إن رقابة الله سبحانه وتعالى دائمة وشاملة للباطن والظاهر، ومن لا يستشعر هذا الحضور العظيم يعيش في غفلة عميقة تطفئ بصيرته. وحين تُفطر النفس على الغرائز والمغريات المتنوعة -من مال وجاه وشهوات- فإن الاعتماد على المعرفة النظرية وحدها لا يكفي؛ بل يتطلب الأمر "تلقيناً ذاتياً" مستمراً وتذكيراً متواصلاً للنفس بأن الخالق يرى ويسمع...
(إنّ رقابة الله سبحانه وتعالى دائمة، والإنسان يعلم بهذا الأمر)
سماحة المرجع الشيرازي
الله تعالى رقيب على كل شيء، وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، دائم الحياة ودائم القيمومة، وله الرقابة المطلقة والدائمة على الكون وما فيه وعلى كل إنسان بعينه، وهذه الرقابة الإلهية الشاملة تحيط بالإنسان في باطنه وظاهره، وتعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا وجد في الناس من لا يستشعر هذه الرقابة العظيمة ولا يراها ماثلة أمام بصيرته، فهذا الإنسان تائه في غفلة عميقة.
وقد وصف الإمام الحسين عليه السلام أمثال هؤلاء بأقوى العبارات وأعمقها دلالة، مبينًا أن من يعيش بمعزل عن استشعار نظر الله ومراقبته هو إنسان فاقد للبصر الباطني وكأنه بلا عين، وكأن هناك دعاءً بانطفاء نور بصيرته وحرمانها من رؤية الحق والحقيقة المحيطة به من كل جانب.
إن غياب استشعار الرقابة الإلهية يمثل خسارة كبرى للإنسان لا يدرك حجمها، فهو في هذه الحالة مجرد من خشية الله والورع عن محارمه، بينما استحضار هذه المعية الإلهية الدائمة يحيي القلوب ويوقظ الضمائر، ويدفع العبد ليكون دائما في طاعة ربه وخالقه، عالمًا بأن الله سبحانه يراه ويسمعه في كل حركاته وسكناته، مما يحقق له الطمأنينة والأمان ويجعله على صلة دائمة بنوره وهداه في كل خطوات حياته.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها لنستشعر رقابة الله دائماً:
(إنّ الله سبحانه وتعالى رقيب على كل شيء، فهو الحي القيوم، دائم الحياة ودائم القيمومة، وله الرقابة الدائمة على كل شيء وعلى كل إنسان بالخصوص. فإذا كان هناك من الناس من لا يرى انّ الله تعالى رقيب عليه، فهكذا إنسان، إما هو بلا عين، ولا عين له، كما يقول الإمام الحسين صلوات الله عليه، وإما هناك دعاء على هكذا إنسان بأنّ عين بصيرته لا ترى رقابة الله تعالى عليه).
الرقابة تعمل كدرع حصين
لقد فُطرت النفس البشرية على وجود شهوات وغرائز قد تدفع الإنسان أحيانًا نحو ارتكاب المعاصي والزلات، وهنا تبرز الأهمية الكبرى لاستحضار الرقابة الإلهية واستشعار المراقبة الإلهية في كل لحظة، فإذا ما ركز الإنسان فكره وقلبه على أن الخالق عز وجل مطلع عليه لا تغيب عنه غائبة، واشتد التفاته الدائم إلى هذه الحقيقة المطلقة، ترسخت في نفسه خشية حقيقية وورع عميق.
هذه الرقابة القوية تعمل كدرع حصين يصد عنه وساوس النفس والشيطان، فيقل تدريجيًا صدور المعاصي منه وصولًا إلى حالة من الانعدام التام للذنوب الكبيرة والانضباط الأخلاقي الرفيع، فإن استشعار نظر الله يجعل العبد يستحي من عصيانه وهو يرى نعمه تحيط به من كل جانب، فتتجه طاقاته الشهوانية والجسدية نحو الطاعة والبناء والإعمار بدلًا من الهدم والعصيان، وبهذا تتحول مراقبة الله من مجرد مفهوم عقائدي نظري إلى قوة ردع ذاتية ومحرك رباني دائم يضمن للإنسان استقامة السلوك ونقاء السريرة وطهارة القلب طوال رحلة حياته.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
توجد (في الإنسان شهوات تدفعه إلى أنواع من المعاصي، فإذا ركّز على رقابة الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الالتفات لديه شديداً والرقابة الإلهية قويّة في نفسه، فسيقلّ صدور المعاصي عنده ومنه، أو ينعدم).
رقابة الله سبحانه وتعالى حقيقة ثابتة ومستمرة يعلمها الإنسان بفطرته وعقله، غير أن المعيار الحقيقي يكمن في مدى قدرته على تلقين نفسه هذه الحقيقة باستمرار وتذكيرها بها لئلا تنساق خلف الغفلة، ومن الواضح أن قوة الشهوات وعنفها قادرة على طمس البصيرة وإبعاد الإنسان عن استشعار الحضور الإلهي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالشهوة الجنسية التي تمتلك طاقة جارفة ودفعًا قويًا نحو الانحراف إذا ما خلا القلب من اليقظة.
