يوضح المقال كيف تؤدي اختيارات الأفراد وتفضيلاتهم للسكن قرب المتشابهين إلى نشوء تجمعات منفصلة تتجاوز درجة التجانس التي يطلبونها، مستندًا إلى نموذج شيلينغ كما يعرضه كتاب «نمذجة السلوك الاجتماعي». ويبين دور الانتقالات المتعاقبة والكثافة السكانية والقيود الاقتصادية والمؤسسية في تشكيل الخريطة الاجتماعية، مؤكدًا أهمية التمييز بين النوايا الفردية والنتائج...
تتكون ملامح المجتمع من اختيارات يومية تتعلق بالسكن والعمل والعلاقات، ثم تتداخل آثارها حتى تنتج أنماطًا أوسع من نوايا أصحابها. وقد يختار الإنسان محيطًا يشعر فيه بالألفة، بينما يؤدي تكرار اختيارات مشابهة إلى تجمعات منفصلة يتراجع فيها الاختلاط. وتكشف دراسة هذه العملية أهمية العلاقة بين القرار الفردي والبيئة الاجتماعية، وكيف تصبح نتيجة اختيار شخص جزءًا من الظروف التي توجه اختيارات الآخرين.
يقدم بول إي. سمالدينو في كتابه «نمذجة السلوك الاجتماعي»، الصادر عن مطبعة جامعة برينستون عام 2023، أدوات لفهم هذه العلاقة عبر النماذج الرياضية والمحاكاة الحاسوبية. وبعد القراءة العامة التي تناولت أفكار الكتاب، تركز هذه القراءة على فصله الثالث، المخصص لنموذج توماس شيلينغ للانفصال السكني، بوصفه مثالًا يوضح قدرة تفضيلات فردية محدودة على إنتاج نتائج جماعية واسعة.
من تنوع المدينة إلى تجانس الأحياء
يشير الانفصال السكني إلى تركز أفراد الجماعات المختلفة في مناطق متمايزة، بحيث يكون التنوع داخل الأحياء أقل من التنوع في المدينة مجتمعة. فقد تضم المدينة مجموعتين بأعداد متقاربة، بينما تتوزعان على أحياء يغلب على كل منها أفراد مجموعة واحدة. وتخفي النسب الإجمالية هذه الخريطة الداخلية؛ إذ يمكن لمدينة متنوعة في مجموعها أن تحتوي مساحات يومية محدودة الاختلاط بين سكانها.
ولهذا يميز تناول الظاهرة بين وجود جماعات متعددة في المساحة العامة وبين توزيعها الفعلي على الأحياء. فالمعلومة التي تصف تركيب المدينة لا تكشف وحدها طبيعة الجوار الذي يعيشه الفرد، ولا نسبة المتشابهين والمختلفين المحيطين به. ويحتاج فهم الانفصال إلى النظر في العلاقات المكانية القريبة، وإلى متابعة العمليات التي جعلت السكان يستقرون في أماكنهم، بدل الاكتفاء بإحصاء الجماعات على مستوى المدينة.
ويستعرض سمالدينو تفسيرات ناقشها شيلينغ لهذه الظاهرة، تشمل إجراءات منظمة تمنع جماعات من الإقامة في مناطق معينة، وقيودًا اجتماعية واقتصادية تجعل فرص الانتقال والسكن متفاوتة، وتفضيلات فردية تدفع الأشخاص إلى العيش قرب المتشابهين. ويشير إلى أن شيلينغ أعطى العاملين الأولين أهمية أكبر، ثم اختار دراسة التفضيلات لفهم مساهمتها الممكنة في تشكيل التوزيع السكاني.
هذا التحديد ضروري لاستيعاب غرض النموذج؛ فهو يعزل عاملًا لفحص أثره، مع الإقرار بوجود عوامل أخرى قد تكون أشد تأثيرًا في الواقع. وتتيح هذه الخطوة دراسة العلاقة بين مقدار التشابه الذي يقبله الفرد ومقدار الانفصال الذي يظهر على مستوى الجماعة، عندما تتحول تفضيلات أشخاص كثيرين إلى قرارات متعاقبة داخل مساحة مشتركة.
