الرقابة الدستورية بين نفاذ النص ونفاذ أثره

قراءة مقارنة في اجتهاد القضاء العراقي والمصري.. قرار المحكمة الاتحادية العليا 219/اتحادية/2026 أنموذجًا

يناقش المقال حدود الرقابة الدستورية على النصوص التي انتهى نفاذها وبقيت آثارها القانونية قائمة، من خلال قرار للمحكمة الاتحادية العليا في العراق ومقارنته باجتهاد المحكمة الدستورية العليا في مصر. ويعرض اتجاهين: الأول يربط الاختصاص بنفاذ النص، والثاني ينظر إلى استمرار أثره، مرجحًا إخضاع النص غير النافذ للرقابة متى استمرت...

أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قرارها العدد 219/اتحادية/2026 في 27/9/2026، وقضت فيه برد الدعوى لعدم الاختصاص؛ لأن المدعي طلب الحكم بعدم دستورية نص ورد في قانون الموازنة لعام (2023-2024-2025)، وحيث إن هذا القانون مؤقت للمدة المحددة فيه، فقد أصبح غير نافذ، وإن المحكمة أصبحت غير مختصة بالنظر فيه؛ لأن اختصاصها بالرقابة على دستورية التشريعات النافذة فقط، وعلى وفق ما ورد في المادة (93/أولًا) من الدستور، التي جاء فيها: «تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي: أولًا: الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة».

1. اتجاه المحكمة الاتحادية العليا

ومن خلال ما ورد في قرار الحكم محل البحث، لوحظ أن المدعي طلب الحكم بعدم دستورية عبارة: «أن لا يتم احتساب الشهادة الدراسية الحاصل عليها الموظف في أثناء تمتعه بهذه الإجازة لأغراض الوظيفة»، الواردة في المادة (27/أولًا) من القانون رقم (13) لسنة 2023، قانون الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنوات المالية (2023-2024-2025)، الخاصة بمنح الموظف إجازة لمدة خمس سنوات، وفقًا للشروط والأحكام الواردة فيها.

إلا أن المحكمة الاتحادية العليا قررت رد الدعوى لعدم الاختصاص؛ لأن النص أصبح غير نافذ لانتهاء العمل بقانون الموازنة العامة، كونها من التشريعات محدودة النفاذ بمدة محددة، ومن ثم لا يدخل في اختصاص المحكمة الوارد في الفقرة (أولًا) من المادة (93) من الدستور، وعلى وفق ما جاء في القرار أعلاه، الذي جاء فيه الآتي:

«قرار الحكم: لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا، وجد أن المدعي (م،ع) أقام دعواه أمام هذه المحكمة ضد المدعى عليه رئيس مجلس النواب/ إضافة لوظيفته، طالبًا الحكم بعدم دستورية عبارة: (أن لا يتم احتساب الشهادة الدراسية الحاصل عليها الموظف في أثناء تمتعه بهذه الإجازة لأغراض الوظيفة)، الواردة في المادة (27/أولًا) من القانون رقم (13) لسنة 2023 - الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنوات المالية (2024-2023-2025)، الخاصة بمنح الموظف إجازة لمدة خمس سنوات، وفقًا للشروط والأحكام الواردة فيها، للأسباب التي أوردها في عريضة دعواه.

وتجد المحكمة بأن قانون الموازنة العامة الاتحادية يصدر لسنة مالية معينة، ينفذ خلالها وينتهي نفاذه بانتهائها، وإذ إن القانون رقم (13) لسنة 2023 - الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنوات المالية (2023-2024-2025)، المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4726) في 26/6/2023، أصبح من القوانين غير النافذة في الوقت الحاضر لانتهاء مدة نفاذه بانتهاء السنوات المالية المحددة له، وحيث إن عدم نفاذية النص المطعون فيه تجعل هذه المحكمة غير مختصة بنظر دستوريته؛ لأن رقابتها الدستورية تنصرف إلى القوانين والأنظمة النافذة، لا إلى القوانين والأنظمة غير النافذة، وفقًا للمادة (93/أولًا) من الدستور، وبما أن الاختصاص الوظيفي هو من النظام العام وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها، وإن لم يرد دفع بشأنه من الخصوم، لذا تكون دعوى المدعي واجبة الرد لعدم الاختصاص.

ولما تقدم، قررت المحكمة الاتحادية العليا الحكم بما يأتي:

أولًا - رد دعوى المدعي (م،ع) لعدم الاختصاص.

ثانيًا - تحميل المدعي الرسوم والمصاريف وأتعاب محاماة وكيلي المدعى عليه (رئيس مجلس النواب/ إضافة لوظيفته)، البالغة مائة وخمسين ألف دينار، توزع وفقًا للقانون.

وصدر الحكم بالاتفاق باتًا وملزمًا استنادًا لأحكام المادتين (93 و94) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، والمادتين (4 و5/ثانيًا) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 المعدل بالقانون رقم (25) لسنة 2021، وأُفهم علنًا في 27/9/2026».

