يناقش المقال مفهوم الحكومة الجشطلتية بوصفها نموذجًا إداريًا يقوم على تكامل الوزارات والمؤسسات بدل عملها المنفصل، مستندًا إلى مبدأ أن الكل أكبر من مجموع أجزائه. ويعرض تطبيقاتها في التحول الرقمي، وإدارة الأزمات، والميزانيات، والأمن، والمدن الذكية، والخدمات الاجتماعية، مع بيان متطلبات نجاحها من قيادة شمولية وتشريعات متقاطعة وبنية...
شهد الفكر الإداري والسياسي الحديث تحولًا جذريًا من النماذج الكلاسيكية التفكيكية إلى نماذج أكثر تركيزًا على الشمولية والتكامل. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الحكومة الجشطلتية» (Gestalt Government) كإطار نموذجي مستوحى من مدرسة «علم النفس الجشطلتي» (Gestalt Psychology)، والتي تقوم على المبدأ الشهير: «الكل أكبر من مجموع أجزائه»(يُنظر: Koffka, 1935).
عند إسقاط هذا المفهوم على الحوكمة وإدارة الدولة، تُعرَّف الحكومة الجشطلتية بأنها: المنظومة الإدارية والسياسية التي تُدار فيها الوزارات والهيئات الحكومية، ليس كأجزاء منفصلة (معازل إدارية)، بل ككيان متكامل يتفاعل ديناميكيًا لتحقيق أهداف استراتيجية موحدة لا يمكن لأي وزارة تحقيقها بمفردها(يُنظر: Bourgon, 2011).
المفهوم والنظريات المؤطرة
هذه النظرية تخضع لأنظمة متعددة لها وشائج متصلة بعلم النفس والفلسفة، بل ومنها ما كانت أصوله تنبع من معينها، ومن ذلك:
1. الجذر الفلسفي والأنظمة المركبة: يعود أصل المفهوم إلى النظريات العضوية والأنظمة المعقدة (Complex Adaptive Systems). في الإدارة العامة الكلاسيكية، كان التركيز منصبًا على استقلالية كل جهة حكومية وقياس أداء كل وزارة بمعزل عن الأخرى. أما في الطرح الجشطلتي، فتُستبدل النظرة التفكيكية بنظرة نسقية شمولية تُعرف بـ(Holistic View)، ترى أن العائد النهائي للحوكمة يصدر من التفاعل الكلي بين السياسات العامة بدلًا من جمع نتائج الإدارات المختلفة حسابيًا.
2. تجاوز الرؤية القطاعية: تُعد الحكومة الجشطلتية الامتداد النظري والتطبيقي لنهج «الحكومة الكاملة»، حيث تُلغى الجزر المنعزلة داخل الجهاز الإداري للدولة. وبدلًا من أن تُعالج كل جهة المشكلات المترابطة، مثل الفقر، والتغير المناخي، والأمن الغذائي، بمنظور قطاعي ضيق، تُبنى السياسات عبر تقاطعات مؤسسية مرنة تُركز على الأثر النهائي(يُنظر: Christensen & Lægreid, 2007).
خصائص الحكومة الجشطلتية (التطبيقات الميدانية وأمثلة دولية)
تتجسد النماذج التطبيقية للحكومات الجشطلتية في مظاهر دولية حديثة عدَّة، منها:
1. التحول الرقمي الموحد (المنصات السيادية): استطاعت دول مثل إستونيا، عبر نظام (X-Road)، بناء حكومة جشطلتية رقمية، حيث لا يحتاج المواطن إلى تكرار إدخال بياناته لأي جهة حكومية. البيانات تُشارك بسلاسة وأمان بين كل مؤسسات الدولة، مما يعطي انطباعًا وإحساسًا بأن المواطن يتعامل مع «كيان حكومي واحد» لا أجهزة متفرقة(يُنظر: Kitsing, 2011).
2. إدارة الأزمات العابرة للقطاعات: ظهر التطبيق العملي للنموذج الجشطلتي خلال إدارة الجوائح العالمية والأزمات المناخية. الحكومات التي تبنت مراكز إدارة أزمات مشتركة تدمج قطاعات الصحة، والاقتصاد، والأمن، والأولويات الاجتماعية في غرفة عمليات موحدة، أظهرت استجابة أكثر كفاءة مقارنة بالحكومات التي عمل وزراؤها بتنسيق بطيء أو منفصل(يُنظر: OECD, 2020).
3. ميزانيات البرامج والأهداف بدلًا من ميزانيات الجهات: تتبنى الحكومات الحديثة نماذج ميزانية ترتبط بـ«المخرجات الوطنية»، مثل التنمية المستدامة، بدلًا من تخصيص ميزانيات مغلقة لوزارات بعينها، مما يجبر الوزارات المتعددة على التخطيط والإنفاق المشترك لتحقيق هدف واحد.
التحديات والآفاق المستقبلية
على الرغم من المزايا الهيكلية التي يوفرها المنظور الجشطلتي في الحوكمة، إلا أن تطبيقه يواجه عقبات رئيسة، كـمقاومة التغيير الثقافي، التي تتمثل في تمسك القيادات التنفيذية بـ«الحدود التنظيمية» والصلاحيات الخاصة بكل وزارة. وتعقيد المساءلة، إذ يصعب أحيانًا تحديد المسؤولية المباشرة عن الفشل عندما تكون السياسات والمشاريع مشتركة بين عدة وزارات. بالإضافة إلى البنية التحتية للبيانات؛ إذ يتطلب هذا المفهوم ربطًا تقنيًا متقدمًا وأطرًا قانونية لحماية البيانات ومشاركتها.