مدينة مبسطة وقواعد واضحة
لبناء النموذج، تُختزل المدينة إلى شبكة من المواقع السكنية، يشغل كل موقع منها فرد افتراضي، وتبقى مواقع أخرى شاغرة تسمح بالحركة. وينتمي السكان إلى مجموعتين تمثلهما ألوان مختلفة، من دون تحميل الألوان خصائص نفسية أو ثقافية. فالغاية هي تمثيل تمييز يستطيع الأفراد ملاحظته، ثم استخدامه عند تقييم تركيب جوارهم واتخاذ قرار البقاء أو الانتقال.
ويمثل الجوار، في الصيغة الأساسية المعروضة، المواقع الثمانية المحيطة بموقع الفرد. ينظر كل شخص إلى السكان الموجودين فيها ويحسب نسبة المنتمين إلى مجموعته، ثم يقارنها بالحد الأدنى الذي يقبله. فإذا تحققت النسبة بقي في مكانه، وإذا انخفضت عنها انتقل وفق قاعدة الحركة المحددة في النموذج. وبعد تغير المواقع يُعاد تقييم الجوار، فتبدأ جولة جديدة من الاستجابات.
تستبعد هذه المدينة المبسطة فروق الأسعار والخدمات والمساحات، كما تستبعد تفاوت القدرات المالية وتكاليف الانتقال. وهي تفترض أن الانتماء الذي يهم النموذج واضح، وأن تقييم الفرد يعتمد على تركيب المحيط القريب. ويساعد هذا الاختزال على تتبع أثر قاعدة بعينها، لأن إدخال عدد كبير من العوامل منذ البداية يجعل تمييز مساهمة كل عامل أكثر صعوبة.
ويؤكد الكتاب أن هذه القواعد اختيارات بحثية يمكن تعديلها. فتعريف الجوار، وطريقة الانتقال، وكيفية قياس الرضا، كلها تؤثر في العملية التي تجري محاكاتها. وتنبع فائدة النموذج من وضوح هذه الاختيارات وإمكان فحص نتائجها، إذ يستطيع الباحث تغيير أحد الشروط ومراقبة ما يحدث، ثم مقارنة المسارات لفهم العلاقة بين الافتراض والنتيجة.
ويحسب المؤلف درجة الانفصال من خلال متوسط نسبة الجيران المتشابهين لدى الأفراد. فإذا كان السكان موزعين عشوائيًا بين مجموعتين متساويتين تقريبًا، يكون المتوسط المتوقع قريبًا من النصف، ثم تسمح متابعة ارتفاعه بملاحظة زيادة التجانس المحلي. ويختلف هذا القياس عن نسبة المجموعة داخل المدينة، لأنه يبدأ من تجربة الجوار لكل شخص ثم يجمعها في مؤشر عام. ومن خلاله يستطيع الباحث مقارنة البداية بالنهاية، أو مقارنة نتائج شروط مختلفة، مع الانتباه إلى أن المؤشر يظل وصفًا محددًا للتشابه المكاني داخل العالم الذي بُني للدراسة.
الألفة الفردية والنتيجة الجماعية
تقوم الفكرة الأساسية على التمييز بين الحد الأدنى الذي يرضي الفرد وبين التركيب الذي ينتهي إليه جواره. فقد يقبل شخص أن يكون أغلب جيرانه من مجموعة أخرى، ما دام حوله عدد محدود من أفراد مجموعته. ويعني ذلك أن تفضيله يسمح بالاختلاط، وأن بقاءه لا يتطلب حيًا متجانسًا أو أغلبية من المتشابهين.
ولتوضيح طريقة الحساب، يمكن تصور فرد لديه ثمانية جيران ويقبل نسبة تشابه تبلغ 30%. إذا كان ثلاثة منهم من مجموعته فقد تحقق شرط الرضا، لأن نسبتهم تتجاوز الحد المطلوب، بينما تكون النسبة أقل من ذلك إذا بقي اثنان فقط. ويوضح هذا المثال الحسابي أن قرار الانتقال يعتمد على تركيب جوار محدد، وأن تغير عدد قليل من السكان قد يبدل القرار.
