يناقش المقال اغتيال السيد حسن الشيرازي في بيروت عام 1980 بوصفه امتدادًا لصراع طويل بين المرجعية الدينية والسلطة البعثية، ويربط بين إرث ثورة العشرين ومواقف الأسرة الشيرازية المعارضة للاستبداد. كما يتتبع نشاط الشهيد في المنفى، ومؤسساته وشبكاته، ويرى أن استهدافه جاء لإجهاض مشروع ديني وسياسي متنامٍ قبل الحرب...

في صيف عام ١٩٢٠ خطّ الميرزا محمد تقي الشيرازي في كربلاء المقدسة فتواه الشهيرة: «مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم»، فاشتعلت بها ثورة العشرين، وزحفت عشائر الفرات الأوسط على جيش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

وبعد ستين عامًا بالتمام، في الثاني من أيار ١٩٨٠، الموافق السادس عشر من جمادى الآخرة ١٤٠٠هـ، ارتقى أحد أحفاد ذلك المرجع، المفكر الإسلامي الكبير آية الله الشهيد السيد حسن الحسيني الشيرازي (قدس سره)، برصاص البعث في أحد شوارع بيروت، وهو في طريقه إلى مدرسة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) التي أسسها بيده، ليقيم مجلس تأبين للشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) وأخته العلوية بنت الهدى.

ستون عامًا تفصل بين الفتوى والرصاصة، تبدّلت فيها وجوه الظالمين وبقي البيت على عهده، فالجد واجه احتلالًا جاء من وراء البحار، والحفيد واجه استبدادًا بدا كأنه نبت من داخل البلاد، غير أن هناك ما يكشف خيطًا خفيًا يصل بين الاثنين، فسلاح صدام، والغطاء الذي حمى جرائمه سنوات طويلة، جاءا من عواصم الغرب ذاتها التي ثار الجد على جيوشها، فإذا الحفيد يواجه ما واجهه جده وإن تبدّل الثوب، وكلاهما قال «لا» في وجه سلطة لا تقبل الرفض.

قد يبدو الربط بين الحدثين ضربًا من البلاغة، لكنه، في تقديري، مفتاح السؤال الأجدر بالطرح بعد قرابة نصف قرن على رحيله: لماذا حشد نظام صدام مخابراته وأنفق أموال العراق لملاحقة رجل دين أعزل في منفاه، بعد عشر سنوات من خروجه من العراق؟ والجواب أن البعث لم يخشَ الرجل وحده، بل خشي السلالة العلمية والجهادية التي ينحدر منها، والمشروع الذي كان يبنيه بصمت خارج الحدود.

فالسيد الشهيد سليل بيت ثوري لم يهدأ ولم يساوم ظالمًا منذ هاجر أجداده من شيراز إلى كربلاء المقدسة، فهو من جهة أبيه من نسل المجدد الميرزا محمد حسن الشيرازي الذي أسقط بفتوى التنباك امتيازًا تحميه الإمبراطورية البريطانية، وأرغم الشاه على التراجع أمام شعب أطفأ نراجيله طاعةً لفقيه، ومن جهة أمه يتصل نسبه بصاحب فتوى ثورة العشرين.

وهنا تحديدًا يكمن الحرج الذي عاشه البعث، فالحزب الذي ادّعى احتكار الوطنية والقومية يعرف أن أعظم ثورة وطنية في تاريخ العراق الحديث لم تخرج من بيانات حزبية، بل من فتوى مرجع في كربلاء، وأن أحفاد ذلك المرجع ما زالوا أحياء يحملون الراية ذاتها.

من هذا البيت جاء أبوه، المرجع آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي، الذي تصدى بفتواه للمد الشيوعي، ومنه خرج أخوه الأكبر الإمام السيد محمد الشيرازي، وأخوه الأصغر المرجع السيد صادق الشيرازي (دام ظله)، فوجد النظام نفسه أمام أسرة تتوارث المرجعية جيلًا بعد جيل، وتتوارث معها روح الثورة، في مدينة تسكن وجدان الشيعة في كل مكان.

