يناقش المقال كتاب «الشعراء في دائرة الاتهام» للدكتور نضير الخزرجي، ويبحث العلاقة بين الشعر والأخلاق والدين والفن، منتقدًا اختزال القيمة الشعرية في المضمون الرسالي وحده. ويؤكد أهمية الجمع بين تحليل الشكل والمضمون، وفهم السياق التاريخي والثقافي، مع التمييز بين الحكم على الشاعر والحكم على النص، والدعوة إلى قراءة الشعر...
بقلم: حمدي العطار-بغداد

ليس الشعر مجرد كلمات موزونة أو قوافٍ متناسقة، بل هو أحد أعمق أشكال التعبير عن التجربة الإنسانية، بما تنطوي عليه من أحلام ومخاوف وتناقضات وأسئلة وجودية. ومن هنا، فإن الحكم على الشعراء لا يتوقف عند مضمون قصائدهم أو مدى توافقها مع منظومة أخلاقية أو دينية محددة، بل يتطلب النظر في طبيعة التجربة الشعرية وخصائصها الفنية وقدرتها على اكتشاف الإنسان والعالم وإعادة تشكيلهما باللغة والصورة والإيقاع.

من هذا المنطلق، تأتي قراءتنا لكتاب الدكتور نضير الخزرجي «الشعراء في دائرة الاتهام.. نظم القصيد في مرآة السُّنَّة»، الصادر عن دار سطور للنشر والتوزيع في بغداد عام 2026م، في 188 صفحة من القطع الكبير (الوزيري)، ويضم 34 عنوانًا، وهو كتاب يفتح بابًا للنقاش حول علاقة الشعر بالدين، وموقف الخطاب الديني من الشعراء، والمعايير التي يُحاكم الشعر على أساسها: أهي معايير أخلاقية وعقائدية، أم معايير فنية وجمالية، أم أن العلاقة بين هذه المستويات أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه؟

الشعر بين الأسبقية التاريخية والتأويل الديني

يذهب الباحث في تمهيده إلى أن الشعر رافق الإنسان منذ بدايات وجوده، بل يرى أن موهبة نظم الشعر سبقت الكتابة والقراءة، ويقول: «نشأ الإنسان على هذه الأرض، ونشأت معه المواهب والإبداعات الخلاقة في مجالات الأدب، ولعلَّ موهبة نظم الشعر كانت السباقة في عالم الأدب والعلوم الإنسانية قبل أن يتعلم الإنسان الكتابة والقراءة».

ويستند المؤلف إلى هذا التصور ليمنح الشعر مكانة مبكرة في تاريخ الإبداع الإنساني، مستحضرًا ما يُنسب إلى الإمام علي (ع) بشأن صلة الشعر بالبدايات الأولى للوجود البشري.

لكن هذه الأطروحة، على أهميتها في إبراز قدم التعبير الشعري، تثير سؤالًا تاريخيًا ومعرفيًا: كيف يمكن الجزم بأن الشعر سبق سائر أشكال التعبير الفني؟ فالموسيقى، والإيقاع، والغناء، والرسوم الأولى، كلها أشكال تعبير قديمة، ولا تتوافر أدلة تاريخية حاسمة تسمح بترتيب ظهورها على نحو نهائي، كما أن الشعر الشفاهي لا يترك بالضرورة آثارًا مادية تمكننا من تحديد بدايته بدقة.

إن قيمة الشعر لا تحتاج إلى إثبات أنه أقدم الفنون حتى نعترف بمكانته؛ فالأهم أنه استطاع عبر العصور أن يحفظ الذاكرة الجماعية ويعبر عن التحولات الاجتماعية، ويمنح الإنسان وسيلة لتجاوز حدود اللغة اليومية نحو التعبير المكثف والمجازي.

من منظار الوحي إلى منظار النقد

يتضح الاتجاه الفكري للكتاب بصورة أكبر في عنوان «الشعر من منظار الوحي»، حيث يناقش المؤلف ما ورد في النصوص الدينية من ذم للشعر في بعض المواضع ومدح له في مواضع أخرى، محاولًا التوفيق بين الموقفين.