وعندما تعمل القاعدة نفسها لدى أعداد كبيرة، يكشف الكتاب نتيجة لافتة: ففي المحاكاة التي يعرضها، يؤدي اشتراط وجود 30% على الأقل من الجيران المتشابهين إلى متوسط تشابه يتجاوز 70%. وهنا تظهر الفجوة بين مقدار التشابه الذي طلبه الأفراد وبين المقدار الذي أنتجته تفاعلاتهم، إذ يستقرون في محيط أكثر تجانسًا من الحد الذي كانوا مستعدين لقبوله.
وهذه النسب نتائج داخل النموذج، وليست قياسًا لسكان مدينة فعلية أو قاعدة ثابتة لكل مجتمع. لكنها توضح إمكان نشوء انفصال قوي من تفضيلات تسمح للأفراد بالبقاء أقلية في جوارهم. وتكتسب الفكرة أهميتها لأنها تجعل النتيجة الجماعية موضوعًا مستقلًا للفحص، بدل افتراض أنها نسخة مكبرة من رغبة الفرد أو انعكاس مباشر لشدة تفضيله.
وتعني نسبة التشابه المطلوبة حدًا للاكتفاء في الصيغة المعروضة، فالفرد الذي تحقق شرطه يبقى حيث هو، حتى إذا وُجد مكان آخر أكثر تجانسًا. ويكتسب هذا التفصيل أهمية لأنه يوضح أن العملية لا تفترض سعي الجميع إلى أعلى تشابه ممكن. ومع ذلك قد يتجاوز التجانس النهائي حدود الاكتفاء بفعل الحركة المتبادلة. وتصبح النتيجة أكثر وضوحًا عندما نفرق بين رغبة الشخص في تحسين محيطه باستمرار وبين استجابته عند انخفاض الجوار عن المستوى المقبول لديه، فلكل قاعدة أثر يمكن دراسته ومقارنته بقواعد أخرى.
انتقال واحد وسلسلة من الاستجابات
يمكن فهم العملية عبر تتبع أثر انتقال شخص واحد. فمغادرته تغير تركيب الجوار في المكان الذي تركه، ووصوله يغيره في المكان الجديد. وقد يرتفع رضا بعض السكان وينخفض رضا آخرين، فتدخل هذه التغيرات في قراراتهم اللاحقة. ويتحول الانتقال بذلك إلى حدث يعيد تشكيل الظروف المحيطة بأشخاص لم يشاركوا في اتخاذ القرار الأول.
وتتتابع الاستجابات لأن كل فرد يقيم محيطًا يتغير بأفعال الآخرين. فقد يبقى الشخص في الجولة الأولى ثم ينتقل في جولة لاحقة، مع أن تفضيله لم يتغير؛ الذي تغير هو عدد الجيران وتركيبهم. وتساعد هذه الملاحظة على فهم أن ثبات المواقف الفردية لا يضمن ثبات الخريطة الاجتماعية، ما دامت البيئة التي تُطبق فيها تلك المواقف قابلة للتحول.
وفي هذا السياق تتشكل دوائر من التأثير المتبادل: يؤدي انتقال بعض السكان إلى زيادة تجانس منطقة، بينما يضعف وجود مجموعتهم في منطقة أخرى، فيؤثر ذلك في فرص بقاء الآخرين. ومع تكرار الحركة تظهر تجمعات أوضح، وقد يصل النموذج إلى حالة يتوقف فيها الانتقال لأن شروط الرضا تحققت لدى السكان، حتى إذا كانت الحصيلة أكثر انفصالًا من البداية.
ويعني الاستقرار هنا توقف الحركة وفق القواعد المستخدمة، ولا يحمل بمفرده حكمًا على جودة الترتيب أو عدالته. فالمحاكاة تدرس ما يرضي الوحدات الافتراضية بحسب شرط محدد، بينما يحتاج تقييم الحياة الاجتماعية إلى معايير إضافية تتصل بالفرص والحقوق والخدمات. ويمنح هذا الفصل بين الوصف والتقييم قراءة دقيقة لما ينجزه النموذج، ولما يبقى خارج مهمته.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما نبحث عن أسباب استمرار النمط، إذ قد يصبح استقرار السكان نتيجة تحقق شروطهم المحلية، بينما تبقى المدينة موزعة على مساحات منفصلة. وفهم هذه الحالة يتطلب متابعة العلاقة بين رضا كل فرد والصورة الأوسع للمجتمع كله.
