يناقش المقال خطر توظيف المقدس لتبرير الباطل، حين تُمنح المواقف السياسية والأشخاص حصانة مستمدة من الرموز الدينية، فتختلط الحقيقة بالوهم. ويعرض نماذج تاريخية ومعاصرة تكشف آليات تشويه الخصوم وتقديس المزيف، مؤكدًا أن حماية المقدس تقتضي إخضاع الخطاب والأفعال لمعايير العدل والرحمة والكرامة، والتمييز بين القيمة الدينية وتأويل البشر ومصالحهم...

تبلغ خطورة الانحراف ذروتها عندما يستعير الباطل لغة المقدّس، فيكتسب من هيبته ما يعجز عن اكتسابه بالحجة والبرهان. فالرمز الديني الذي يُفترض أن يفتح للإنسان طريق الحقيقة قد يتحول، بفعل التوظيف البشري، إلى غطاءٍ يحجب تلك الحقيقة، وتغدو المفاهيم التي نشأت لصيانة الإنسان وهدايته أدواتٍ لتبرير أفعال تناقض مقاصدها. وهذا ما توحي به صورة الكعبة التي جعلتها القصيدة منبرًا للأصنام، إذ لم يكن الخلل في قداسة المكان، وإنما في القوى التي استولت على رمزيته ووجّهتها لخدمة تصوراتها.[1]

وتكمن خطورة هذا المسلك في أنه يمنح الوهم حصانةً نفسية واجتماعية. فحين يُقدَّم موقفٌ سياسي على أنه تعبير عن الإرادة الإلهية، أو يُصوَّر الحاكم بوصفه حاملًا لتكليفٍ سماوي، قد يتحول الاعتراض على قراراته، في أذهان أتباعه، إلى اعتراض على الدين نفسه.[2] وهكذا تختلط حرمة المبدأ بسلطة الإنسان الذي يتحدث باسمه، وتُحاط خياراته البشرية بهالةٍ تجعل مساءلتها أمرًا عسيرًا، حتى عندما تكون نتائجها موضع نقدٍ أخلاقي أو إنساني.

وقد ظهر هذا التداخل في تجارب سياسية معاصرة، ولا سيما عند توظيف الخطاب الديني في تبرير الحروب، فقد رصدت وكالة رويترز في أبريل 2026م استخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبعض الشخصيات الدينية والسياسية المحيطة به لغةً مسيحية في الحديث عن الحرب على إيران، مع تقديم الصراع في بعض الخطابات بوصفه مواجهةً بين الخير والشر، واستحضار دلالات دينية لتفسير أحداث عسكرية. وقد أثار هذا التوظيف انتقاداتٍ من أصوات دينية وسياسية رأت في ربط المقدّس بالعنف العسكري خطرًا على المعنى الأخلاقي للدين.[3]

ولا تتوقف المسألة عند صدور الخطاب من السياسي أو رجل الدين، فالمجتمع الذي يتلقاه يشارك، بوعيٍ أو من دونه، في تثبيت أثره. إذ قد يتعامل بعض الناس مع الشعارات الدينية باعتبارها دليلًا كافيًا على صلاح المواقف، ويمنحون أصحابها ثقةً تتجاوز حدود أفعالهم الفعلية. وقد تُتداول روايةٌ أو صورةٌ أو عبارةٌ من دون التحقق منها، لمجرد أنها توافق التصور المسبق عن شخصٍ يُنظر إليه بوصفه ممثلًا للخير أو عدوًا له. وعندها تتراجع مساءلة الوقائع أمام قوة الانتماء، ويصبح الدفاع عن الصورة أهم من البحث عن الحقيقة.

إنّ توظيف المقدّس لتبرير الباطل لا يقف عند حدود تشويه المعنى الديني، وإنما يمتدّ أثره إلى صورة الأشخاص الذين يتحدثون باسمه. فعندما يُستغل الدين لإضفاء الشرعية على مواقف سياسية أو سلوكيات مناقضة لقيمه، يصبح الطريق ممهّدًا لمنح أصحاب تلك المواقف مكانةً لا يستحقونها، لمجرد أنهم يرفعون شعارات دينية أو يحيطون أنفسهم بهالتها. 

وفي المقابل، قد يُشوَّه أصحاب المواقف الحقّة باتهاماتٍ تُنفّر الناس منهم، فيُحجب ما يحملونه من حق خلف صورةٍ زائفة رُسمت لهم. وهكذا تتكامل عمليتا التضليل: يُشوَّه المقدّس حين يُسخَّر لخدمة المصالح، ويُمنح المزيفون قداسةً مستمدةً من الرموز التي يوظفونها، فتقديس المزيّف يُفضي إلى تزييف المقدّس، والعكس صحيح، وتغدو الصورة المصنوعة بديلًا عن الحقيقة، ويُحكَم على الناس بما أُحيطوا به من هالاتٍ أو شبهات، بدلًا من النظر في أفعالهم ومواقفهم وميزان العدل الذي تُوزن به.