لم يكتفِ السيد الشهيد بإرث البيت، بل أضاف إليه ما جعله أخطر على النظام من كثير من أقرانه، فهو عالم نهل العلم على يد أبيه وأخيه الأكبر الإمام الشيرازي وكبار علماء حوزة كربلاء، وشاعر خطيب يعرف كيف تبلغ الكلمة قلوب الناس، وصاحب مجلة وقلم يردّ على التيارات الوافدة بالحجة، ورجل تنظيم أسس عام ١٩٥٠ منظمة «الشباب الحسيني» لتحصين جيل كامل من الإلحاد والتغريب.

وفي عام ١٩٦٣ قرأ البعث قراءة مبكرة حين وقف في مهرجان مولد أمير المؤمنين (عليه السلام) بكربلاء يلقي قصيدته «زعيمنا الكرّار»، فأعلن أمام الجموع ما لم يجرؤ عليه كثيرون، إذ قال:

دستورنا القرآن نهتف باسمه  

وشعارنا في العالم الإسلام  

وزعيمنا الكرّار لا ميشيل  

لا ماركس لا القسيس لا الحاخام

فكشف بهذين البيتين أن الحزب مشروع مستورد غريب عن هوية الأمة، ثم التفت إلى حكم البعث الأول الذي سقط في ذلك العام بعد شهور من الدم والتنكيل، فلخّص تجربة العراقيين معه، واستشرف لبلده ليلًا طويلًا لن ينجلي إلا بزوال الظلم، فقال:

جاؤوا فكانت لعنةٌ حمراءُ  

ومضوا فكانت فرحةٌ بيضاءُ  

ويلُ العراق فليلُه لا ينقضي  

حتى تقومَ حكومةُ الإسلام

ولم تمضِ خمس سنوات حتى عاد البعث إلى السلطة، فكأن النبوءة وجدت طريقها إلى الواقع، وامتد الليل الذي حذّر منه أكثر من ثلاثة عقود قبل أن ينقشع بسقوط النظام.

لذلك، حين عاد البعث إلى السلطة عام ١٩٦٨ لم ينسَ القصيدة ولا صاحبها، فاعتُقل السيد عام ١٩٦٩ ضمن حملة طالت علماء حوزة كربلاء ووجهاءها، وزُجّ به في قصر النهاية، ولقي من التعذيب ما جعل أمه لا تعرفه حين زارته أول مرة، ثم نُقل إلى المستشفى العسكري، ومنه إلى سجن بعقوبة، ولما أُفرج عنه غادر إلى لبنان عام ١٩٧٠ يحمل آثار السياط في جسده.

ظن النظام أن المنفى سيُطفئ صوته، غير أن السيد الشهيد جعل من هجرته هجرة جهادية تنقل المعركة مع البعث إلى فضاء إقليمي أوسع، ومن يتأمل ما بناه خلال عشر سنوات يدرك أنه لم يكتفِ بالدعوة، بل وضع لبنات جبهة كاملة خارج العراق.

فالحوزة الزينبية التي أسسها قرب دمشق عام ١٩٧٥ تخرّج الكوادر العلمية التي تحمل الفكرة، ودار الصادق في بيروت تنشر الكلمة التي يحاصرها البعث في الداخل، و«مكتب جماعة العلماء» الذي أسسه في لبنان عام ١٩٧٧ يجمع العلماء في إطار واحد يمنح الموقف ثقلًا جماعيًا، والمواسم الحسينية تتحول على منبره إلى مدارس للوعي تربط مظلومية الحسين (عليه السلام) بمظلومية العراقيين تحت حكم البعث.

وإلى جانب ذلك، مدّ جسوره إلى الحجاز، وحمل محنة الشعب العراقي إلى المحافل والعواصم، فصار العراقي المنفي رقمًا في معادلات المنطقة، وصار صوته يبلغ العراق من حيث لا تطاله رقابة النظام ولا زنازينه.

ثم جاء ربيع عام ١٩٨٠ ليجعل هذا البناء خطرًا داهمًا في عين صدام، فالثورة الإسلامية في إيران غيّرت موازين المنطقة، وانتقل أخوه الإمام الشيرازي إلى قم، فبات للمعارضة العراقية في الخارج عمق لم تملكه من قبل، وبات للسيد حسن شبكة تمتد من بيروت ودمشق إلى قم والخليج.

