يقدم كتاب «الاستراتيجي» لإليوت كوهين تحليلًا لأسباب إخفاق الدول في تحقيق أهدافها السياسية رغم تفوقها العسكري، ويربط النجاح الاستراتيجي بفهم الخصوم وتحديد الغايات وتقدير الموارد وترتيب الأولويات. ويبرز أثر التحيزات النفسية والتفكير الجماعي وضعف المؤسسات في القرارات الخاطئة، مؤكدًا أهمية المراجعة والتواضع المعرفي، وأن التطور العسكري والتكنولوجي لا يضمن...
تتكرر في التاريخ حروب تدخلها دول تمتلك تفوقًا عسكريًا واسعًا، وتنجح خلالها في تدمير منشآت الخصم وإضعاف قواته والسيطرة على مواقع مهمة، لكنها تخرج منها دون تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنتها عند البداية. وقد تمتلك الدولة أسلحة متطورة ومؤسسات عسكرية محترفة وموارد مالية ضخمة، ثم تجد نفسها أمام صراع طويل يستنزف قدراتها ويزيد تعقيد البيئة السياسية والأمنية التي أرادت تغييرها. وتكشف هذه المفارقة أن امتلاك القوة يختلف عن القدرة على توظيفها، وأن النجاح في إدارة المعارك لا يعني بالضرورة النجاح في إدارة الحرب وتحقيق نتائجها.
من هذه الإشكالية ينطلق كتاب «الاستراتيجي.. كيف نفكر في الحرب والسياسة؟» للمفكر الأميركي إليوت كوهين، الذي يتناول الاستراتيجية بوصفها عملية عقلية وسياسية ومؤسسية تهدف إلى ربط الوسائل العسكرية بالغايات السياسية. ويبحث في الأسباب التي تجعل التفكير الاستراتيجي صعبًا حتى لدى الدول التي تمتلك مؤسسات متقدمة وخبرات طويلة، وفي الأخطاء التي تنشأ عن سوء فهم الخصم، والمبالغة في تقدير القدرات الذاتية، وضعف تحديد الأهداف، وإهمال الظروف المحيطة، والعجز عن توقع النتائج غير المقصودة.
وتنبع أهمية الكتاب من أنه ينقل الاهتمام من حجم القوة إلى جودة التفكير الذي يوجه استخدامها، ومن تفاصيل العمليات العسكرية إلى العلاقة بين القرارات والنتائج. فالاستراتيجية لا تتعلق بما تستطيع الدولة فعله عسكريًا وحده، وإنما بما تريد تحقيقه سياسيًا، ومدى ملاءمة الوسائل المتاحة لهذه الغاية، وقدرتها على التعامل مع خصم يمتلك إرادة مستقلة ويستطيع تعديل سلوكه وإعادة تنظيم موارده.
ويستفيد كوهين من التاريخ العسكري وخبرته في تقديم المشورة للحكومة الأميركية لتوضيح أن الأخطاء الاستراتيجية لا تنتج عن نقص المعلومات أو الموارد وحده، بل تتصل كذلك بالتحيزات النفسية، والثقافة المؤسسية، وطريقة اختيار المستشارين، وقدرة القيادة على الاعتراف بالخطأ وتغيير المسار.
الاستراتيجية.. العلاقة بين القوة والسياسة
يبدأ فهم أطروحة كوهين من التمييز بين الاستراتيجية والتخطيط العسكري والتكتيك. فقد أصبح مصطلح الاستراتيجية يستخدم في مجالات متعددة، من الاقتصاد والإدارة إلى التسويق والتعليم، وغالبًا ما يشير إلى أي خطة بعيدة المدى أو مجموعة من الأهداف العامة. غير أن استخدامه في المجال العسكري يحمل معنى أكثر تحديدًا، لأنه يتعلق بتوظيف القوة المنظمة لتحقيق غايات سياسية، ضمن بيئة تتسم بالمنافسة والمخاطر وعدم اليقين.
