لماذا يضحي بعض الناس من أجل الآخرين، بينما يسعى آخرون إلى الاستحواذ على الفرص والمنافع مهما كانت كلفتها؟ وكيف تتحول المحسوبية من سلوك مرفوض إلى ممارسة مألوفة، ويصبح الالتزام بالحق أقل جدوى في نظر من يشاهدون التجاوزات تتكرر أمامهم؟ وهل يستطيع مجتمع أن يحقق التنمية والاستقرار إذا انشغل أفراده بتحصيل مكاسبهم الخاصة...

لماذا يضحي بعض الناس من أجل الآخرين، بينما يسعى آخرون إلى الاستحواذ على الفرص والمنافع مهما كانت كلفتها؟ وكيف تتحول المحسوبية من سلوك مرفوض إلى ممارسة مألوفة، ويصبح الالتزام بالحق أقل جدوى في نظر من يشاهدون التجاوزات تتكرر أمامهم؟ وهل يستطيع مجتمع أن يحقق التنمية والاستقرار إذا انشغل أفراده بتحصيل مكاسبهم الخاصة، من دون اهتمام بما يصيب الآخرين من أضرار؟ تقود هذه الأسئلة إلى قيمة أساسية في بناء المجتمعات، هي الإيثار، وما يقابلها من استئثار يضع المصلحة الشخصية فوق الحقوق المشتركة.

يمثل الإيثار استعداداً لتقديم منفعة للآخرين، ومراعاة حاجاتهم وحقوقهم، حتى عندما يتطلب ذلك التخلي عن مكسب شخصي أو تأجيل مصلحة خاصة. ولا يقتصر على المواقف الاستثنائية أو الأعمال البطولية؛ إذ يتجلى في احترام الدور، ومساعدة المحتاج، وتقاسم المسؤوليات، وحماية المال العام، وتقديم الكفاءة على القرابة في التعيين والترقية. ومن خلال هذه الممارسات اليومية تتشكل ثقافة تحترم الإنسان وتمنح العمل المشترك فرصة حقيقية للنجاح.

تتضح قيمة الإيثار بصورة أكبر في مواقع المسؤولية، حيث يمكن لقرار واحد أن يؤثر في مصالح أعداد كبيرة من الناس. فالمسؤول الذي يوزع الموارد وفق الحاجة والاستحقاق، ويحمي حقوق المواطنين، ويضع المصلحة العامة في مقدمة أولوياته، يحول القيمة الأخلاقية إلى ممارسة مؤسسية. أما استغلال المنصب لتعزيز النفوذ أو خدمة جماعة محددة، فيؤدي إلى إضعاف العدالة وتراجع الثقة بالمؤسسات، ويجعل السلطة وسيلة لتحقيق المنافع الخاصة بدلاً من أداء الواجب العام.

تتراجع قيمة الإيثار عندما تتقدم الرغبة في الاستحواذ على الموارد والفرص، ويصبح تحصيل المنفعة الشخصية هدفاً يتقدم على حقوق الآخرين. عندئذٍ تنتشر المحسوبية والرشوة، وتُمنح الفرص على أساس العلاقات، وتتراجع الكفاءة أمام النفوذ، ويُعامل المال العام وكأنه ملك متاح لمن يستطيع الوصول إليه. ولا تتوقف آثار هذه الممارسات عند الخسائر المالية والإدارية؛ فهي تضعف شعور المواطنين بالإنصاف، وتدفعهم إلى البحث عن وسائل فردية لحماية مصالحهم، حتى لو تعارضت مع القواعد العامة.

وفي بيئة كهذه، تتغير نظرة الناس إلى العمل والنجاح. فقد يشعر الموظف النزيه أن التزامه لا يضمن له فرصة عادلة، ويرى صاحب الكفاءة أن جهده أقل قيمة من علاقاته، بينما يتعلم الجيل الجديد أن التحايل قد يحقق مكاسب أسرع من الاجتهاد. ومع تكرار هذه الخبرات، يتراجع احترام القانون، ويُقدَّم الالتفاف على القواعد بوصفه نوعاً من الشطارة، ويصبح التمسك بالنزاهة مكلفاً في نظر من يشاهدون المتجاوزين وهم يحققون مصالحهم.

