يناقش المقال القيود المفروضة على حجاب المرأة في بعض الدول، ويقارنها بحرية لباس الرجل، متسائلًا عن حدود تدخل الدولة في المظهر الديني. ويعرض نماذج من تركيا وفرنسا وطاجيكستان وأذربيجان، ويربط القضية بحرية الاعتقاد وحقوق المرأة والعلمانية والهوية الوطنية، مؤكدًا أن حماية الكرامة والاختيار والتعليم والعمل أهم من فرض مظهر...
لماذا تخاف بعض الدول من حجاب المرأة ولا تخاف من بنطال الرجل؟ وهل يمكن لقطعة قماش تغطي بها المرأة شعرها أن تهدد علمانية الدولة أو استقرار نظامها السياسي، بينما لا يمثل لباس الرجل تهديدًا مماثلًا؟ ولماذا يصبح حجاب المرأة قضية تتدخل فيها السلطات بالتشريع والمنع والعقاب، بينما تمر أغلب اختيارات الرجل في لباسه دون الجدل نفسه؟ والأغرب أن بعض الدول التي شهدت هذه القيود دول ذات أغلبية مسلمة، كما حدث سابقًا في تركيا، ويحدث في طاجيكستان، وتجدد مؤخرًا في أذربيجان. فهل المشكلة في الحجاب نفسه، أم في نظرة بعض السلطات إلى المرأة ودورها في المجتمع وعلاقتها بالدين والحرية؟
عرفت تركيا لعقود طويلة قيودًا على ارتداء الحجاب في الجامعات والمؤسسات الحكومية، ارتبطت بتفسير صارم للعلمانية وبالصراع حول هوية الدولة الحديثة، قبل أن تتراجع عنها تدريجيًا، ولا سيما سنة 2013. أما فرنسا، فقد حظرت، بموجب قانون 15 آذار 2004، الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية الابتدائية والثانوية، بما فيها الحجاب الإسلامي، دون أن يشمل ذلك منع الحجاب العادي في جميع الأماكن العامة.
وفي طاجيكستان صدر سنة 2024 قانون يقيد الملابس التي تعدها السلطات غريبة عن الثقافة الوطنية، وهو ما شمل الحجاب الإسلامي. وتجدد الجدل في أذربيجان خلال أيلول وتشرين الأول 2026 بعد تطبيق قواعد مدرسية تستند إلى علمانية التعليم، وأدت إلى منع بعض الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول المدارس. وعلى اختلاف هذه التجارب، فإنها تثير سؤالًا مشتركًا حول حدود سلطة الدولة في تحديد المظهر الديني للمرأة.
ولعل ما يستحق التأمل أن الجدل حول الحجاب يتجاوز مسألة اللباس إلى موقع المرأة في المجتمع. فالمرأة ليست مجرد فرد يؤدي دورًا شخصيًا منعزلًا، بل هي شريك أساسي في تكوين الأسرة وتربية الأجيال ونقل القيم والمعارف والخبرات الاجتماعية. وقد أدرك الشاعر حافظ إبراهيم هذه الحقيقة عندما قال:
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها أَعدَدتَ شَعبًا طَيِّبَ الأَعراقِ
وليس المقصود أن وظيفة المرأة تنحصر في الأمومة أو أن مسؤولية التربية تقع عليها وحدها؛ فالأب شريك في بناء الأسرة، والمرأة حاضرة في ميادين العلم والعمل والثقافة والحياة العامة. لكن مكانتها في التنشئة الاجتماعية تجعل السياسات التي تستهدف لباسها أو تقيد مشاركتها ذات آثار تتجاوز الفرد إلى الأسرة والمجتمع. ومن هنا يمكن طرح تساؤل مشروع: هل يؤدي التضييق على الحجاب، بقصد أو بغير قصد، إلى التأثير في حضور المرأة المتدينة في التعليم والعمل، ومن ثم في دورها الاجتماعي والتربوي؟ إن هذا الاحتمال يستحق المناقشة، وإن لم يكن دليلًا بذاته على أن الحكومات تستهدف الأسرة أو تسعى إلى إضعافها.
وقد يكون وراء بعض صور العداء للحجاب بُعد ثقافي يرتبط بالصورة التي يراد للمرأة أن تظهر بها في المجتمع الحديث. فقد أسهمت الثقافة الاستهلاكية، في بعض تجلياتها، في تحويل جسد المرأة إلى وسيلة للإعلان والتسويق والربح، حتى أصبحت صورتها الخارجية في بعض الخطابات التجارية أكثر حضورًا من عقلها وكفاءتها وشخصيتها.
ومن هنا يثور التساؤل: هل يمثل الحجاب بالنسبة إلى بعض الاتجاهات الثقافية خروجًا على النموذج الذي يجعل إظهار الجسد أحد معايير الجمال والقبول الاجتماعي؟ وهل أصبحت حرية المرأة، في بعض التصورات، مرتبطة بما تكشفه من جسدها أكثر مما ترتبط بحرية اختيارها؟ إن هذه الأسئلة لا تعني أن كل من يعارض الحجاب يدافع عن الانحلال، ولا أن المرأة غير المحجبة تشارك في تسليع جسدها، وإنما تكشف احتمال وجود ضغوط ثقافية وتجارية تتدخل في تحديد الصورة المقبولة للمرأة.