ويقول الخزرجي: «فإذا جاء في السنة النبوية ذم فهو الشعر غير الملتزم الموغل في قضايا بعيدة عن هموم الفرد ومشاكل المجتمع ومعاناتهم، وإذا جاء مدح فهو في مقام الشعر الملتزم الرسالي يتحرى شأن الناس ويتشوف مكامن نفوسهم وما تنطوي عليه أمانيهم في هذه الحياة من أفراح وأتراح، فيرتفع الشعر الرسالي وترتفع وتسمو الأمة معه».

يمثل هذا القول مفتاحًا لفهم المنظور الذي ينطلق منه الباحث؛ فهو يمنح الشعر الملتزم بقضايا الإنسان والمجتمع قيمة إيجابية في مقابل الشعر الذي يراه بعيدًا عن هذه القضايا، غير أن هذا التصور، على وجاهة اهتمامه بالمسؤولية الاجتماعية للشاعر، يفتح بابًا للنقاش بشأن حدود الالتزام ومعايير تحديد الشعر الذي يخدم الإنسان أو يبتعد عن همومه.

فهل تكون قيمة القصيدة في رسالتها الأخلاقية والاجتماعية وحدها؟ وماذا عن قصيدة تتناول الحب أو الجسد أو الخمرة، لكنها تمتلك لغة مبتكرة وصورًا عميقة وقدرة على كشف تناقضات النفس البشرية؟ وهل يصبح الشعر أقل قيمة حين ينشغل بالذات أو القلق الوجودي أو التجربة الفردية بدلًا من القضايا العامة؟

أعتقد أن المشكلة تبدأ عندما يتحول المضمون إلى معيار وحيد للحكم على الشعر؛ لأن القصيدة ليست خطابًا وعظيًّا بالضرورة، ولا ينبغي أن تكون مطالبة في كل مرة بتقديم درس أخلاقي أو رسالة مباشرة. فالشعر قد يكشف الحقيقة من خلال المفارقة، وقد يثير الأسئلة بدلًا من تقديم الإجابات، وقد يصور ضعف الإنسان وتناقضاته دون أن يعني ذلك تبني الشاعر لكل ما تقوله شخصياته أو تصوره قصيدته.

ومن هنا، فإن الالتزام لا ينبغي أن يُفهم بوصفه قالبًا جاهزًا يسبق الكتابة، بل يمكن أن يتجلى في صدق التجربة، وعمق الرؤية، وحرية التعبير، واحترام كرامة الإنسان. كما أن الجمال الفني ليس نقيضًا للمسؤولية الأخلاقية؛ فقد تتكامل القيمتان في نص واحد، وقد تتوتر العلاقة بينهما في نص آخر، وهذا ما يجعل الحكم النقدي عملية تحتاج إلى قراءة متأنية، لا إلى تصنيف مسبق.

الشعر في القرآن: بين سياق الاتهام وتعدد الدلالات

يرتبط النقاش حول الشعر في الثقافة العربية الإسلامية بما ورد في القرآن الكريم من حديث عن الشعراء، ولا سيما قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، وهذا الاستثناء يؤكد أن المسألة ليست إدانة الشعر من حيث هو شعر، بل تتصل بصفات الشعراء وأفعالهم وما يصدر عنهم من قول وموقف.

وقد اتهمت قريش النبي محمدًا (ص) بأنه شاعر، في سياق محاولاتها تفسير الوحي القرآني والطعن فيه، وهو ما يكشف عن حضور الشعر ومكانته في الثقافة العربية آنذاك، وعن حساسية العلاقة بين الشعر والقول الديني. لكن من الضروري التمييز بين اتهام المشركين للنبي بالشعر وبين اتخاذ هذا الاتهام دليلًا على موقف النبي نفسه من الشعر. فلا يصح الاستنتاج أن الرسول لم يكن يحب الشعر لمجرد أن خصومه وصفوه بالشاعر.

لقد عرف المجتمع العربي الشعر قبل الإسلام وبعده، واستمر الشعر في أداء أدوار متعددة، منها المدح والهجاء والرثاء والحماسة والحكمة والغزل. ولذلك، فإن فهم الموقف الديني منه يحتاج إلى مراعاة السياق التاريخي، وطبيعة القول الشعري والغاية التي يؤديها، بدلًا من تحويل النصوص إلى حكم شامل يلغي تنوع التجربة الشعرية.