فالتكتيك يهتم بكيفية تنفيذ العمليات وتحقيق النجاح في المواجهات الجزئية، بينما تتناول الاستراتيجية العلاقة بين تلك العمليات والنتيجة السياسية المطلوبة. وقد تنجح القوات في احتلال موقع أو تدمير هدف أو إضعاف تشكيل عسكري، لكن قيمة هذا النجاح تتحدد بما يضيفه إلى الهدف العام للحرب. وإذا لم توجد علاقة واضحة بين الإنجاز الميداني والغاية السياسية، فقد تتحول العمليات الناجحة إلى سلسلة من النتائج المحدودة التي لا تنتج حسمًا استراتيجيًا.
ويعني ذلك أن الاستراتيجية ليست مجرد إعداد خطة مسبقة، بل عملية مستمرة من التقدير والاختيار والمراجعة. فالدولة تدخل الصراع وهي تحمل تصورًا عن خصمها وقدراتها والظروف الدولية، لكن هذه العناصر تتغير بمجرد بدء العمليات. ويتخذ الخصم قرارات جديدة، وتظهر مواقف لم تكن متوقعة من الحلفاء، وتتأثر الأسواق والمجتمعات، وقد تفرض الخسائر والضغوط السياسية تعديل الأهداف أو الوسائل.
ومن هنا تنشأ الصعوبة الأساسية في التفكير الاستراتيجي. فالقرار لا يصدر في بيئة مستقرة يمكن التحكم بجميع عناصرها، وإنما داخل واقع تتحرك فيه أطراف متعددة، ويؤثر كل طرف في حسابات الآخرين. كما أن المعلومات المتاحة تكون ناقصة في كثير من الأحيان، وقد تتأخر آثار بعض القرارات إلى مرحلة يصبح فيها تصحيحها أكثر تكلفة.
ويستدعي هذا الفهم إعادة النظر في الطريقة التي تقاس بها القوة. فامتلاك الموارد لا يساوي القدرة على تحقيق الأهداف، والتفوق التقني لا يضمن التفوق في التقدير، والنجاح الميداني لا يختصر التعقيدات السياسية التي تنشأ بعد انتهاء العمليات.
فهم البيئة الاستراتيجية.. الحرب لا تجري في فراغ
يضع كوهين فهم البيئة المحيطة في مقدمة متطلبات التفكير الاستراتيجي، لأن الدول لا تخوض الحروب بمعزل عن شبكة العلاقات والمصالح والتحالفات التي تحيط بها. فقد يبدو الصراع مواجهة مباشرة بين قوتين، لكنه يتأثر في الواقع بمواقف دول أخرى، وبالممرات التجارية، والموارد الاقتصادية، والقدرة الصناعية، وطبيعة العلاقات الدبلوماسية، واستعداد الحلفاء لتحمل التكاليف.
وتظهر أهمية هذا العامل عندما تمتلك دولة تفوقًا عسكريًا على خصمها، لكنها تحتاج إلى تعاون أطراف أخرى لضمان نجاح عملياتها أو المحافظة على نتائجها. فقد تحتاج إلى استخدام قواعد عسكرية خارج حدودها، أو الحصول على معلومات استخبارية، أو تأمين طرق الإمداد، أو توفير غطاء سياسي ودبلوماسي، أو منع أطراف ثالثة من تقديم الدعم للخصم.
وفي هذه الحالات يصبح التعامل مع الحلفاء جزءًا من الاستراتيجية نفسها، لا مجرد نشاط دبلوماسي موازٍ. فضعف التنسيق معهم قد يقلص خيارات الدولة، ويزيد تكاليف العمليات، ويمنح الخصم فرصًا لاستغلال الخلافات السياسية.
