قوة الإيمان وهشاشة الإنسان

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

الحياة السعيدة في الدنيا قبل الآخرة تكمن في الإيمان بالله واليوم الآخر. القوانين الوضعية والمؤسسات الأمنية وحدها عاجزة عن اجتثاث الجريمة لكونها تعتمد على ردع خارجي يمكن التحايل عليه بالثغرات والرشاوى. بينما يمثل الإيمان بالآخرة والضمير الحي الحصن الأمني الأخلاقي الأكثر تأثيراً؛ ولهذا لم يُبنَ سجن واحد في الدولة النبوية الواسعة لأن الإيمان الصادق غرس الرقابة الذاتية....

 (الحياة السعيدة في الدنيا قبل الآخرة تكمن في الإيمان بالله واليوم الآخر)

الإمام الشيرازي

إن القوانين الوضعية والرهبة من المؤسسات الأمنية والمحاكم وحدها، سوف تبقى عاجزة تماماً عن اجتثاث الجريمة من جذورها، لكونها تعتمد على الردع الخارجي الذي يمكن التحايل عليه والافلات من قبضته، فالثغرات القانونية وتفشي الرشاوي والمحسوبيات، والقدرة المالية على استئجار محامين بارعين، فضلاً عن شهود الزور، كلها ثغرات كفيلة بحماية المجرم وإفلاته من العقاب البشري. 

لهذا السبب تبرز الحاجة الملحة لوازع داخلي راسخ يتمثل في الإيمان والأخلاق الحية، فالضمير الحي والرقابة الذاتية النابعة من خشية الله واستشعار مراقبته في السر والعلن هما الضمان الحقيقي لردع النفوس عن ارتكاب الذنوب والمحرمات كافة، ومن الأمور المسلَّم بها أن الشرطة والمحاكم دورها يكمن في حماية المجتمع من الخارج فقط، بينما الإيمان يحميه من الداخل، وبدون هذا الوازع الروحي والأخلاقي تفقد القوانين هيبتها وتتحول نصوص ميتة كونها تغدو (حبر على ورق) عاجز عن منع الفساد والجريمة).

 الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (الصياغة الجديدة):

(إن الخوف من الشرطة والمحاكم لا يكفي لدرء الجرائم، وإنما لا بد من وجود وازع آخر (وهو الإيمان) يكون حاضرا في المجتمع ليمنع الناس من ارتكاب الجرائم، فالرشاوي والمحسوبيات وخدمات المحامين البارعين وشهود الزور كل هذه العوامل تكفي لحماية المجرم من أية شرطة أو محكمة إنسانية).

لذا يُنظَر إلى عقيدة الآخرة - بما تحمله من مفاهيم الحساب والجزاء والثواب والعقاب- بأنها الحصن الأمني الأخلاقي الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان، فعندما استقر في وجدان الفرد أن أعماله مهما دقّت محصاة وأن عاقبتها ممتدة إلى دار البقاء، يتحول الضمير إلى رقيب دائم لا يغفل ولا ينام. 

على العكس من القوانين الأرضية التي قد تُخترق أو تخدع، حيث تظل محكمة الآخرة حاضرة في قرارة النفس، وتبقي جذوة الشعور بالذنب متوقدة وتأنيب الضمير حياً حتى في غياب الرقيب البشري، لأن استشعار لقاء الله عز وجل يغرس في النفوس ورعاً ذاتياً يمنع ارتكاب المحرمات والجرائم من أساسها، حيث يدرك المرء أن الإفلات من عدالة الأرض لا يعني بحال من الأحوال النجاة من عدالة السماء.

 محكمة الآخرة حاضرة دائما

هكذا يصبح الإيمان باليوم الآخر هو الذي يمثل صمام الأمان الحقيقي الذي يحفظ قيم المجتمع ويصون أخلاقه من التحلل والتراجع ومن ثم الانهيار التام، لأن الإيمان الحقيقي يخاطب الوجدان الإنساني من الداخل، ويبني سداً منيعاً ضد دوافع الشر وأسباب الانحراف.

ولهذا يقول الإمام الشيرازي:

(إن عقيدة الآخرة التي يحملها الشرع الإلهي هي خير وازع عن ارتكاب الجرائم، وهي تكفي لتبقي الإحساس بالجريمة وتأنيب الضمير واللوم يعتمل في قرارة ضمير الإنسان).

يرتبط بلوغ الحياة السعيدة والمستقرة في الدنيا قبل الآخرة ارتباطاً وثيقاً بالتمسك بالإيمان بالله واليوم الآخر، فبدون العقيدة الراسخة والتقوى الواعية، واستشعار الخوف من عذاب النار والرجاء في نعيم الجنة، تفتقر المجتمعات إلى البوصلة الأخلاقية التي توجه طاقات أفرادها نحو البناء وليس نحو الهدم. 

إن القوانين وحدها، مهما بلغت دقتها وقسوتها، تعجز عن ضبط السلوك الإنساني في الخلوات وغياب الرقيب البشري، بينما ينجح الوازع الإيماني في خلق رقابة ذاتية دائمة تحرس الضمير، وحين يسود الإيمان والتقوى، تتحول العلاقات الاجتماعية إلى منظومة من التكافل والأمان والتعاون المثمر، وتتلاشى دوافع الجريمة والانحراف والأثرة.  

