. فقد يستفيد السكان بدرجات متفاوتة من النمو، تبعًا لطبيعة الوظائف والضرائب والتحويلات والخدمات. كما يستطيع برنامج موجّه جيدًا أن يخفف بعض أوجه الحرمان، حتى قبل تحقق تحولات اقتصادية واسعة. وتحتاج الاستفادة من التجارب إلى فهم سياقها، لأن نقل إجراء من بلد إلى آخر يتطلب تكييفه مع المؤسسات والموارد والبيانات المحلية. وتبقى المقارنة مفيدة عندما تساعد على صياغة أسئلة قابلة للاختبار حول ما ينجح ولمن وتحت أي شروط.
وتُظهر المساعدات النقدية الإنسانية أحد أشكال التدخل السريع أثناء الأزمات. ففي تقرير النتائج السنوية للعمل الإنساني لعام ٢٠٢٤، المنشور عام ٢٠٢٥، ذكرت اليونيسف أنها قدمت ٦٨٩ مليون دولار من المساعدات النقدية الإنسانية إلى ٣٫٦ ملايين أسرة في ٤٨ دولة خلال سنة التقرير. وتوضح هذه الأرقام حجم الوصول والإنفاق، فيما يحتاج الحكم على التحسن المستدام إلى متابعة لاحقة. وقد تساعد التحويلات الأسرة على تلبية أولويات عاجلة، ويظل أثرها مرتبطًا بتوافر السلع والخدمات وقيمة المساعدة واستمراريتها.
وتستدعي هذه التجارب التمييز بين الاستجابة الطارئة وبناء الأمان الطويل الأمد. فالمساعدة العاجلة تتعامل مع فجوة حاضرة، بينما يحتاج الاستقرار إلى مورد يمكن توقعه وخدمات تعمل وحماية عند حدوث صدمة جديدة. ويمكن أن تتكامل الأدوات عندما تفتح المساعدة بابًا للعودة إلى التعليم أو العمل أو العلاج المنتظم، ويجري وصل المستفيد بالبرنامج المناسب بدل انتهاء العلاقة عند آخر دفعة. كما ينبغي أن تراعي متابعة المستفيدين تغير ظروفهم، فتتيح العودة إلى الدعم عند تجدد الحاجة وفق قواعد واضحة.
وفي العراق، يمكن أن تجعل هذه القراءة من استدامة الخروج من الفقر معيارًا أكثر حضورًا في التقييم العام. ويتطلب ذلك نشر بيانات دورية عن التغطية الفعلية، وانتظام المنافع، ومقدار الحرمان الذي انخفض، مع تفصيل جغرافي واجتماعي يسمح برؤية الفئات التي لم يصلها التحسن.
كما يفيد تقييم أثر البرامج بطرق تميز بين التغير المرتبط بالتدخل والتغير الناتج عن عوامل أخرى. فارتفاع عدد المستفيدين إنجاز في الوصول، وتبقى معرفة ما تغير في حياتهم خطوة لازمة لفهم جودة الإنفاق وفاعلية التنفيذ.
وتحتاج المساءلة كذلك إلى إتاحة المعلومات بلغة يستطيع المواطن استخدامها. فمعرفة شروط الاستحقاق ومواعيد الصرف والوثائق المطلوبة وطريق الاعتراض تخفف مساحة الغموض، وتحد من اعتماد المستفيد على الوساطة. كما أن إعلان نتائج التقييم، بما فيها مواطن الضعف، يسمح بتصحيح البرامج قبل اتساع الفجوات. وتستحق الأسر أن تكون شريكًا في هذا الفهم، عبر الاستماع إلى تجارب الوصول إلى الخدمة والصعوبات التي تواجهها، مع الحفاظ على الخصوصية وعدم تحويل الحصول على الدعم إلى مناسبة لكشف تفاصيل حياتها أمام الآخرين.
وتظل الدقة في قراءة الأرقام جزءًا من هذه المساءلة. فالتقدير العالمي وفق خط دولي، ومعدل الفقر الوطني، وقيمة دليل الفقر متعدد الأبعاد، ومؤشر الحرمان الغذائي، لكل منها وظيفة وحدود. ويمكن أن تتجاور في تقرير واحد لتفسير جوانب مختلفة من الواقع، شريطة تعريفها وتحديد سنواتها. كما ينبغي الفصل بين المبلغ المخصص والمبلغ المنفق، وبين المستهدف والمتحقق، وبين عدد الخدمات المقدمة والأثر الذي نتج عنها. وبهذه الدقة تتحول الإحصاءات إلى أدوات لفهم السياسات ومراجعتها، بدل أن تبقى أرقامًا متفرقة تتنافس على الصدارة.
وتقود حصيلة المصادر العراقية والدولية إلى سؤال يمكن وضعه أمام كل برنامج: هل أصبحت الأسرة أقدر على مواجهة الأزمة التالية؟ الإجابة تظهر في احتفاظ العامل بمصدر كسبه أو بحماية مؤقتة عند توقفه، وفي حصول المريض على علاج دون استنزاف البيت، وفي استمرار الطفل بتعليمه، وفي قدرة المسن على تأمين حاجاته الأساسية. وهي نتائج تحتاج إلى اقتصاد يخلق فرصًا وخدمات تصل بعدالة ومؤسسات تستجيب في الوقت المناسب. ويمكن لكل تقدم في هذه المجالات أن يضيف قدرًا ملموسًا من الأمان إلى الحياة اليومية.
هكذا يكتسب ١٧ تشرين الأول معناه من الأسئلة التي تبقى بعد إعلان تراجع النسبة: كم استمر التحسن؟ ومَن بقي خارج أثره؟ وما الذي سيحميه من التبدد؟ لقد أظهرت البيانات العراقية مسارًا يستحق المتابعة، وكشفت المقارنات العالمية اتساع الحاجة إلى حماية تتجاوز لحظة المساعدة. ويبقى الامتحان الأقرب إلى الناس داخل البيت نفسه، عندما يأتي موعد الدواء أو المدرسة أو الإيجار، وتستطيع الأسرة الوفاء به دون خسارة موردها أو التضحية بمستقبل أحد أفرادها. عندها يصبح الخروج من الفقر أكثر ثباتًا في الحياة، وأكثر قابلية للاستمرار عبر السنوات.



اضف تعليق