الكثافة السكانية وحدود الاختلاف
تؤثر درجة التشابه المطلوبة في النتيجة، إذ يظهر في التحليل الذي يقدمه الكتاب أن ارتفاع الحد الأدنى المقبول يرتبط عمومًا بارتفاع الانفصال. لكن الكثافة السكانية تؤثر أيضًا، لأن عدد الجيران يغير دلالة النسبة نفسها. ففي بيئة قليلة السكان قد يؤدي انتقال فرد واحد إلى تحول كبير في تركيب الجوار، مقارنة ببيئة يحيط فيها بالفرد عدد أكبر.
ويشرح المؤلف ذلك بمثال تجمع صغير يضم ثلاثة أفراد. عندما يكون لدى الشخص جاران فقط، فإن وجود جار متشابه واحد يمنحه نسبة تشابه تبلغ النصف، بينما تنخفض إلى الصفر إذا كان الجاران مختلفين. وتصبح خطوات التغير كبيرة، فتؤثر حركة محدودة في إمكان تحقق شرط الرضا لدى أطراف التجمع، وتنتج استجابات قد تزيد التجانس.
وفي إحدى الحالات التي يعرضها الكتاب، عندما تكون الكثافة 20% ويكتفي الأفراد بنسبة تشابه تبلغ 20%، يتجاوز متوسط التشابه النهائي 80%. ويكشف المثال أثر اجتماع قواعد التفضيل مع بنية المكان وعدد السكان، لكنه يظل مرتبطًا بتعريف الكثافة والجوار والحركة داخل هذه المحاكاة. ولذلك يحتاج نقله إلى تفسير مدينة فعلية إلى دراسة ظروفها المختلفة.
وتبرز أهمية المواقع الشاغرة لأنها تتيح الحركة وتدخل في تشكيل عدد الجيران المحيطين بكل فرد. كما تؤثر الحالة الابتدائية وتسلسل الانتقالات في التفاصيل التي تظهر خلال التجربة. ولهذا يعيد المؤلف تشغيل النموذج مرات متعددة تحت الشروط نفسها، ثم ينظر إلى متوسط النتائج وتفاوتها، حتى يميز الاتجاه المتكرر من النتيجة المرتبطة بتشغيل واحد.
التفاصيل الصغيرة التي تغير الصورة
يتوقف سمالدينو عند افتراض يبدو بسيطًا: طريقة التعامل مع الفرد الذي لا يملك أي جار. ففي صيغة من النموذج يُعد هذا الفرد راضيًا عن مكانه، وتُسند إليه قيمة تشابه كاملة لأغراض الحساب. وفي صيغة أخرى يُعد غير راضٍ ويستمر في الحركة بحثًا عن جوار، فتختلف بعض النتائج والأشكال المكانية التي تنشأ.
يكشف هذا التعديل أن تعريف الرضا يحمل أثرًا يتجاوز الصياغة الحسابية. فالفرد الذي يقبل الوحدة يبقى في مواقع قد يغادرها من يحتاج إلى وجود جيران، ثم يؤثر بقاؤه أو انتقاله في التوزيع العام. وتظل بعض الاتجاهات الأساسية متشابهة بين الصيغتين، بينما تتغير درجة الانفصال وزمن الاستقرار وتفاصيل التجمعات، خصوصًا عند انخفاض الكثافة.
ويلفت الكتاب كذلك إلى حدود المؤشر الإجمالي. فقد تسجل حالتان متوسط تشابه متساويًا، بينما تختلفان في حجم التجمعات وطريقة توزيعها. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين القياس العددي ومشاهدة الخريطة، لأن العدد يلخص جانبًا من الظاهرة، وقد يغفل شكل العلاقات المكانية التي أنتجته. وتزداد الدقة عندما يعرف القارئ ما يقيسه المؤشر وكيف يعالج الحالات الخاصة.
ويمتد هذا الدرس إلى اختيار مدة المحاكاة، إذ قد تحتاج بعض الحالات إلى وقت أطول للوصول إلى الاستقرار. فإذا توقف التشغيل مبكرًا، فقد يصف الباحث حالة انتقالية باعتبارها نتيجة نهائية. ولذلك يشدد المؤلف على التجريب والمقارنة وفحص الافتراضات، بما يجعل النمذجة عملية بحث متدرجة، تتطور فيها طريقة الفهم مع اكتشاف أثر التفاصيل.
