يناقش التقرير تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في استمرار الغضب، مستعرضاً أبحاثاً نفسية تشير إلى محدودية فاعلية الصراخ والتنفيس العدواني في تخفيف الانفعال. ويتناول دور الخوف والإهانة والإحباط في تصعيد الاستجابات الغاضبة، وأهمية فهم المشاعر وتنظيمها، مستحضراً قول الإمام علي عن مداواة الغضب بالصمت باعتباره توجيهاً أخلاقياً يتقاطع مع...
غالباً ما تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مساحة للتعبير عن الغضب مع تصاعد الأزمات السياسية والضغوط المعيشية التي قد ترتبط بضعف الإدارة الحكومية أو تراجع الخدمات وتفاقم المشكلات الاقتصادية، فيما يجد بعض الأفراد الذين يواجهون ضغوطاً نفسية أو مشكلات شخصية في هذه المنصات منفذاً للتعبير عن مشاعر الإحباط والاستياء التي يصعب عليهم الإفصاح عنها في حياتهم اليومية.
ومع تكرار الأزمات واتساع مساحة التفاعل الرقمي، قد يتجاوز التعبير عن الغضب حدود النقد والاعتراض ليأخذ أشكالاً من التنمر والإساءة اللفظية واستخدام الكلمات البذيئة، الأمر الذي يجعل بعض مساحات التواصل بيئة مشحونة بالتوتر والعدائية، تتراجع فيها حدود الاحترام المتبادل، ويصبح فيها التعرض للإساءة تجربة محتملة حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا علاقة لهم بأسباب الغضب الأصلية.
وفي ظل هذا الواقع، تكتسب العلاقة بين الغضب والسلوك الرقمي أهمية نفسية واجتماعية، خصوصاً أن التعبير الحاد عن الانفعال لا يعني بالضرورة التخلص منه، بل قد يسهم أحياناً في استمراره وتصعيده. وتشير أبحاث نفسية حديثة إلى أن التنفيس العدواني بالصراخ أو الإساءة لا يوفر دائماً الراحة التي يتوقعها الإنسان، مما يستدعي فهماً أعمق للمشاعر التي تقف خلف الغضب، وللطريقة التي تتحول بها الضغوط اليومية إلى سلوك عدائي في الفضاء الرقمي.
وسائل التواصل الاجتماعي.. عندما يستمر الغضب بعد انتهاء الموقف
لم يعد التعبير عن الغضب مقتصراً على المواجهات المباشرة بين الأشخاص، فقد أصبحت المنصات الرقمية مجالاً واسعاً للنقاش والانفعال وتبادل الاتهامات، حيث يستطيع المستخدم أن ينتقل خلال دقائق من قراءة منشور إلى الدخول في سلسلة طويلة من التعليقات والردود المتبادلة. وقد ينتهي النقاش على الشاشة، بينما يظل موضوعه حاضراً في تفكير صاحبه، خصوصاً عندما يشعر بأن موقفه تعرض للإهانة أو أن الآخرين لم يفهموا دوافعه.
وتكشف دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة «علم نفس الاتصالات»، وشملت 252 مستخدماً لمنصة تويتر، عن ارتباط استخدام المنصة بزيادة مشاعر الاستياء والغضب الأخلاقي خلال الثلاثين دقيقة التالية للاستخدام، مع اختلاف النتائج بحسب طبيعة التفاعل. وتشير هذه النتائج إلى أن تأثير البيئة الرقمية قد يمتد إلى الحالة النفسية للمستخدم بعد مغادرة المنصة، دون أن يعني ذلك أن وسائل التواصل تسبب الغضب لدى جميع المستخدمين أو أن العلاقة بين الاستخدام والانفعال واحدة في جميع الحالات.
وتضيف دراسة منشورة في «مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» عام 2024 بعداً آخر لهذه العلاقة، إذ أظهرت أن مؤشرات الانتشار الواسع للمنشورات يمكن أن تعزز إدراك التهديد وتزيد الاستعداد للتعبير عن الاستياء الأخلاقي. وتساعد هذه النتائج على فهم بعض الظروف التي تتحول فيها الخلافات المحدودة إلى موجات واسعة من التفاعل الغاضب، خصوصاً عندما ينظر المستخدمون إلى كثرة المشاركات والتعليقات باعتبارها دليلاً على أهمية القضية أو خطورتها.
لماذا نعتقد أن الصراخ يخفف الغضب؟
يرتبط الاعتقاد بفائدة الصراخ بفكرة قديمة في علم النفس تُعرف باسم «التنفيس الانفعالي»، وتقوم على تصور أن الغضب يتراكم داخل الإنسان وأن إطلاقه عبر سلوك حاد يساعد على التخلص منه. غير أن الدراسات النفسية الحديثة تميز بين الإفصاح عن المشاعر بطريقة واضحة وبين التصرف العدواني الذي يرفع مستوى الاستثارة ويعيد تنشيط الموقف المسبب للغضب.