لهذا فإن صياغة مجتمع آمن ومطمئن تتم حماية أفراده من الأخطار والمشاكل المعاصرة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن القيم الروحية، لأنها الضمان الحقيقي والأساس لتحقيق الطمأنينة النفسية والانسجام والاستقرار المجتمعي المنشود على كافة المستويات.

كما يؤكد ذلك الإمام الشيرازي قائلا:

(لو أردنا الحياة السعيدة في الدنيا قبل الآخرة احتجنا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، إذ بدون الإيمان بالله واليوم الآخر وبدون التقوى وبدون الخوف من الجنة والنار لا يمكن صياغة المجتمع صياغة آمنة عن الأخطار والمشاكل).

لذلك نلاحظ بأن غياب الإيمان الحقيقي عن واقع الحياة المعاصرة أدى إلى اختلال موازينها واهتزاز استقرارها، فما بالك بأمر الآخرة، وحين نتأمل مشهدنا العالمي الراهن، حيث انسلخت الحضارة المادية عن قيم الإيمان والروحانيات، نرى كيف تحولت المجتمعات إلى بؤر تعج بالمشاكل المعقدة والحروب المدمرة.  

تقييد الأهواء الذاتية

فالتنافس المحموم على السلطة والمادة أسفر عن نهب الأموال وانتشار شتى أشكال الجرائم المنظمة والفظائع التي تنقلها وسائل الإعلام يومياً بلا انقطاع، وهذا التردي الأخلاقي والاجتماعي يثبت يقيناً أن التقدم التقني والعلمي وحده لا يضمن سعادة البشرية ولا يحفظ أمنها ما لم يستند إلى جذور إيمانية راسخة تهذب السلوك البشري وتوجهه نحو الخير، لذا يستدعي هذا الأمر عودة حقيقية للقيم الروحية لإنقاذ البشرية من هذا الضياع المستمر.

الإمام الشيرازي يؤكد قائلا:

(بدون الإيمان الحقيقي لا يمكن أن تستقيم الحياة الدنيا ـ فكيف بالآخرة؟ ـ ولذا نلاحظ ما يجري في الحياة الحاضرة - حيث تخلت هذه الحياة عن الإيمان بالله إيماناً حقيقياً – ولهذا صارت بؤرة للمشاكل والحروب ونهب الأموال والجرائم المختلفة التي تنشرها وسائل الإعلام).

على النقيض من المجتمعات المادية الهشة، يقدم المجتمع المؤمن نموذجاً فريداً في الاستقرار والأمان، ولعل أبرز مصداق على ذلك يظهر لنا في التجربة النبوية الفريدة، فعلى الرغم من اتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله، والتي كانت تعادل بمساحتها وهيبتها ما يقارب سبع حكومات في خريطة عالمنا المعاصر، إلا أنه لم يبنِ سجناً واحداً في كافة أرجاء تلك الدولة الشاسعة. 

ويعود السر الأساسي في هذه الظاهرة الفريدة إلى النهج التربوي الروحي الذي اعتمده النبي صلى الله عليه وآله، حيث غرس الإيمان الصادق والتقوى الحقيقية عميقاً في نفوس أفراده، ولهذا نجح هذا الغرس الإيماني في بناء الرقابة الذاتية والضمير الحي لدى كل فرد. 

فكان المؤمن يرعى حدود الله ويقيد أهواءه بذاته، مما جعله يرتدع تلقائياً عن ارتكاب الجرائم والموبقات دون الحاجة لأسوار أو قضبان، لهذا فإن تجربة المجتمع المؤمن تثبت بوضوح أن استصلاح النفوس بالتربية الإيمانية هو الحصن الأقوى لسلامة المجتمع، وأن الوازع الداخلي أبلغ وأعمق أثراً من أعتى أدوات الزجر والترهيب المادية.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(أما المجتمع المؤمن فهو على العكس من ذلك، ولذا نلاحظ أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) رغم حكومته الواسعة - والتي تعادل سبع حكومات في خريطة عالمنا الحاضر - لم يبن حتى سجناً واحداً في أراضي الحكومة الشاسعة، والسبب في ذلك: إن الرسول (صلّى الله عليه وآله) غرس الإيمان الصادق في النفوس فكان المؤمن يردع نفسه عن ارتكاب الجرائم والموبقات).

تأسساً على ما تقدّم، يتبيّن لنا بوضوح بأن النظم والقوانين البشرية، مهما بلغت دقتها وقسوة عقوباتها، تظل قاصرة عن إقامة مجتمع فاضل وآمن ما لم تسندها عقيدة إيمانية راسخة تصقل الوجدان وتوقظ الضمير، فالردع الخارجي وحده يسهل التملص منه عبر الثغرات والوسائل الملتوية، بينما يشكل الإيمان بالله واليوم الآخر حصناً ذوقياً وروحياً يزرع الرقابة الذاتية في أعماق الإنسان، فيمنعه من ارتكاب الجريمة ويجعل له قدرة كافية في مواجهة المغريات والامتيازات التي قد تكون خارج الاستحقاق.

اضف تعليق