وتتجلّى هذه الآلية في محاورة عبيد الله بن زياد لمسلم بن عقيل، إذ اتهمه بالفسق وشرب الخمر، فردّ مسلم بأنّ الأحق بهذا الوصف من يسفك دماء المسلمين ويقتل النفس التي حرّم الله قتلها. ولأنّ مسلمًا لا تخفى عليه أمثال هذه الأساليب الخبيثة، قال له: «واللَّه إنّ اللَّه يعلم أنّك تعلم أنّك غير صادق وأنّي لست كما ذكرت».[4]

وتكشف هذه المحاورة عن صراعٍ على صورة الحقيقة أمام الناس، فبدل أن يُناقَش موقف مسلم ودعوته إلى العدل والاحتكام إلى الكتاب والسنة، اتجه الخطاب إلى الطعن في أخلاقه، بينما أعاد مسلم توجيه النظر إلى أفعال السلطة ومسؤوليتها، ليغدو تشويه الخصم، حتى وإن كان معروفًا بالطهارة والنقاء، وسيلةً لصرف الأنظار عن جوهر القضية، وخلط الأوراق والتدليس على العامة، وإحلال الاتهام محلّ المحاسبة.

إن حماية المقدّس تقتضي صيانة معناه من الاستغلال، والتمييز بين القيمة الدينية في ذاتها وبين تأويل البشر لها وتوظيفهم إياها. فالإيمان لا يعفي القرارات من المساءلة الأخلاقية، والانتساب إلى الدين لا يمنح صاحبه تفويضًا مطلقًا، كما أن رفع الشعارات لا يحوّل الباطل إلى حق. ومن هنا تستعيد صور القصيدة دلالتها، فالأصنام لم تكن مجرد أحجارٍ نُصبت في محيط الكعبة، وإنما رمزٌ لكل وهمٍ يستولي على موضع الحقيقة ويستعير سلطتها.

وأخيرًا، لا تُصان حرمة المقدّس بمنح البشر حصانةً باسمه، وإنما بصيانة القيم التي جاء بها من أن تتحول إلى أدواتٍ في أيدي أصحاب المصالح. فالمعيار الذي يكشف زيف التوظيف هو أن نختبر الخطاب بما يُفضي إليه من عدلٍ ورحمةٍ وصيانةٍ لكرامة الإنسان، وعندها لا تعود هيبة الرمز حاجزًا أمام الحقيقة، بل تصبح الحقيقة نفسها هي الميزان الذي نميّز به بين المقدّس وما أُلصق به من أوهام.

ولعلّ هذا ما تختزله إجابة الإمام علي عليه السلام للرجل الذي استشكل اجتماع طلحة والزبير وعائشة على موقفٍ هو يراه باطلًا! فأجابه علي عليه السلام: «إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله».[5] وقد نقل هذا الموقف الأديب المعروف طه حسين في كتابه «الفتنة الكبرى»، ثم علّق: «ما أعرف جوابًا أروع من هذا الجواب الذي لا يعصم من الخطأ أحدًا مهما تكن منزلته، ولا يحتكر الحق لأحد مهما تكن مكانته، بعد أن سكت الوحي وانقطع الخبر».[6]

..........................................

الهوامش

[1] لا تنتمي هذه المفارقة إلى زمنٍ تاريخي انقضى، فالتاريخ لا يعيد مشاهده بالضرورة، لكنه يكشف عن قابلية الإنسان لتكرار أنماطها. وقد تتجاور قداسة المكان مع ممارساتٍ تثير أسئلةً أخلاقية عميقة، كلما اتسعت المسافة بين رمزية المقدّس وما يجري باسمه أو في محيطه. ولعلّ المفارقة الأشد إيلامًا أن تحمل البقاعُ مكانةً استثنائية في وجدان المؤمنين، فيما تظل السياسات والممارسات البشرية، مهما علا شأن أصحابها، خاضعةً لمعيار القيم التي تمنح تلك البقاع مكانتها. فحرمة المكان لا تنتقل تلقائيًا إلى كل من يتولى أمره، كما أن رمزية المقدّس لا تصلح شهادةً مسبقة على صلاح التصرفات.

[2] رُوي في كتاب «الإمامة والسياسة» أن معاوية، في حديثه مع عبد الله بن عمر بشأن البيعة ليزيد، احتجّ بالقدر قائلًا: «إن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم». وتكشف دلالة الرواية عن توظيف مفهوم القضاء الإلهي في الدفاع عن قرار سياسي بشري، بما يوحي بأن الاعتراض على التوريث اعتراضٌ على أمر قدّره الله، ويضيّق مساحة الاختيار والمساءلة. ولا يُستبعد أن تكون أمثال تلك المواقف البذرة الأولى لمذهب الجبر، كما أنها تقدم مثالًا مبكرًا على التداخل بين خطاب القدر وتثبيت السلطة السياسية. يراجع: الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري، ج1، ص210.

[3] تناولت وكالة رويترز توظيف الخطاب المسيحي في الحشد للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مشيرةً إلى استخدام دونالد ترامب ومسؤولين في إدارته وشخصيات إنجيلية لغةً دينية لتصوير الصراع بوصفه مواجهةً بين الخير والشر، واستحضار دلالات دينية لتأييد العمليات العسكرية. المصدر:

Nathan Layne and Tim Reid, “Evangelicals amplify Trump's religious framing of Iran war,” Reuters, 8 April 2026.

[4] الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج4، ص35.

[5] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج6، ص179.

[6] الفتنة الكبرى، طه حسين، ج2، ص43.

اضف تعليق