والمفارقة أن الخطاب الذي يدافع عن حرية المرأة قد يتحول أحيانًا إلى وسيلة لتقييدها. فإذا كانت المرأة حرة في اختيار لباسها، فلماذا يكون اختيارها مقبولًا عندما تنسجم معايير لباسها مع الثقافة السائدة، ومرفوضًا عندما تختار الحجاب؟ وإذا كان الهدف تحريرها من سلطة المجتمع أو التقاليد، فكيف يمكن تبرير إخضاعها لسلطة الدولة التي تقرر نيابة عنها ما ينبغي أن ترتديه؟ إن الحرية لا تتحقق بنقل السيطرة على جسد المرأة من سلطة دينية أو اجتماعية إلى سلطة سياسية أو تجارية، وإنما بالاعتراف بإرادتها وكرامتها، سواء اختارت الحجاب أم لم تختره.
ومن منظور فلسفة الحقوق الطبيعية، فإن حرية الاعتقاد والتعبير عن الهوية الشخصية لا تنشأ من منحة تقدمها السلطة، بل ترتبط بكرامة الإنسان. وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، في مادته الثامنة عشرة، حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل إظهار المعتقد وممارسته علنًا أو بصورة فردية، كما حظرت مادته الثانية التمييز بسبب الدين. وأكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حماية المظاهر الدينية، بما فيها الملابس وأغطية الرأس ذات الدلالة الدينية، مع إمكان فرض قيود قانونية ضرورية ومحددة لحماية حقوق الآخرين والمصالح المشروعة. ولذلك ينبغي ألا يكون مجرد ارتداء الحجاب سببًا كافيًا لحرمان المرأة من التعليم أو العمل دون مبرر قانوني يستوفي شروط الضرورة والتناسب.
وقد تدافع بعض الحكومات عن قيود الحجاب باعتبارها وسيلة لحماية العلمانية أو الهوية الوطنية أو منع استغلال الرموز الدينية سياسيًا. وهذه اعتبارات ينبغي فهمها في سياقها التاريخي والقانوني، لكنها لا تمنح الدولة سلطة مطلقة على اختيارات المواطنين. فهناك فرق جوهري بين حياد مؤسسات الدولة تجاه الأديان وبين مطالبة الأفراد بالتخلي عن مظاهر معتقداتهم. كما أن الحجاب لا يدل بذاته على انتماء سياسي، ولا يجوز افتراض الولاء أو عدم الولاء للدولة من مظهر الإنسان وحده. وإذا كانت العلمانية تهدف إلى ضمان التعايش بين أصحاب المعتقدات المختلفة، فإن نجاحها ينبغي أن يقاس بقدرتها على حماية هذا الاختلاف، لا بمجرد إخفائه.
وهنا نعود إلى السؤال الأول: لماذا حجاب المرأة وليس بنطال الرجل؟ صحيح أن البنطال العادي لا يحمل، في الغالب، الدلالة الدينية المباشرة التي يحملها الحجاب، وأن بعض القوانين تقيد رموزًا دينية للرجال أيضًا، لكن المقارنة تكشف أمرًا آخر: لماذا يُطلب من المرأة باستمرار أن تجعل جسدها ولباسها دليلًا على تدين المجتمع أو تحرره، بينما نادرًا ما يُحمَّل لباس الرجل هذه المسؤولية الرمزية؟ إن المرأة ليست مقياسًا وحيدًا لهوية المجتمع، ولا ينبغي تحويلها إلى ساحة للصراع بين المحافظة والتحديث، أو بين الدين والعلمانية.
ولأن المرأة تسهم في بناء الأسرة والمجتمع، فإن حرمانها من التعليم أو العمل بسبب لباسها لا يمس حقًا فرديًا فحسب، بل قد يمتد أثره إلى استقلالها الاقتصادي وفرصها العلمية ومشاركتها الاجتماعية وقدرتها على الإسهام في تنشئة الأجيال. وهنا تتجلى أهمية المعنى الذي عبر عنه الشاعر؛ فإعداد المرأة لا يتحقق بفرض مظهر معين عليها، وإنما بإتاحة المعرفة والكرامة والحرية والفرص المتكافئة أمامها. ولا يمكن لمجتمع أن يدعي الاهتمام بمستقبل أجياله إذا كان يضع عراقيل أمام تعليم المرأة وعملها بسبب اختيار ديني شخصي لا يثبت أنه يضر بحقوق الآخرين.
إن المجتمع المتقدم لا يقاس بمقدار ما تكشفه المرأة من جسدها أو تستره، كما أن الدولة المدنية لا تقاس بعدد النساء المحجبات أو غير المحجبات في مؤسساتها. فالتقدم الحقيقي يتحقق باحترام الإنسان وتوفير التعليم والعمل والعدالة والمساواة، وبحماية المرأة من الإكراه والتمييز، أيًا كان مصدرهما. وليست المرأة سلعة في سوق الاستهلاك، ولا أداة لإثبات علمانية الدولة أو تدين المجتمع، ولا يجوز اختزال قيمتها في قطعة قماش ترتديها أو تخلعها.
إن حجاب المرأة لا يهدم الدولة المدنية، كما أن بنطال الرجل لا يحميها. والخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح حرية المرأة مشروطة بالمظهر الذي تريده السلطة أو يفضله المجتمع. وإذا كنا نؤمن بأن الأم مدرسة تسهم في إعداد الأجيال، فإن أول ما ينبغي أن نوفره لهذه المدرسة هو العلم والكرامة وحرية الاختيار، لا أن نغلق أبواب التعليم والعمل أمامها بسبب لباسها. فالدولة التي تحترم الإنسان لا تخشى اختلاف مظهره، والمجتمع الذي يثق بقيمه لا يحتاج إلى فرضها أو محاربتها بالقوة.



اضف تعليق