ومن وجهة نظري، فإن حصر الشعر في علاقته بالدين الإسلامي، مهما كانت أهمية هذه العلاقة في تاريخ الثقافة العربية، لا يكفي لفهم الشعر بوصفه ظاهرة إنسانية واسعة. فالشعر أقدم من الحدود الثقافية التي رسمتها الأديان والمجتمعات اللاحقة، وقد ارتبط بالأساطير والطقوس والترانيم والذاكرة الشفاهية في حضارات متعددة، كما كان له حضور في المعابد والكنائس، وفي الثقافات التي تختلف في معتقداتها وتصوراتها للعالم.

إن هذه المساحات الواسعة من التجربة الشعرية تستحق أن تكون جزءًا من أي بحث يريد الاقتراب من تاريخ الشعر ومكانته في الوعي الإنساني.

من الشعر العمودي إلى قصيدة النثر

لا يمكن تقييم الشعر في مرحلة تاريخية محددة، مهما كانت أهميتها، وإهمال التحولات التي عرفها عبر العصور. فقد احتل الشعر مكانة بارزة في العصرين الأموي والعباسي، ثم واصل تطوره في مراحل لاحقة، وصولًا إلى التجارب الحديثة التي أعادت النظر في الوزن والقافية وبناء القصيدة وعلاقة اللغة بالتجربة الذاتية.

لقد انتقل الشعر العربي من الأشكال العمودية التقليدية إلى شعر التفعيلة، ثم ظهرت قصيدة النثر بوصفها تجربة تسعى إلى بناء إيقاعها الخاص خارج نظام الوزن الخليلي، مع اختلاف النقاد والشعراء في تحديد خصائصها ومعايير نجاحها.

وهذا التحول لا يعني أنَّ الشعر الحديث أفضل بالضرورة من الشعر القديم، أو أن التخلي عن الوزن يكفي لإنتاج قصيدة ناجحة، بل يعني أنَّ الشعر جنس أدبي حي تتغير أدواته وأساليبه بتغير التجربة الإنسانية وحاجات التعبير.

كما أنَّ القصيدة الحديثة منحت الذات الفردية مساحة أوسع، فصارت تعبر عن العزلة والقلق والذاكرة والجسد والمدينة والحلم، ولم تعد مطالبة دائمًا بالتعبير عن الجماعة أو تقديم موقف مباشر من قضية عامة. والذات هنا ليست نقيضًا للمجتمع؛ إذ يمكن لتجربة فردية صادقة أن تكشف أزمة اجتماعية أو تحولًا تاريخيًا بطريقة لا يحققها الخطاب المباشر.

لذلك، فإن إخضاع الشعر المعاصر لمعيار الالتزام وحده قد يؤدي إلى إغفال إنجازاته الفنية، مثل ابتكار الصورة، وتعدد الأصوات، وتفكيك اللغة المألوفة، وبناء العلاقات الجديدة بين الكلمات والدلالات.

رجال الدين والشعر: مفارقة تستحق التأمل

ومن المفارقات اللافتة أن عددًا من رجال الدين والعلماء نظموا الشعر، ولم تكن علاقتهم به دائمًا علاقة رفض أو إدانة. فالإمام علي (ع) تُنسب إليه أبيات شعرية، والإمام الشافعي معروف بأشعاره وحكمه، كما أن للشاعر والعالم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وللشيخ محسن أبو الحب الكبير، ولغيرهما من الشخصيات الدينية حضورًا في التراث الأدبي بدرجات متفاوتة، وهو ما يؤكد أنَّ الاشتغال بالشعر لم يكن بالضرورة متعارضًا مع المكانة الدينية أو الفكرية.

وتكشف هذه النماذج عن اتساع العلاقة بين التدين والتعبير الشعري، وعن صعوبة وضع الشعراء في دائرة واحدة من الاتهام أو التبرئة. فالشاعر قد يكون رجل دين أو مفكرًا أو سياسيًا، أو إنسانًا يعبر عن تجربة خاصة، ولا يمكن استنتاج القيمة الفنية لشعره من صفته الاجتماعية أو الدينية وحدها.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين الحكم على صاحب النص والحكم على النص نفسه. فالشعر يُقرأ من خلال لغته وصوره وإيقاعه وبنائه ودلالاته، أما الحكم على مضمونه فيحتاج إلى فهم سياقه ومقاصده، من دون أن يحل أحد هذين المستويين محل الآخر.