وتبرز هذه المشكلة في المجتمع العراقي عندما تتقدم المصالح الضيقة على حاجات الناس، وتُستخدم العلاقات الشخصية لتجاوز الاستحقاق، وتُهدر فرص التطور بسبب ضعف المساءلة. وتزداد خطورتها في المؤسسات العامة، لأن نتائجها تمس الخدمات وفرص العمل وتوزيع الموارد، وتؤثر في ثقة المواطن بالدولة. كما أن السخرية من التضحية والتعاون تسهم في إضعافهما، خصوصاً عندما يُنظر إلى الشخص الذي يقدم مصلحة الآخرين على أنه ساذج، وإلى من يستحوذ على المكاسب بوصفه أكثر قدرة على إدارة شؤونه.

ومع ذلك، فإن ترسيخ الإيثار لا يتحقق بالمواعظ وحدها، ولا يصح تحميل الأفراد مسؤولية الخلل كله. فالسلوك يتأثر بالأنظمة التي تحكم العمل، ودرجة تطبيق القانون، وشفافية القرارات، ومدى قدرة المؤسسات على محاسبة أصحاب النفوذ. لذلك يحتاج المجتمع إلى بيئة تحمي النزيه، وتكافئ التعاون، وتمنع استغلال أصحاب الضمير الحي.

يبدأ غرس الإيثار داخل الأسرة، عندما يتعلم الطفل المشاركة واحترام احتياجات الآخرين وتحمل المسؤولية. وتستكمل المدرسة هذا الدور عبر الأنشطة الجماعية والعمل التطوعي وتوزيع المهام بعدالة، فيما تستطيع الجامعة تعزيز القيمة من خلال المشروعات المشتركة وخدمة المجتمع واحترام جهود الزملاء. وفي بيئة العمل، يظهر الإيثار في تبادل الخبرات، ومساندة الفريق، والالتزام بالمعايير المهنية، وتقديم نجاح المؤسسة على الرغبة في احتكار الإنجاز.

أما المؤسسات العامة، فتحتاج إلى إجراءات واضحة تترجم هذه القيمة إلى واقع ملموس، من بينها اعتماد معايير معلنة للتعيين والترقية، وتعزيز الشفافية في توزيع الموارد، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ عن الفساد، وتطبيق المساءلة على الجميع. كما ينبغي تقدير المبادرات التي تخدم المجتمع، وربط التقييم المهني بجودة الأداء والنزاهة والتعاون، كي يدرك الأفراد أن السلوك المسؤول يحظى بالتقدير، وأن استغلال المنصب لا يوفر حصانة من المحاسبة.

وتتحمل النخب السياسية والثقافية والتربوية مسؤولية خاصة، لأن المجتمع يتأثر بما يشاهده من سلوكيات أكثر مما يتأثر بالخطب والشعارات. فعندما يرى المواطن مسؤولاً يرفض المحاباة، أو مؤسسة تمنح الفرص على أساس الكفاءة، أو شخصية عامة توظف مكانتها لمساعدة الآخرين، تزداد ثقته بإمكان التغيير. أما التناقض بين الخطاب والممارسة، فيضعف تأثير الدعوات الأخلاقية ويعمق الشك في جدواها.

إن تقدم المجتمع يرتبط بقدرته على تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الطموح الشخصي والمنفعة العامة. والإيثار، في هذا السياق، قيمة عملية تعزز الثقة والتعاون، وتحد من الاستحواذ، وتمنح التنمية أساساً اجتماعياً متيناً. وترسيخها يتطلب تربية مستمرة، وقوانين عادلة، ومؤسسات شفافة، وقدوات تترجم أقوالها إلى أفعال. وعندما تصبح مراعاة حقوق الآخرين جزءاً من السلوك اليومي، تتسع فرص التقدم، ويصبح النجاح مكسباً للمجتمع كله، لا امتيازاً تستأثر به فئة محدودة.

اضف تعليق