وينتقد كوهين تقديرات الإدارة الأميركية بشأن مواقف الحلفاء الأوروبيين والخليجيين، ومدى استعداد روسيا والصين لدعم إيران. وتمثل هذه القراءة تقييمًا سياسيًا للكاتب يستند إلى تفسيره للأحداث، ويجب التمييز بينها وبين المبدأ الاستراتيجي الأوسع الذي يحاول توضيحه.
وتكشف هذه المسألة عن أن فهم البيئة لا يعني جمع المعلومات الجغرافية والعسكرية وحدها، بل دراسة العلاقات المتبادلة بين الأطراف، وتحديد ما تستطيع كل دولة فعله، وما قد يدفعها إلى تغيير موقفها، وكيف يمكن أن تتأثر مصالحها بنتائج الحرب.
كما ينبغي تقدير التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للصراع. فقد تؤدي العمليات العسكرية إلى ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب التجارة، وتراجع الاستثمار، وزيادة الضغوط على الموازنات العامة، وهو ما ينعكس على قدرة الأطراف المتحاربة على الاستمرار. وقد تتحول هذه الآثار إلى عوامل سياسية تؤثر في القرارات، سواء داخل الدول المشاركة مباشرة في الحرب أو لدى الأطراف التي تحاول المحافظة على الحياد.
وبذلك تتسع البيئة الاستراتيجية لتشمل عناصر لا تظهر في خرائط العمليات العسكرية، لكنها قد تكون حاسمة في تحديد مسار الحرب ونتائجها.
معرفة الخصم.. الفارق بين تقدير القوة وفهم الإرادة
يمثل فهم الخصم أحد أكثر عناصر التفكير الاستراتيجي تعقيدًا، لأن المعرفة العسكرية لا تكفي وحدها لتفسير السلوك السياسي. فقد تستطيع الدولة تقدير عدد الطائرات والصواريخ والقوات والمنشآت العسكرية لدى خصمها، لكنها تظل عاجزة عن تحديد مستوى استعداده لتحمل الخسائر، أو فهم الدوافع التي تجعله يواصل القتال رغم ارتفاع تكلفته.
وتتأثر قرارات الخصم بعوامل متعددة، بينها طبيعة النظام السياسي، والتجارب التاريخية، والاعتبارات العقائدية، والمخاوف الأمنية، وموقع القيادة داخل المجتمع، وطريقة فهمها لمصالح الدولة ومستقبلها. وقد يرى أحد الأطراف أن التراجع يمثل خسارة محدودة يمكن تعويضها، بينما يعده طرف آخر تهديدًا مباشرًا لبقائه أو لمكانته السياسية.
ومن أخطر الأخطاء الاستراتيجية افتراض أن الخصم سيتصرف وفق الحسابات نفسها التي يعتمدها الطرف المقابل. فالدولة التي تمتلك تفوقًا عسكريًا قد تتوقع أن يؤدي إلحاق خسائر كبيرة بخصمها إلى دفعه نحو التسوية، لكنها قد تكتشف أن تلك الخسائر زادت تصميمه على المقاومة، أو دفعته إلى توسيع الصراع واستخدام وسائل غير تقليدية.
كما أن فهم الخصم يتطلب التمييز بين قدرته على تحقيق النصر وقدرته على منع الطرف الآخر من تحقيق أهدافه. فقد لا يمتلك الطرف الأضعف الموارد اللازمة لهزيمة خصمه عسكريًا، لكنه يستطيع رفع تكلفة الحرب أو إطالتها أو توسيع نطاقها إلى درجة تجعل الاستمرار فيها غير ملائم سياسيًا واقتصاديًا.
ويظهر هذا الاختلاف في الحروب التي تتواجه فيها دول ذات قدرات غير متكافئة. فالقوة الأكبر قد تسعى إلى حسم سريع، بينما يعتمد الطرف الأضعف على الوقت والاستنزاف والمرونة التنظيمية. وتصبح مدة الصراع في هذه الحالة عنصرًا من عناصر القوة، لأن كل طرف يقيس النجاح وفق معايير مختلفة.