2. تحليل قرار الحكم

إن الحكم استند إلى التطبيق الحرفي للنص الدستوري، عندما تمسك بصيغة النص، واعتمد الجانب الشكلي المتعلق بوجوب نفاذ النص وقت الطعن فيه، وهذا اتجاه تسير عليه أغلب قرارات المحاكم المختصة، لكن وجدت أن المدعي يطالب بعدم الدستورية؛ لأن آثار النص المطلوب الحكم بعدم دستوريته ما زالت نافذة، ولم تنتهِ بانتهائه أو بعدم نفاذيته؛ لأن نص العبارة: «أن لا يتم احتساب الشهادة الدراسية الحاصل عليها الموظف في أثناء تمتعه بهذه الإجازة لأغراض الوظيفة»، ولا يستطيع الانتفاع بالشهادة التي حصل عليها بسبب هذا النص الذي منعه من ذلك، وما زالت الإدارة تتمسك به.

واستدليت على هذا الاستنتاج من خلال سبب طلبه الحكم بعدم الدستورية؛ لأنه لو استجابت له دائرته لما لجأ إلى القضاء.

3. موقف القضاء المقارن (القضاء الدستوري المصري)

يوجد اتجاه قضائي آخر عملت به واعتمدته المحكمة الدستورية العليا في مصر في أكثر من قرار، ومنها قرارها العدد 173، السنة القضائية 29 لسنة 2015، في 5/12/2015. وتجسد هذا الاتجاه بأن المعيار ليس معيارًا شكليًا يتعلق بوجوب نفاذ التشريعات وقت الطعن بعدم دستوريتها، وإنما بالمعيار الموضوعي المتعلق بنفاذ أثر التشريع وقت الطعن فيه، حتى لو كان النص غير نافذ، سواء بتعديله أو إلغائه.

مع التنويه إلى أن نص المادة (25/أولًا) من قانون المحكمة الدستورية العليا في مصر رقم 48 لسنة 1979 المعدل لم ترد فيه عبارة القوانين واللوائح النافذة، وعلى وفق النص الآتي: «تختص المحكمة الإدارية العليا دون غيرها بما يأتي: أولًا: الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح».

لكن تطبيقات المحكمة الدستورية في مصر واتجاهاتها تؤكد وجوب أن يكون النص المطعون بعدم دستوريته نصًا نافذًا، وكانت في بعض قراراتها قد حادت عن هذا المبدأ عندما قبلت النظر بالطعن في دستورية نصوص قانونية غير نافذة، بسبب إلغائها بتشريعات لاحقة، ومنها القرار الملمع عنه، حيث جاء فيه الآتي:

«وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلغاء المشرع قاعدة قانونية بذاتها، لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طُبقت عليه خلال فترة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه يتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة، ذلك أن الأصل في القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التي تتم في ظلها وحتى إلغائها، فإذا أُلغيت هذه القاعدة، وحلت محلها قاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من القاعدتين - دونما إخلال بمبدأ رجعية النص الجنائي الأصلح للمتهم فيما لو توافرت ضوابط إعمال هذا المبدأ -. متى كان ذلك، وكان المركز القانوني للمدعي نشأ مكتملًا في ظل العمل بنص المادة (72) من قانون البيئة قبل استبدالها بالقانون رقم 9 لسنة 2009، ومن ثم فإنه يظل خاضعًا لحكم تلك المادة قبل هذا الاستبدال».

والمبدأ الوارد في الحكم أعلاه يتمثل بأن العبرة في نفاذ أثر التشريع، وليس نص التشريع، وذلك من خلال قولها: «إن إلغاء المشرع قاعدة قانونية بذاتها، لا يحول دون الطعن عليها بعدم الدستورية من قبل من طُبقت عليه خلال فترة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه يتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة».

واستنادًا لما تقدم، قضت المحكمة بعدم دستورية النص الملغى، وعلى وفق الفقرة الحكمية التي وردت فيه:

«فلهــذه الأسبــاب، حكمت المحكمة: بعدم دستورية نص المادة (72) من قانون البيئة الصادر بالقانون رقم 4 لسنة 1994 - قبل استبداله بالقانون رقم 9 لسنة 2009 - فيما تضمنه من مسؤولية المعهود إليه بإدارة المنشآت المنصوص عليها في المادة (69) من القانون ذاته عما يقع من العاملين فيها بالمخالفة لأحكام المادة المذكورة، ورفض ما عدا ذلك من طلبات، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة».

الخلاصة

ومن خلال ما تقدم، فإن الاتجاه القضائي الأكثر إنصافًا وانطباقًا هو أن يخضع النص الملغى أو غير النافذ لرقابة القضاء الدستوري، طالما آثاره نافذة وتُطبق على الأفراد؛ لأن بقاء أثر نص قد يكون مخالفًا للدستور يعني أن الضرر الذي يسببه مفترض وقائم، فضلًا عن إعلان الأفراد تضررهم من بقاء آثاره نافذة، من خلال اللجوء إلى الطعن بعدم دستوريته.

*قاضٍ متقاعد

اضف تعليق