لذلك فإن التلقين المستمر والوعي اليقظ يعملان كصمام أمان يمنع النفس من الاستسلام لغريزتها الجامحة، ويذكّر العبد بأن نظر الله يسبق كل خطوة، وحين يداوم الإنسان على استحضار هذه الرقابة الدائمة، فإنه يحصن نفسه من الانزلاق ويهذب رغباته، لتظل طاقاته منضبطة بضوابط الشرع، بعيدة عن كل ما يغضب الخالق سبحانه وتعالى في السر والعلن.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(إنّ رقابة الله سبحانه وتعالى دائمة، والإنسان يعلم بهذا الأمر، لكن المهمّ هو أن يلقّن نفسه بذلك، حتى لا يغفل، وحتى لا تكون قوّة الشهوات وعنفها، سبباً لغفلة الإنسان. وهذا بالنسبة للشهوة الجنسية).
كيف تضمن الاستقامة والصفاء
من القضايا المعروفة إن النفس البشرية محاطة بمغريات متعددة تتجاوز حدود الغرائز الجسدية لتشمل شهوة المال والجاه، وشهوة الرئاسة والتسلط، وشغف الظهور والبروز الاجتماعي، فضلاً عن الأطماع السياسية والنزعات العائلية المفرطة، وهذه الشهوات جميعها تمتلك قدرة فائقة في السيطرة على النفس وإدخالها في غفلة عميقة تغشي البصيرة عن الحق والعدل.
لذا تبرز الضرورة القصوى ليمارس الإنسان التلقين الذاتي والتذكير المستمر لنفسه، مستحضرا رقابة الله الحاكمة على كل نزوة، فهذا الوعي اليقظ والتلقين الداخلي الدائم يثبّت أقدام العبد أمام ضغوط الرغبات، ويمنعه من الانجرار خلف المكاسب الزائلة أو التضحية بالمبادئ والقيم، مما يضمن له التوازن النفسي والسلوكي، والنجاة من حبائل الهوى في مختلف مجالات الحياة.
سماحة المرجع الشيرازي يشدد على هذه النقطة فيقول:
(يجب أن يلقن الإنسان نفسه لكي لا يغفل بالنسبة لشهوة المال، وشهوة الرئاسة، وشهوة حبّ الظهور، والشهوات السياسية والاجتماعية والعائلية، ومختلف الشهوات المتحكّمة في نفس الإنسان).
بالطبع سوف تقع المسؤولية على عاتق الجميع بلا استثناء، رجالاً ونساءً، علماء وجهلاء، كباراً وصغاراً، شباباً ومسنين وفتيات، في شتى الميادين والمجالات، علينا جميعاً أن نلقن أنفسنا باستمرار بأن الله سبحانه رقيب علينا، وأنه القيوم الذي يرى ويسمع ويعلم كل خافية، وهو دائم القيمومة والرعاية والإحاطة بالإنسان في كل لحظة.
ولكن الخطر كل الخطر يكمن حين يهمل الإنسان هذا التلقين ولا يذكّر نفسه دائماً بمراقبة الله تعالى ونظره الدائم إليه، فحينها يغفل القلب ويميل الإنسان نحو الانحراف بشكل أكبر، ويزداد تورطاً في المعاصي، مبتعداً شيئاً فشيئاً عن دائرة الطاعة والرضا الإلهي، متخبطاً في ظلمات الهوى والغفلة، ليجد نفسه غارقاً في العصيان والضياع بعيداً عن منهج الله وهداه القويم.
لذا يحذّر سماحة المرجع الشيرازي من هذا الخلل الكبير فيقول:
(علينا جميعاً، رجالاً ونساء، وعلى كل عالم وجاهل، وكل كبير وصغير، وكل شاب ومسنّ، وكل فتاة، في أي مجال كانوا، علينا أن نلقنّ أنفسنا دائماً بأنّ الله تعالى رقيب علينا، وأنّه قيوم ويرى ويسمع ويعلم ويكون دائم القيمومة على الإنسان. ولكن إذا لم يقم بذلك الإنسان، أي إذا لا يلقنّ نفسه دائماً برقابة الله تعالى عليه، فسيشط أكثر ويعصي أكثر، ويخرج عن دائرة الطاعة لله سبحانه وتعالى، أكثر وأكثر).
وأخيرا لقد بات واضحا للجميع، بأن استشعار رقابة الله الدائمة واليقظة المستمرة على النفس، يمثلان الحصن الأمين للإنسان في مواجهة مغريات الحياة وشهواتها المتنوعة، وحين يدمج العبد بين وعيه بالإحاطة الإلهية المطلقة وتلقينه الذاتي دائما لهذه الحقيقة، تتحول الرقابة الإلهية إلى قوة ردع داخلية حية، تضمن له الاستقامة والصفاء، وتبقيه دائمًا في دائرة الطاعة والقرب من الخالق عز وجل.



اضف تعليق