ويبرز هنا دور المعرفة التاريخية والثقافية، التي تساعد على فهم طبيعة الخصم وتجاربه السابقة وحساسيته تجاه بعض المطالب والتهديدات. لكن هذه المعرفة تحتاج بدورها إلى مراجعة مستمرة، لأن الاعتماد على صورة تاريخية ثابتة قد يؤدي إلى تجاهل التحولات التي طرأت على القيادة والمجتمع والقدرات العسكرية.
وتكمن قيمة هذا المحور في أنه يوضح أن المعلومات عن الخصم لا تتحول تلقائيًا إلى فهم استراتيجي، وأن سوء تفسير الدوافع قد يكون أكثر خطورة من الخطأ في تقدير أعداد الأسلحة.
تحديد الأهداف.. حين تتجاوز الغايات حدود الإمكانات
يرتبط نجاح الاستراتيجية بوضوح الأهداف السياسية التي يفترض أن تخدمها العمليات العسكرية. فالدولة تحتاج إلى تحديد النتيجة التي تريد الوصول إليها، والتمييز بين الأهداف الضرورية والأهداف الثانوية، ومعرفة ما إذا كانت الموارد المتاحة تسمح بتحقيق تلك النتيجة ضمن تكلفة مقبولة.
وتنشأ المشكلة عندما تصاغ الأهداف بعبارات واسعة يصعب تحويلها إلى معايير عملية. فقد تعلن دولة أنها تسعى إلى القضاء على تهديد معين، أو تحقيق أمن دائم، أو تغيير سلوك خصمها، لكن هذه الغايات تحتاج إلى تعريف دقيق يحدد طبيعة التغيير المطلوب وشروط التحقق منه.
فإضعاف قدرة عسكرية محددة يختلف عن إنهائها بصورة نهائية، وإجبار الخصم على وقف عملية معينة يختلف عن تغيير سياسته العامة، وإسقاط قيادة سياسية يختلف عن بناء نظام مستقر يستطيع إدارة الدولة بعد انتهاء الحرب.
وكلما انتقلت الأهداف من المحدود إلى الشامل، اتسعت الموارد المطلوبة وتعقدت النتائج المحتملة. فقد تنجح القوة العسكرية في إزالة عقبة محددة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء المؤسسات السياسية أو معالجة الانقسامات الاجتماعية أو توفير الشرعية اللازمة لاستقرار النظام الجديد.
وتزداد خطورة هذا الخلل عندما تتوسع الأهداف أثناء الحرب. فقد تبدأ العمليات لتحقيق غاية محدودة، ثم تدفع النجاحات الميدانية القيادة إلى رفع سقف مطالبها، أو تجعل الخسائر السابقة من الصعب سياسيًا قبول تسوية أقل من النصر الكامل. وهنا تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق هدف محدد إلى مسار تتغير غاياته تحت تأثير الأحداث والضغوط.
ويترتب على ذلك تضخم في الالتزامات، لأن كل هدف إضافي يحتاج إلى موارد جديدة وضمانات سياسية وأمنية. كما أن رفع سقف المطالب قد يدفع الخصم إلى رفض التسوية، خصوصًا إذا رأى أن الشروط المطروحة تهدد وجوده أو قدرته على المحافظة على الحد الأدنى من مصالحه.
وتبرز أهمية تحديد الأهداف كذلك في معرفة الوقت المناسب لإنهاء الحرب. فغياب معيار واضح للنجاح يجعل القيادة عاجزة عن تحديد ما إذا كانت قد حققت ما يكفي للانتقال إلى التسوية، أو ما إذا كان الاستمرار في العمليات سيضيف نتائج تتناسب مع تكلفته.
وتتطلب الاستراتيجية الرصينة، وفق هذا المنطق، المحافظة على التناسب بين الغاية والوسيلة، ومراجعة الأهداف عندما تتغير الظروف، وتجنب تحويل التصريحات السياسية إلى التزامات مفتوحة لا تستطيع الموارد العسكرية والاقتصادية الوفاء بها.
