يذهب المريض إلى المؤسسات الصحية حاملاً جسداً أنهكه المرض وأرواحاً مثقلة بالخوف؛ ليبحث لا عن العلاج الدوائي فحسب، بل عن العنصر الأكثر حساسية في معادلة الاستشفاء: الدعم النفسي. إن الطب الذي يداوي الجسد ويغفل الروح يقدم نصف علاج، وقد يترك المريض أسيراً لدوامة القلق التي تعطل تعافيه وتجرده من قدرته على التكيف...

من يذهب الى المؤسسات الصحية بكافة أنواعها يحمل بين اضلاعه اجساداً أنهكها المرض، وارواحاً مثقلة بالارتقاب والخوف والارتباك، وسط صخب أجهزة الفحص والقلق الذي تصدره نظرات الكوادر الطبية، يبحث المريض عن العلاج لكن ليس العلاج الدوائي فقط، انما يحتاج الى العنصر الأكثر حساسية في معادلة الاستشفاء وهو العنصر النفسي الذي يثبط لدى الإنسان مشاعره السيئة ومخاوفه، ويدعم موقفه النفسي أمام المجهول.

تقديم الدعم النفسي للمريض داخل المؤسسات الصحية ليس نوعاً من الترف بل هو ضرورة طبية وإضافة تكميلية، وهو ركناً أصيلاً من أركان الرعاية الشاملة، فالطب الذي يداوي الجسد ويغفل الروح يقدم نصف علاج، وقد يترك المريض أسيراً لدوامة من القلق والاكتئاب التي تعطل تعافيه الجسدي وتجرده من قدرته على التكيف مما قد يوصله الى الانهيار النفسي وبعده الانهيار الجسماني.

من الواقع:

أخبرني زميل لي ان أحد اقاربه أصيب بمرض كورونا، وعند كل مرة يزورون الطبيب يحاولون الدخول قبله الى عيادة الطبيب طالبين عدم الاباحة له بكون مصاب بهذا المرض لئلا ينهار، وفي المرة الأخير لدى طبيب آخر وبسبب انشغالهم بالبحث عن مكان لإيقاف السيارة سبقهم المريض ليخبره الطبيب بكون مصاب بكورونا، وبعد بضع دقائق خرج المريض ومن معه ليخر ساقطاً على الأرض وبعد ساعات فقط فارق الحياة.

 ماهي صور تقديم الدعم النفسي للمريض في المؤسسات الصحية؟

إن تقديم الدعم النفسي داخل المستشفيات والمراكز الصحية ينبغي أن لا يترك للمصادفة أو للاجتهادات الفردية للكوادر الطبية، بل يجب أن يتأسس كمنظومة عملية متكاملة تغطي كافة مراحل رحلة العلاج، إذا يجب ان يقدم الدعم على الصور التالية: 

اول صور الدعم النفسي التي يجب ان تقدم للمريض فيما يخص إبلاغه عن تشخيص المرض او اعلامه بنتائج الفحوصات هي استخدام اللغة الإنسانية الصادقة التي تحمل في مضامينها الرحمة وتجنب الصدمات اللفظية المصوغة بلغة جافة أو مصطلحات معقدة تزيد من رعب المريض وترفع من مستويات التوجس مما قلل مناعته ويرهقه نفسياً مما يبطئ من عملية الاستشفاء.

ومن صور الدعم النفسي ايضاً وبعد اخباره عن علته بطريقة إنسانية يجب فسح المجال له لاستيعاب الامر والإنصات لردود أفعاله النفسية مثل البكاء، الذهول، الأسئلة المتكررة دون استعجال أو نهر او محاولة صده ومنعه من البكاء او الحديث، فالمريض له الحق في ان يمارس بعض السلوكيات اللا ارادية التي تصدر منه كبتها هو انتهاك لانسانيته.

ومن صور الدعم النفسي الذي يفترض ان يقدمه أبناء المؤسسات الصحية هي الحرص على زرع الأمل الواقعي، وهنا يجب التذكير بالفارق بين إعطاء وعود كاذبة بالشفاء، وبين إبراز خيارات العلاج المتاحة والتركيز على السيطرة على الأعراض وتحسين جودة الحياة، اذ ان الأمل الواعي هو الوقود الأساسي لدافعية المريض في مقاومة المرض نفسياً والشفاء منه.

كما يجب دعم المريض نفسياً قبل دخوله صالات العمليات عبر محاولة الشرح المبسط لوضعه وتبسيط الاجراء لإزالة الابهام عن الأمور التي يجهلها والتي تشكل له مخاوف وبالتالي قد يمتنع عن اجراء عملية جراحية مما يعرضه الى فقدان حياته فيما بعد.

وفي حالات إصابات المريض بالأمراض المتقدمة التي لا يرجى شفاؤها، يجب يتجسد الدعم النفسي عبر توفير أقصى درجات الراحة النفسية والكرامة الإنسانية بدلاً من محاولة السيطرة على المرض مما يساعد المريض على التعامل مع القلق من الفقدان، وتسهيل عملية التسامح وإنهاء الالتزامات العاطفية مع الأهل بهدوء.

 ومن صور الدعم النفسي للمريض في المؤسسات الصحية الاستجابة لنداءات المريض، حيث ان التأخر في تقديم المساعدة أو المسكنات يزرع لدى المريض شعوراً بالعجز والمهانة وانعدام القيمة مما يجعله يشعر بكون عبئ على الحياة، وبهذه الممارسات الرحيمة يتشفى الروح والجسد.

اضف تعليق