الاختيار داخل القيود الاجتماعية
تتحقق قوة نموذج شيلينغ في إظهار أن التفضيلات المتسامحة نسبيًا مع الاختلاف قد تسهم في انفصال واسع، لكنه يستبعد عمدًا عوامل مركزية في السكن الفعلي. فالإقامة ترتبط بالموارد وفرص العمل والأسرة والقدرة على الحركة، وتختلف جاذبية المناطق وإمكان الوصول إليها. وقد تكون خيارات الفرد محدودة قبل أن يعبر عن تفضيله للمحيط الذي يرغب فيه.
ويؤكد سمالدينو أن الانفصال يتأثر بالقيود المؤسسية والاقتصادية وبالإمكانات التي توفرها الشبكات الاجتماعية، وأن هذه الجوانب غائبة عن الصيغة المبسطة. لذلك فإن نجاح المحاكاة في إنتاج تجمعات منفصلة يكشف إمكان عمل آلية معينة، بينما يتطلب إثبات دورها في مجتمع محدد معلومات عن الواقع وعن وزن العوامل المتداخلة فيه.
ومن المهم هنا الحفاظ على الفرق بين التفضيل والقدرة. فقد يرغب شخص في حي متنوع ثم تمنعه كلفته من الإقامة فيه، وقد يختار شخص محيطًا مألوفًا لأن البدائل المتاحة محدودة. وهذه الأمثلة التوضيحية تستكمل معنى القيود التي يذكرها الكتاب، وتبين ضرورة دراسة المجال الذي تقع داخله الاختيارات قبل نسبة الخريطة النهائية إلى رغبات السكان.
كما أن الانتماءات الإنسانية متعددة، بينما يستخدم النموذج سمة واحدة لتمييز مجموعتين. وقد يتشابه شخصان مهنيًا ويختلفان ثقافيًا، أو يجمعهما محيط اجتماعي رغم اختلاف أصل كل منهما. ويقر المؤلف بإمكان تطوير النموذج لإدخال مجموعات أكثر وتفضيلات متنوعة وخصائص مختلفة للأماكن، بما يوسع قدرته على معالجة أسئلة تتطلب تفاصيل إضافية.
دلالات لفهم المجتمع
يساعد هذا الفصل على إعادة ترتيب العلاقة بين النية والنتيجة. فالملاحظة التي تصف حيًا متجانسًا لا تكشف وحدها مقدار التشابه الذي كان سكانه يطلبونه، لأن التوزيع النهائي نتاج تفاعل متراكم. ويحتاج التفسير إلى تتبع كيف تغيرت البيئة بعد كل انتقال، وكيف استجاب السكان لهذه التغيرات، ثم كيف استقرت الاختيارات داخل ترتيب جديد.
كما يبين النموذج أن الانفصال المكاني والعداء الاجتماعي مفهومان مختلفان. فالقواعد المعروضة تكفي لإنتاج تركز جماعات في مواقع متمايزة من دون تمثيل الكراهية أو الصراع. ولذلك فإن استخدام الخريطة السكنية للحكم على مشاعر السكان يتطلب أدلة تتجاوز النموذج. وتساعد هذه الدقة على وصف الظاهرة بمفرداتها، وتجنب إضافة معانٍ لم تُدرس داخلها.
وتظهر دلالة أخرى في أن فهم النمط يتطلب دراسة مستوى الجماعة إلى جانب الفرد. فمعرفة الحد الذي يقبله الشخص لا تكفي لاستنتاج ما يحدث عندما يطبق آلاف الأشخاص حدودًا مماثلة. وتكشف المحاكاة هذه المسافة عبر جعل التفاعلات مرئية، وإتاحة المقارنة بين البدايات والنهايات، وبين النتائج التي تظهر عند تغيير الشروط المحيطة بالفعل.
ويظل الانتقال من الفهم إلى المعالجة مرتبطًا بتحديد الأسباب الفعلية. فإذا أظهرت دراسة ميدانية أثر كلفة السكن أو القيود المؤسسية، وجب التعامل مع هذه العوامل في تفسير الانفصال. وإذا ثبت أثر التفضيلات وتتابع الانتقالات، أصبحت ديناميات التفاعل جزءًا من الفهم أيضًا. ويقدم الكتاب أساسًا لتنظيم البحث في هذه المسارات، مع إبقاء تقدير وزنها مرتبطًا بالأدلة.