جهد الباحث وحدود المنهج

لا يقلل هذا النقاش من الجهد الذي بذله الدكتور نضير الخزرجي في تأليف كتابه وجمع موضوعاته، بل إن أهمية الكتاب تكمن أيضًا في أنه يتيح للقارئ إعادة التفكير في علاقة الشعر بالدين، وفي المسؤولية التي يتحملها الشاعر تجاه مجتمعه.

لكنني أعتقد أن الكتاب كان يمكن أن يكتسب أفقًا أوسع لو تجاوز الإطار الديني المباشر إلى دراسة الشعر في علاقته بتاريخ الحضارات، وبالطقوس والأساطير والترانيم، وبالتحولات الاجتماعية والفكرية التي أسهمت في تشكيل التجربة الشعرية. وكان من الممكن كذلك أن يمنح الجانب الفني مساحة أكبر، فيناقش الفرق بين قيمة الفكرة وقيمة الصياغة، وبين الرسالة التي تحملها القصيدة والطريقة التي تحول بها اللغة تلك الرسالة إلى تجربة جمالية.

فقد تكون الفكرة نبيلة، لكن القصيدة تفتقر إلى التشكيل الفني، وقد تكون التجربة مثيرة للجدل أخلاقيًا، لكنها تمتلك قوة تعبيرية تستحق الدراسة النقدية، وفي الحالتين لا يستطيع النقد أن يكتفي بالحكم على المضمون، بل ينبغي أن يفسر كيف اشتغل النص، وما الذي حققه فنيًا، وما حدود نجاحه أو إخفاقه.

إن النقد الأدبي لا يهدف إلى تبرئة الشعراء جميعًا، كما لا يهدف إلى إدانتهم، بل إلى فهم أعمالهم والكشف عن قيمتها وحدودها وإثراء تجربة القراءة. ومن هنا، فإن الاختلاف مع منهج المؤلف لا يلغي قيمة الأسئلة التي يثيرها كتابه، وإنما يدعو إلى توسيعها وتعميقها.

خاتمة: الشعر أكبر من دائرة الاتهام

إن كتاب «الشعراء في دائرة الاتهام» للدكتور نضير الخزرجي يطرح قضية تستحق النقاش، لكنه يضعنا أيضًا أمام سؤال أوسع: هل يمكن اختزال الشعر في موقف أخلاقي أو ديني، مهما كانت أهمية هذا الموقف في حياة الإنسان؟

أرى أنَّ الشعر أوسع من أن تحاصره قاعدة واحدة؛ لأنه يستمد قوته من تنوع التجربة الإنسانية وتناقضاتها، وهو لا يفقد قيمته لمجرد أنه يتناول الحُب أو الحزن أو الجسد أو الخمرة، مثلما لا يكتسب قيمة فنية تلقائية لأنه يدافع عن قضية نبيلة أو يحمل رسالة دينية واجتماعية. فالمعيار النقدي ينبغي أن يجمع بين فهم المضمون وتحليل الشكل، وبين تقدير الرؤية واكتشاف الطريقة التي تتحول بها إلى لغة وصورة وإيقاع.

إن الشاعر ليس واعظًا بالضرورة، والقصيدة ليست منبرًا خطابيًا في كل الأحوال، فقد تكون احتجاجًا أو اعترافًا أو حلمًا أو سؤالًا بلا إجابة، وربما كانت قدرتها على زعزعة المسلمات وإثارة الأسئلة إحدى أهم وظائفها الإنسانية.

لذلك، لا أرى أن الشعراء ينبغي أن يبقوا في دائرة الاتهام، ولا أن يُمنحوا حصانة من النقد، بل أن يوضعوا في دائرة القراءة والتأويل والمساءلة الفنية. فالشعر الذي يعيش لا يخشى الأسئلة، والنقد الذي يحترم الشعر لا يكتفي بإصدار الأحكام، وإنما يسعى إلى فهم التجربة وكشف جمالياتها وتناقضاتها، فالشعر في النهاية ليس محكمة للأخلاق وحدها.

اضف تعليق