العلاقات والروابط الاجتماعية هي جوهر الوجود البشري، والمجتمع الإنساني لا يمكنه الحفاظ على توازنه في معزل عن الفعاليات التي تجمع أفراده. غير أن هذه المناسبات -من أفراح وأحزان- تحولت اليوم من محطات لتجديد العاطفة وتأكيد الانتماء إلى ممارسات استعراضية تتصف بالبذخ والمجاملات الصورية...
علاقتنا وروابطنا الاجتماعية هما جوهر الوجود البشري وبدونه نبقة بحاجة الى الكثير من الاحتياجات النفسية، فجميعنا نحتاج الى من يشاركنا فارحنا واحزاننا لنشعر بالتكافل والمواساة والمشاركة الوجدانية، لان المجتمع الإنساني بطبعه وخصائصه النفسية والاجتماعية لا يمكنه الاستمرار أو الحفاظ على توازنه في معزل عن الفعاليات والطقوس التي تجمع أفراده، كالاحتفال بالنجاح، والزواج، والدعم في حالات المرض والرحيل.
هذا الذي تربينا عليه واعتدناه لكن هذه التجمعات والمناسبات الاجتماعية باتت اليوم تمثل فرصاً للاستعراض والتفاخر والتعالي وهو ما ابعدها عن جوهرها الأصلي، إذ لم تعد الفعالية الاجتماعية محطة لتجديد العاطفة وتأكيد الانتماء الوجداني، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ممارسات استعراضية تتصف بالبذخ والمجاملة الصورية فقط.
من واقعنا:
جميعنا اعتدنا ان عقد القران على سبيل المثال كان يجري في بيت أحد الخطيبين وفي الغالب في بيت اهل الخطيبة، حيث يجتمع الاهل والمقربين منهم ويتم العقد بهدوء وسلاسة، ما يعد فرصة للتعارف أكثر بين اهل الخطيبين، اما اليوم فقد تشترط الكثر من العوائل اقامته في قاعات خاصة وبأجواء صاخبة على وقع التباهي بالملبوس والضيافة وغيرها من الجزيئيات المستحدثة، وكل هذا يمثل تكاليف باهظة من اجل الاستعراض لا أكثر.
الاحتفالات كانت تعبر عن البهجة الجماعية بتكاليف بسيطة يتعاون الجميع في تنظيمها، فيما شكلت التعازي لحظات مهيبة تجسد التعاطف والدعم المعنوي والمادي للتخفيف من ثقل الفقد على أهل المتوفى، ولم تكن هناك معايير للتفاخر أو لقياس قيمة الشخص بما يُنفق في مثل هذه المناسبات، بل كانت تقاس بالحضور والدعم الفعال والصدق العاطفي.
بحسب الدراسات النفسية فأن النساء أكثر تظاهراً واستعراضاً من الرجال في المناسبات الاجتماعية لا سيما في مناسبات الافراح، وحتى مناسبات الاحزان لم تخلو من مظاهر الاستعراض في الملابس والحلي وطرق الكلام ومحاولة اظهار الترف وغيره من المظاهر الزائفة.
ماهي اثار الاستعراض؟
من الاستعراض الذي يحدث في مناسباتنا الاجتماعية تتولد عن اثار من أهمها مايلي:
أولى الاثار التي ينتجها الاستعراض هي سيطرة الإرهاق والصراع الداخلي على من يمارس هذه السلوكية، حيث لا تقف آليات الاستعراضات الفارغة عند حدود الضغط المادي، بل تمتد لتلقي بظلال ثقيلة على الصحة النفسية للأفراد، فالإنسان حين يجد نفسه ملزماً بتقديم صورة لا تعكس واقعه المادي والاجتماعي يدخل في حالة من الصراع الداخلي المستمر وبالتالي تشكل هذه المناسبات مصدراً للتوتر والقلق وانعدام الارتياح النفسي.
وثاني الاثار التي تترتب على الاستعراض الشعور بالقصور والعجز، ففي الظروف التي يجد فيها الفرد نفسه غير قادر على مسايرة متطلبات الحياة بسبب أزمات مالية أو ظروف خاصة، فيواجه غالباً إحساساً قوياً بالذنب أو النقص والشعور بكونه اقل مكانة من محيطه الاجتماعي، هذا الإحساس بالعجز والقصور قد يدفع البعض نحو العزلة والانطواء، مفضلين الابتعاد عن المناسبات الاجتماعية وتجنب التفاعل مع المجتمع بدلاً من تحمل أعباء الإنفاق المبالغ فيه وما يرافقه من ضغوط اجتماعية ونفسية.
وثالث الاثار هي استنزاف الميزانية الأسرية كنتيجة للأسراف والتبذير في كل شيء، حيث أصبحت تكاليف التفاخر بجميع أشكالها بنداً ثابتاً ومرهقاً في ميزانيات الأسر، فالأمر لم يعد يقتصر على تقديم هدية رمزيّة تعبّر عن التهنئة أو مساعدة في مناسبات الاحزان، بل تعدى ذلك إلى متطلبات جانبية استنزافية، هذا الاستنزاف يقتطع أجزاءً كبيرة من دخل الأسرة، كان من المفترض أن تُوجه نحو متطلبات أساسية كالتطوير الذاتي والتعليم والصحة أو الادخار للمستقبل.
كيف نستعيد الأصالة؟
لكي نعيد للمناسبات الاجتماعية اصالتها يجب مواجهة هذه الظاهرة وتغيير الشكلي المعتمد، وذلك لا يتطلب الانعزال عن المجتمع أو إلغاء المناسبات، بل يحتاج إلى إعادة التفكير واستخدام استراتيجيات جريئة تعيد للمناسبات الاجتماعية قيمتها الإنسانية الحقيقية وتحررها من قيود التصنع والإسراف.
ومن المهم أن نفهم ونعزز مفهوم أن الواجب الاجتماعي الحقيقي يكمن في الحضور بصدق، وفي التحدث بكلمات طيبة، وفي تقديم المواساة بإخلاص، والمشاركة بمشاعر إنسانية حقيقية، وليس في قيمة الملابس أو بذخ أماكن اللقاءات، وهو ما يسهم في اعادة إحياء تقدير البساطة كدليل على النضج النفسي والرقي الإنساني يشكل الخطوة الأولى نحو التحرر من هذه القيود الاجتماعية والنفسية.



اضف تعليق