وفي مقال نشره موقع «علم النفس البسيط» في سبتمبر/أيلول 2026، يوضح الباحث في علم النفس سول ماكليود أن التعبير الصحي عن الغضب يبدأ بفهم أسبابه وتنظيم شدته واختيار طريقة مناسبة للتواصل، وأن الصراخ أو محاولة إذلال الطرف الآخر قد يمنحان شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، لكنهما لا يضمنان معالجة الانفعال أو تحسين العلاقة.
ويشير المقال إلى أن الغضب ليس شعوراً سلبياً بطبيعته، لأنه قد ينشأ استجابة للظلم أو تجاوز الحدود الشخصية، بينما تتحدد نتائجه بدرجة كبيرة وفقاً للسلوك الذي يصاحبه. كما أن تجنب التعبير عن الغضب بصورة دائمة لا يمثل بالضرورة استجابة صحية، لأن المشاعر التي لا يجد الإنسان وسيلة مناسبة للتعامل معها قد تستمر في التأثير على علاقاته وتفاعلاته اليومية.
ماذا كشفت الأبحاث؟
قدمت مراجعة تحليلية نُشرت في مجلة «مراجعات علم النفس السريري» عام 2024 دليلاً واسعاً بشأن فعالية الأساليب المستخدمة لإدارة الغضب، بعدما جمعت نتائج 154 تقريراً بحثياً تضمنت 184 عينة مستقلة و10,189 مشاركاً. وخلصت المراجعة إلى أن الأنشطة التي تخفض الاستثارة الجسدية، مثل التنفس العميق والاسترخاء والتأمل، كانت أكثر فعالية في تقليل الغضب والعدوان مقارنة بالأنشطة التي ترفع الاستثارة.
وسجلت الأنشطة المهدئة أثراً إحصائياً بلغ سالب 0.63 وفق مقياس حجم الأثر المستخدم في الدراسة، مقابل أثر إجمالي قريب من الصفر للأنشطة التي تزيد الاستثارة. وتوضح هذه النتيجة أن رفع مستوى النشاط الجسدي لا يمثل بالضرورة وسيلة فعالة للتخلص من الغضب، وأن بعض أشكال التنفيس العدواني قد لا تحقق الراحة النفسية التي يتوقعها الإنسان منها.
ولا تعني هذه النتائج أن ممارسة الرياضة ضارة أو أنها تزيد الغضب في جميع الظروف، وإنما تشير إلى ضرورة التمييز بين النشاط البدني بوصفه ممارسة صحية عامة، وبين استخدام الأنشطة الشديدة أو السلوك العدواني وسيلةً مباشرة لتخفيف الانفعال الحاد. وتدعم المراجعة أهمية الأساليب التي تساعد على تهدئة الاستجابة الجسدية المصاحبة للغضب، خصوصاً عندما يكون الإنسان في حالة من التوتر الشديد.
ما الذي يختبئ خلف الغضب؟
لا ترتبط حدة الغضب دائماً بحجم الحادثة الظاهرة، فقد يشعر الإنسان بانفعال شديد بعد تعليق عابر لأنه يفسره بوصفه إهانة لمكانته أو رفضاً لشخصه أو تهديداً لعلاقة مهمة في حياته. وفي بعض الحالات يكون الغضب مصحوباً بالخوف أو الحزن أو الشعور بالعجز، ويصبح التعبير الحاد عنه أسهل من الإفصاح عن هذه المشاعر بصورة مباشرة.
ويشير علم النفس إلى أهمية التمييز بين الغضب بوصفه استجابة طبيعية، وبين المشاعر والتفسيرات التي تسهم في تصعيده. فالخلاف بين شخصين قد يبدأ من مسألة محدودة، لكنه يتفاقم عندما يعتقد أحدهما أن الطرف الآخر يتعمد التقليل من قيمته أو تجاهل احتياجاته، مما يجعل الاستجابة مرتبطة بمعنى الموقف أكثر من تفاصيله الظاهرة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العلاقات الأسرية والاجتماعية، حيث قد يؤدي تراكم الإحباط أو الشعور بعدم التقدير إلى زيادة الحساسية تجاه بعض المواقف اليومية، فتبدو الاستجابة الغاضبة أكبر من السبب المباشر الذي أثارها. ومع ذلك، لا يجوز اختزال جميع حالات الغضب في خوف خفي أو اضطراب داخلي، لأن بعضها يمثل اعتراضاً مفهوماً على إساءة أو ظلم حقيقي، ويكون المطلوب عندئذ تنظيم طريقة التعبير عن الاعتراض بدلاً من إنكار مشروعيته.
الغضب الرقمي ودائرة الانفعال المتكرر
تمنح وسائل التواصل الاجتماعي الغضب فرصة للامتداد عبر إعادة نشر المحتوى وظهور التعليقات والتنبيهات، بحيث يستطيع المستخدم العودة إلى الخلاف مرات متعددة حتى بعد توقف المواجهة المباشرة. وقد يسهم هذا التكرار في إبقاء الحدث حاضراً في الانتباه وإعادة تفسيره من زاوية عدائية، ولا سيما عندما تتحول المناقشة من مضمون القضية إلى التشكيك في نيات الأشخاص ومكانتهم.