توسيع تطبيقات الحكومات الجشطلتية وآليات تمكينها
بناءً على الإطار النظري والمفهومي للحكومات الجشطلتية، يتطلب التجسيد العملي لهذا المفهوم الامتداد إلى قطاعات حيوية إضافية تُدار وفق أسلوب «الترابط العضوي والشمولي»، بالإضافة إلى تحديد أدوات التمكين التنظيمية والتقنية.
أولًا: تطبيقات خبيرة ومتقدمة للحكومة الجشطلتية
1. الأمن القومي والسيبراني الشامل: تتطلب الأخطار الحديثة المدمجة (التهديدات الهجينة والسيبرانية) تجاوز الأجهزة الأمنية التقليدية لإنشاء منظومة أمنية جشطلتية.
وهذا نجده في دمج استخبارات الإشارات، والأمن السيبراني، والبنية التحتية للطاقة، والقطاع المالي، ووزارات الخارجية والمواصلات، ضمن غرفة استجابة موحدة.
وكذلك منع الثغرات الناجمة عن التواصل المتقطع بين الأجهزة الأمنية والمدنية، وتحويل الرصد والردع إلى عملية فورية تضمن سلامة الدولة كأصل واحد لا يقبل التجزئة.
2. التخطيط الحضري والمدن الذكية الشاملة: في تطوير المدن الذكية، تُطبق الحكومة الجشطلتية مبدأ عدم فصل قطاع النقل عن البيئة أو الصحة أو الاقتصاد المحلي.
ومنها ربط منصات إدارة المرور والمواصلات العامة ببيانات جودة الهواء، والتخفيضات الضريبية للأنشطة التجارية، والتخطيط العقاري.
بالإضافة إلى تقليل الانبعاثات الكربونية، وتحسين صحة السكان، وزيادة النشاط الاقتصادي في آنٍ واحد كاستجابة آلية متبادلة، بدلًا من اتخاذ قرارات منفصلة لكل قطاع(يُنظر: Batty, 2013).
3. الدبلوماسية الاقتصادية والعلاقات الدولية المدمجة: لم تعد العلاقات الخارجية مقتصرة على وزارة الخارجية، بل باتت تشمل التجارة، والتعليم، والثقافة، والتكنولوجيا.
ونجد ذلك في إنشاء شبكات تنفيذية تجمع بين الملحقيات التجارية، والتعليمية، والتكنولوجية، تحت قيادة استراتيجية موحدة تُعنى بالدولة العابرة للحدود.
وأثره في تحقيق مخرجات جيوسياسية واقتصادية مضاعفة تعجز عن تحقيقها أدوات الدبلوماسية التقليدية بمفردها.
4. الخدمات الاجتماعية المدمجة لحياة المواطن: بدلًا من تنظيم الخدمات الحكومية بحسب هيكل الوزارات (وزارة الصحة، وزارة العدل، وزارة الشؤون الاجتماعية)، تُنظم الخدمات بناءً على «دورة حياة المواطن».
ويمكن تطبيقه عند تسجيل ولادة مولود جديد؛ إذ تُجري المنظومة الجشطلتية بشكل آلي إصدار شهادة الميلاد، وتحديث السجل العائلي، وصرف الدعم الاجتماعي المستحق، وحجز مقعد في الرعاية الصحية، دون الحاجة إلى مراجعة وزارات عدَّة.
وأثره في تحول الحكومة من جهاز بيروقراطي يستجيب للطلبات إلى كيان مبادر يُقدم خدمة كاملة ومتكاملة بضغط زر واحد.
ثانيًا: الممكنات الاستراتيجية لتطبيق النموذج الجشطلتي
لتتحول الحكومة من نموذج كلاسيكي تفكيكي إلى نموذج جشطلتي فعال، يلزم توافر ثلاثة محركات رئيسة: القيادة الشمولية، وهي تأهيل قيادات قادرة على العمل خارج أطر نفوذ وزاراتها، وتطوير فرق عمل عابرة للقطاعات تتمتع بصلاحيات واتخاذ قرار مباشر.
بالإضافة إلى التشريعات والأنظمة المتقاطعة، بإصدار أطر قانونية تُبيح تبادل البيانات، وتحظر الازدواجية والتكرار في الأنشطة الحكومية، وتُلزم المؤسسات بمسؤولية تضامنية عن الأهداف الوطنية الكبرى.
وكذلك البنية التحتية الرقمية القائمة على (Interoperability)، التي توظف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في الوقت الفعلي لإنشاء «توأم رقمي للحكومة» يسمح برؤية الأثر الفوري لأي قرار على بقية القطاعات قبل تطبيقه.
الاستنتاجات
مما تقدَّم نستنتج الآتي:
1- إن التوجه نحو الحكومات الجشطلتية لم يعد خيارًا تنظيميًا أو رفاهية إدارية، بل فرضته طبيعة التحديات المعاصرة التي تتسم بالتعقيد والتداخل.
2- إن النجاح في بناء حكومة تعمل بأسلوب «الكل المتكامل» يستلزم إعادة هيكلة الثقافة التنظيمية، وتبني التقنيات المتقدمة لإدارة البيانات، وتطوير تشريعات تعزز المسؤولية المشتركة، لضمان تقديم خدمات حكومية تتجاوز مجموع طاقات أجهزتها الفردية.
3- إن التوجه نحو الحكومة الجشطلتية لا يعني إلغاء الوزارات أو دمجها في كيان واحد ضخم، بل يعني تغيير طريقة تفاعلها وآلية اشتغالها.
4- إن الحوكمة الحديثة القادرة على الصمود أمام الأزمات المركبة هي التي تتحول من إدارة «المكونات» إلى إدارة «العلاقات بين المكونات»، وهو جوهر النظرية الجشطلتية في الحوكمة والإدارة العامة.



اضف تعليق