وفي المقابل، مضى صدام، الذي انفرد بالسلطة في تموز ١٩٧٩ بعد أن صفّى رفاقه في قاعة الخلد، يُعدّ العراق لحرب مع إيران، مدركًا أن الحرب تحتاج إلى جبهة داخلية صامتة وخارج لا يرفع صوته ضده، فأعدم المرجع آية الله العظمى محمد باقر الصدر في نيسان، وحين رأى السيد الشهيد والمفكر حسن الشيرازي يحوّل دم الصدر إلى راية تجمع العراقيين في بيروت، امتدت يده إليه في أيار، ثم أشعل الحرب في أيلول.

ومن يتأمل هذا التسلسل يدرك أن الاغتيال لم يأتِ انتقامًا من ماضٍ بقدر ما جاء محاولةً لإجهاض مشروع قبل أن يكتمل، وتمهيدًا لمستقبل أراده صدام خاليًا من أي مرجعية قادرة على أن تقول «لا».

ولا يبدو ذلك حادثًا معزولًا حين نضعه في سجل البعث مع معارضيه في المنافي، فبعده بثمانية أعوام اغتيل السيد مهدي الحكيم، نجل المرجع السيد محسن الحكيم، في الخرطوم، فلم يحمِ المنفى أحدًا من يد امتدت إلى العواصم، ولم تفرّق تلك اليد بين سياسي سابق ورجل دين أعزل، فالمعيار الوحيد عندها كان قدرة الخصم على التأثير في العراقيين.

ولم يأتِ اغتيال السيد الشهيد خارج السياق، بل كان حلقةً في مسار طويل من استهداف المرجعية الدينية والقيادات الإسلامية والبيئة الاجتماعية التي احتضنتها. فمنذ استيلاء البعث على السلطة عام ١٩٦٨ دخلت الحوزات العلمية ورموزها في مواجهة مفتوحة مع سلطة لم تكن تحتمل شريكًا في التأثير أو الولاء، فامتلأت السجون، ونُفي العلماء، ونُصبت المشانق، وتفرّقت العائلات بين المنافي والمقابر.

ومن إعدام الشهيد السيد محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى، إلى ملاحقة آل الحكيم وآلاف المعارضين، وصولًا إلى المقابر الجماعية التي كُشف عنها بعد سقوط النظام، تبدو رصاصة بيروت واحدةً من رصاصات كثيرة أُطلقت على المشروع نفسه وإن اختلفت الأمكنة والضحايا. ولم تنتهِ آثار تلك المرحلة بسقوط النظام، إذ ظلت جراحها حاضرة في الذاكرة العراقية، وبقيت تداعياتها السياسية والاجتماعية تلقي بظلالها على البلاد لسنوات طويلة.

ولعلّ أكثر ما أخاف البعث في المفكر الكبير السيد حسن الشيرازي أنه جمع بين عمق المرجعية، وجرأة الموقف، والقدرة على تحويل الفكرة إلى مؤسسة، ولذلك لم يرَ فيه خصمًا عابرًا، بل مشروعًا ممتدًا عبر الأجيال.

نُقل جثمان السيد الشهيد حسن الشيرازي (قدس سره) إلى قم المقدسة، فعطّلت حوزتها دروسها وأغلقت أسواقها، وصلّى عليه المرجع السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، ودُفن في حرم السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، وما زالت الأوساط العلمية في كربلاء تحيي ذكراه كل عام.

أما البعث الذي سخّر جبروت الدولة وقوتها ليقهر العلماء ويلاحقهم في السجون والمنافي، فقد طواه التاريخ وانقضى، وبقي البيت الذي أراد اقتلاعه، وبقيت كربلاء تذكر ابنها الذي خرج ليرثي شهيدًا فصار شهيدًا يرثيه الآخرون، فيما بقيت كلمته حيّة بعد أن غاب قاتلوه.

اضف تعليق