وأظهرت دراسة منشورة في مجلة «السلوك البشري» التابعة لمجموعة نيتشر العلمية أن مستخدمي المنصات قد يبالغون في تقدير مستوى الغضب الذي يشعر به الآخرون انطلاقاً من منشوراتهم، وأن هذه المبالغة يمكن أن تؤثر في تصورهم لحجم العداء بين المجموعات. وبذلك لا يتحدد أثر الانفعال الرقمي بما يكتبه الأفراد وحده، بل يتأثر أيضاً بالطريقة التي يفهم بها المتابعون مشاعر الآخرين وحدّة مواقفهم.
ويمكن أن تتداخل هذه التصورات مع المشاعر الشخصية التي يحملها الإنسان قبل دخوله إلى المنصة، إذ قد يفسر المستخدم الذي يعاني من الإحباط أو الشعور بالإهانة بعض التعليقات بوصفها تهديداً إضافياً، بينما يتعامل مستخدم آخر مع المحتوى نفسه بدرجة أقل من الانفعال. وتعكس هذه الفروق أهمية العوامل النفسية الفردية في تفسير العلاقة بين وسائل التواصل والغضب، وعدم الاكتفاء بتفسير سلوك المستخدمين اعتماداً على طبيعة المنصة وحدها.
الإمام علي.. الصمت بوصفه وسيلة لضبط الغضب
يحضر ضبط الغضب في التراث الأخلاقي الإسلامي باعتباره ممارسة تتعلق بقدرة الإنسان على التحكم بسلوكه عند اشتداد الانفعال، وقد رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله: «داووا الغضب بالصمت، والشهوة بالعقل»، وهو قول أورده كتاب «غرر الحكم». ويقدم هذا المعنى تصوراً يقوم على تأجيل الاستجابة اللفظية حين تكون المشاعر في أقصى شدتها، حتى لا يتحول الموقف العابر إلى إساءة يصعب إصلاح آثارها لاحقاً.
ولا يقتضي الصمت في هذا السياق إنكار أسباب الغضب أو التنازل عن الحقوق، وإنما يمكن فهمه بوصفه امتناعاً مؤقتاً عن الكلام الذي يصدر تحت تأثير الانفعال الشديد، تمهيداً لاستعادة القدرة على التفكير والتعبير بصورة أكثر اتزاناً. ويتقاطع هذا التصور الأخلاقي مع بعض مبادئ التنظيم الانفعالي في علم النفس المعاصر، ولا سيما إبطاء الاستجابة وخفض الاستثارة قبل اتخاذ القرار، مع بقاء التمييز ضرورياً بين الحكمة الأخلاقية والنتائج التي تثبتها الدراسات العلمية.
وتظهر أهمية هذا المعنى في البيئة الرقمية، حيث يستطيع الإنسان نشر كلمات غاضبة خلال ثوانٍ، بينما قد تستمر آثارها الاجتماعية والنفسية مدة أطول، خصوصاً عندما تنتشر خارج السياق الذي كُتبت فيه. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الصمت المؤقت بوصفه فرصة لمراجعة الموقف وتحديد دوافع الانفعال قبل التعبير عنه، دون أن يتحول إلى كبت دائم للمشاعر أو امتناع عن المطالبة بالحقوق.
إدارة الغضب لا تعني إلغاءه
تشير الأبحاث النفسية إلى أن التعامل الصحي مع الغضب يتطلب التعرف على أسبابه وفهم المشاعر المصاحبة له واختيار سلوك لا يزيد حدة النزاع. فالتعبير عن الاستياء يمكن أن يكون ضرورياً لحماية الحدود الشخصية ومعالجة الخلافات، لكنه يصبح أقل فائدة عندما يعتمد على الإهانة أو الصراخ أو استمرار المواجهة دون هدف واضح.
وتزداد أهمية هذا التمييز في البيئة الرقمية، حيث تسمح سرعة النشر والتفاعل بتحويل الانفعال المؤقت إلى سلسلة طويلة من الاستجابات المتبادلة. ومن ثم فإن التريث قبل الرد، وتحديد السبب الحقيقي للاستياء، والتعبير عن الموقف بلغة واضحة، تمثل ممارسات تتفق مع الاتجاهات النفسية التي تركز على تنظيم الانفعال بدلاً من تكثيفه، وتترك المجال مفتوحاً للاعتراض المشروع دون أن يتحول الغضب إلى مصدر إضافي للضرر.
وتوضح الأدلة المتاحة أن قدرة الإنسان على إدارة غضبه لا ترتبط بقدرته على إخفاء مشاعره أو التخلص منها فوراً، وإنما بمدى تمكنه من فهم أسبابها واختيار الاستجابة الملائمة لها. وفي عالم تتسارع فيه المناقشات وتزداد فيه فرص التعبير الفوري عن الانفعالات، تظل القدرة على التريث والتفكير قبل الاستجابة عاملاً مهماً في حماية العلاقات الإنسانية والحد من تحول الخلافات اليومية إلى نزاعات مستمرة.
* المصادر: علم النفس المبسط | مراجعات علم النفس السريري | علم نفس الاتصالات | مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي | مجلة السلوك البشري – نيتشر | غرر الحكم



اضف تعليق