في ظل التحول العالمي المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي، يواجه العراق أزمة بنيوية تتمثل في تداخل الاختصاصات وضعف ربط الإنفاق بالنتائج. إن إنشاء وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة لا ينبغي أن يكون لمجرد استحداث هيكل جديد، بل لمعالجة فجوة مؤسسية حقيقية تجمع بين رقمنة الإجراءات الحكومية، وترسيخ الحوكمة الرشيدة، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن أحادية الريع...
في ظل التحول المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي على المستوى العالمي، برزت الحاجة إلى أطر مؤسسية متخصصة تجمع بين رسم سياسات الاقتصاد الرقمي وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة. وتُشير الأدلة الدولية إلى أن البلدان العربية تمتلك فرصة تاريخية لتخطي نظيراتها في العالم إذا ما عملت جدياً على توظيف إمكانياتها لاستغلال الفرصة التي يتيحها الاقتصاد الرقمي.
غير أن تحقيق هذا الوعد يتطلب وجود كيان مؤسسي واحد يتولى قيادة التحول الرقمي وتنسيق السياسات عبر القطاعات كافة هكذا سكون تشكيل وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة، خطوة تتطلب رسم السياسات والإجراءات العامة، تهدف هذه الورقة وضع مجموعة أفكار ومقترحات لتلك السياسات وهذه الإجراءات :
أولاً: الأدلة الدولية على أهمية المؤسسات المتخصصة
أكد البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات تمكين تكنولوجيا الحكومة (GovTech Enablers Index) أن أكثر من 60% من اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حدّثت استراتيجياتها للتحول الرقمي، وأنشأت كيانات حكومية رقمية مخصصة للإشراف على مبادرات الحكومة الرقمية. غير أن التقرير ذاته رصد أن استراتيجيات الابتكار في القطاع العام لا توجد إلا في سبعة بلدان فقط.
أما تقرير الإسكوا حول جاهزية التحول الرقمي في المنطقة العربية فقد كشف عن تفاوت صارخ بين دول مجلس التعاون الخليجي والدول غير الخليجية. ففي حين بلغ متوسط جاهزية دول المجلس 67.7 درجة في مجال الحوكمة والتنظيم الرقمي، مع تصنيف السعودية (80.4) في فئة "الريادة"، لم يتجاوز متوسط الدول غير الخليجية 30.1 درجة في الفئة "الانتقالية"، مع بقاء سوريا واليمن في فئة "المحدودة". ويُرجِع التقرير هذا التفاوت إلى ضعف الأطر المؤسسية المنظمة للرقمنة في الدول المتأخرة، ويوصي بضرورة "اهتمام حكومي عاجل مدعوم بالدعم الإقليمي والدولي".
ثانياً: الأدلة الإقليمية على نجاح النموذج المؤسسي
على الصعيد الإقليمي التطبيقي، تُقدِّم تجربة الأردن دليلاً ملموساً على فعالية الوزارات المتخصصة. فقد أنشأت المملكة وزارة الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال (MoDEE) استجابةً لإدراكها أهمية ريادة الأعمال الرقمية والاقتصاد الرقمي، بهدف دعم ريادة الأعمال الرقمية وتعزيز المدفوعات الإلكترونية وتطوير المهارات الرقمية. وتُبيّن النتائج أن الأردن حقق تقدماً في مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الرقمية، إذ ارتفع من 63% إلى 71% خلال عام واحد، وصُنِّف ضمن الدول ذات الأداء المتقدم في تقرير الإسكوا لعام 2025. كما تعمل الوزارة بالتعاون مع الإسكوا على إعداد سياسات ودراسات حول التقنيات الناشئة مثل سلاسل الكتل والشمول الرقمي .
بناءً على ما سبق، تتضح الحاجة الملحّة إلى إنشاء وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة ككيان مؤسسي جامع يضطلع بثلاث وظائف محورية: قيادة التحول الرقمي وتنسيقه عبر القطاعات، وضبط أطر الحوكمة والبيانات والذكاء الاصطناعي، وتمكين الاقتصاد الرقمي عبر سياسات داعمة للابتكار وريادة الأعمال. وتستند هذه الحاجة إلى إجماع متنامٍ في تقارير الأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
المشكلة والسياسة المقترحة
تتمثل مشكلة الإدارة الحكومية في العراق في تداخل الاختصاصات، وضعف ربط الإنفاق بالنتائج، وتشتت البيانات، وتعقيد الإجراءات. وتنعكس هذه الاختلالات في ارتفاع كلفة الخدمات، وضعف المساءلة، ومحدودية قدرة الدولة على تحويل مواردها إلى تنمية اقتصادية مستدامة.