وتساعد هذه القراءة كذلك على فهم معنى التأثير غير المقصود، فالشخص يختار مكانه بحسب معلوماته ومصالحه القريبة، بينما تتحرك الجماعة عبر حصيلة خيارات مترابطة. وقد يخفى على الفرد ما يتركه انتقاله من تغير في خيارات غيره، كما يخفى عليه ما ستفعله سلسلة الانتقالات اللاحقة بمحيطه الجديد. ويجعل النموذج هذا الترابط قابلًا للملاحظة، فيمنح التفسير الاجتماعي قدرة أكبر على متابعة العملية كاملة، بدل ربط النتيجة النهائية بقرار أول أو بشخص بعينه.
وبذلك يصبح الانفصال ظاهرة لها مسار، يبدأ بتوزيع معين للسكان ويمر بتحولات متعاقبة ثم يصل إلى درجة من الاستقرار. وتختلف معرفة هذا المسار عن تصوير الخريطة في لحظة واحدة؛ إذ تكشف الحركة كيف نشأت الحدود بين التجمعات، وتوضح الظروف التي جعلت الاختلاط يتراجع أو يستمر. وهذه هي الإضافة الأساسية التي يقدمها نموذج شيلينغ كما يعرضه سمالدينو: نقل الاهتمام من وصف أماكن الجماعات إلى تفسير العملية التي رتبتها مكانيًا.
ويمنح الفصل القارئ أيضًا طريقة لقراءة الخرائط الاجتماعية دون استعجال في نسبتها إلى سبب واحد. فظهور التجمع يوجه البحث نحو تاريخ الانتقال، وتوزيع الموارد، والفرص المتاحة، وتفضيلات السكان، ثم نحو كيفية تفاعل هذه الجوانب. وتصبح الملاحظة نقطة بداية لبناء تفسير يمكن اختباره، وتساعد مقارنة التفسيرات على تحديد المعلومات الناقصة. وبهذا يتجاوز الدرس نطاق السكن إلى عادة معرفية عامة، تقوم على تتبع الروابط بين الفعل والبيئة والنتيجة، مع الحفاظ على خصوصية كل ظاهرة وعدم افتراض تطابق آلياتها مع الظواهر الأخرى.
استنتاجات
تقود قراءة الفصل إلى فهم الانفصال الاجتماعي باعتباره حصيلة تتشكل عبر الزمن، وتدخل فيها التفضيلات والحركة والبيئة والقيود. ويمنح نموذج شيلينغ مثالًا واضحًا على أثر التفاعل، بينما يربط سمالدينو فائدته بوعي الافتراضات وحدود التطبيق. ويمكن جمع أبرز النتائج في الاستنتاجات الآتية:
1. تتجاوز الحصيلة الجماعية الحد الأدنى الذي يطلبه الأفراد. فقد تنتج التفضيلات التي تسمح بالاختلاط تجمعات أشد تجانسًا، لأن قرارات البقاء والانتقال تغير ظروف الآخرين وتطلق استجابات متعاقبة.
2. يدخل عدد الجيران وبنية المكان في تشكيل النتيجة. فالنسبة المقبولة لا تعمل بمعزل عن الكثافة والمواقع الشاغرة، وقد يغير انتقال شخص واحد تركيب الجوار بصورة كبيرة في التجمعات الصغيرة.
3. يحتاج القياس إلى تعريف واضح ومتابعة للمسار. فمتوسط التشابه لا يصف جميع خصائص الخريطة، كما تؤثر معالجة الحالات الخاصة ومدة المحاكاة وتكرار التشغيل في فهم النتائج.
4. تعمل الاختيارات الفعلية داخل قيود اقتصادية ومؤسسية. ويكتمل تفسير المجتمع بدراسة التفضيلات مع فرص السكن والحركة، وبالتمييز بين ما يرغب فيه الفرد وما يستطيع تحقيقه.
5. تمنح النمذجة أداة لفحص الآليات المحتملة. وتتحقق فائدتها عندما تقترن ببيانات ومعرفة بالسياق، فتساعد على تفسير نشوء الانفصال وتقدير مساهمة كل عامل فيه دون تجاوز الأدلة.



اضف تعليق