تقترح الورقة اعتماد وزارة الاقتصاد الرقمي سياسة وطنية تجمع إصلاح الإجراءات الحكومية بالتحول الرقمي وتنمية الاقتصاد الرقمي، على أساس أهداف قابلة للقياس ومسؤوليات محددة. ولا يُعد التحول الرقمي غاية مستقلة؛ فقيمته تتحدد بقدرته على تقليل كلفة الإدارة، وتحسين الخدمات، وتعزيز الرقابة على المال العام، وتوسيع النشاط الاقتصادي المنتج.
أهداف السياسة
تستهدف السياسة أربعة نتائج:
1. تقليل زمن المعاملات الحكومية وكلفتها، من خلال مراجعة الإجراءات قبل رقمنتها.
2. ربط الإنفاق العام بالتنفيذ الفعلي، عبر أنظمة موحدة لتتبع العقود والمشروعات والمدفوعات.
3. تعزيز الشفافية والمساءلة، بنشر بيانات الأداء والتعاقدات ضمن الحدود القانونية.
4. توسيع الاقتصاد الرقمي، عبر تيسير تأسيس الأعمال والمدفوعات الإلكترونية وتطوير المهارات والبنية التحتية الرقمية.
ويُحدد لكل هدف خط أساس وهدف زمني وجهة مسؤولة، كي لا تتحول الخطة إلى قائمة تعهدات يصعب تقييمها.
أدوات التنفيذ
تبدأ الوزارة بحصر الأنظمة والمشروعات الرقمية والاختصاصات القائمة، وتحديد أوجه التداخل والفجوات القانونية. ثم تختار عددا محدودا من الأولويات ذات الأثر المباشر: خدمة حكومية مرتفعة الطلب، والمشتريات الإلكترونية، وتتبع تنفيذ المشروعات العامة، وتكامل البيانات بين الجهات المعنية.
يُحدد لكل مشروع مسؤول تنفيذي وجدول زمني ومؤشرات أداء ومتطلبات حماية البيانات. وتُقاس نتائجه بانخفاض الوقت والكلفة والأخطاء، لا بعدد الأنظمة التي أُطلقت أو الأموال التي أُنفقَت عليها. وتُوسع المشروعات التي تثبت جدواها، فيما تُعدّل أو تُوقف المشروعات التي لا تحقق أهدافها.
الإطار المؤسسي
تتولى الوزارة تحديد السياسة الوطنية ومتابعة تنفيذها، ضمن توزيع واضح للمسؤوليات. وتُنسق الأمانة العامة لمجلس الوزراء الأولويات المشتركة، وتربط وزارة التخطيط البرامج بأهداف التنمية ومؤشرات الأداء، فيما تتولى وزارة المالية الجوانب المتعلقة بالموازنة وتتبع الإنفاق. وتنفذ الوزارات القطاعية إصلاح خدماتها، كل ضمن اختصاصها، مع استمرار الجهات الرقابية والقضائية في ممارسة صلاحياتها القانونية المستقلة.
وتجمع كل ذلك في مدونة إجراءات للاقتصاد الرقمي والحوكمة.. يكون مطلوبا من جميع الجهات الحكومية ذات العلاقة الالتزام بها.
مراحل التنفيذ
خلال المئة يوم الأولى، تُنجز مراجعة الاختصاصات والأنظمة والمشروعات القائمة، وتُحدد الأولويات وخطوط الأساس والكلف التقديرية. وخلال السنة الأولى، تُنفذ مشروعات تجريبية وتُنشر نتائجها. وفي السنتين الثانية والثالثة، تُوسع التدخلات الناجحة وفق نتائج التقييم.
على أن يُنشر تقرير سنوي يتضمن مؤشرات محددة: زمن إنجاز الخدمات وكلفتها، ونسبة المعاملات المكتملة إلكترونيا، ومدى إنجاز المشروعات ضمن الوقت والميزانية، وشفافية التعاقدات، ونمو الأعمال الرقمية وفرص العمل المرتبطة بها. وتُستخدم النتائج لتعديل البرامج وإعادة تخصيص الموارد، لا لمجرد توثيق الإنجاز.
التوصيات
توصي الورقة المضي في إعداد سياسة وطنية للاقتصاد الرقمي والحوكمة، على أن تجمع ضمن مسؤولية تقييم ملزم للاختصاصات والتكاليف والبدائل المؤسسية، والمشروعات ذات الأولوية، ومصادر التمويل، ومؤشرات الأداء.
في ضوء كلما تقدم.. لا يُبرر إنشاء وزارة جديدة بمجرد أهمية التحول الرقمي، بل بقدرتها على معالجة فجوة مؤسسية محددة وتحقيق نتائج لا تستطيع البنية القائمة إنجازها بالكفاءة المطلوبة. الأولوية هي إقرار سياسة قابلة للتنفيذ والقياس؛ أما شكل المؤسسة التي تقودها فيُحسم بالأدلة وتقييم الاختصاصات والكلفة.



اضف تعليق