تقدير الوسائل.. القوة المتاحة ليست دائمًا القوة المناسبة
يؤكد التفكير الاستراتيجي أهمية معرفة الدولة لقدراتها الفعلية، لا الصورة التي ترغب في تقديمها عن نفسها. فقد تمتلك مؤسسة عسكرية تجهيزات متطورة وقوات مدربة، لكنها تعاني نقصًا في بعض الموارد أو صعوبة في تنفيذ نوع معين من العمليات أو المحافظة على إمداداتها لفترة طويلة.
وتشمل معرفة الذات تقدير الجاهزية القتالية، والقدرات اللوجستية، والمخزونات، والطاقة الصناعية اللازمة لتعويض الخسائر، وكفاءة القيادة، ومستوى التنسيق بين المؤسسات العسكرية والسياسية. كما تشمل إدراك نقاط الضعف التي قد لا تظهر خلال التدريبات أو العمليات المحدودة، لكنها تصبح مؤثرة في الحروب الطويلة.
ويشير كوهين إلى أن المؤسسات العسكرية قد تخفق في إجراء تقييم صريح لقصورها، مستفيدًا من تجربة الولايات المتحدة في حربي العراق وأفغانستان، حيث واجهت القوات الأميركية صعوبات كبيرة في عمليات مكافحة التمرد رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي.
وتوضح هذه التجربة الفرق بين القدرة على هزيمة قوات نظامية في مواجهة مباشرة والقدرة على إدارة بيئة أمنية وسياسية معقدة بعد انتهاء العمليات الكبرى. فالمهمة الثانية تحتاج إلى وسائل مختلفة، تشمل المعرفة المحلية، وبناء المؤسسات، وحماية السكان، والتنسيق السياسي والإداري.
كما أن تقدير الوسائل يتطلب فهم العلاقة بين الموارد والوقت. فقد تستطيع الدولة تنفيذ عملية عسكرية قصيرة باستخدام مخزوناتها القائمة، لكنها تحتاج إلى إنتاج صناعي مستمر إذا طال أمد الصراع. وقد تصبح قدرة المصانع على إنتاج الذخائر والمعدات وقطع الغيار عاملًا حاسمًا، حتى عندما تبقى القوات المقاتلة متفوقة في نوعية الأسلحة.
ويؤدي إهمال هذه الجوانب إلى فجوة بين الخطط الموضوعة والقدرة الفعلية على تنفيذها. فالمؤسسة قد تعد خطة تعتمد على سرعة الحسم، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى مواصلة العمليات فترة أطول، من دون أن تكون قد هيأت الموارد اللازمة لذلك.
ومن هنا تتحدد قيمة التخطيط الاستراتيجي بقدرته على اختبار الافتراضات الصعبة، وليس بتقديم صورة مطمئنة عن جاهزية المؤسسة. ويصبح الاعتراف بنقاط الضعف شرطًا لتحسين الأداء، لأن المشكلة التي يجري إخفاؤها أثناء التخطيط قد تتحول إلى أزمة أكبر أثناء التنفيذ.
ترتيب الأولويات.. إدارة الموارد في عالم من الخيارات المتعارضة
تتطلب الاستراتيجية اختيار الأولويات، لأن الموارد محدودة مهما بلغت قوة الدولة وثروتها. وكل قرار بتخصيص قوات أو أموال أو وقت أو اهتمام سياسي لمهمة معينة يعني تقليل ما يمكن تخصيصه لمهمة أخرى.
وتبرز هذه الحقيقة بوضوح عندما تواجه الدولة أكثر من تهديد، أو عندما تتوزع مصالحها على مناطق متعددة. فقد يكون أحد الأهداف مهمًا من الناحية العسكرية، لكنه أقل أهمية من هدف آخر يرتبط بالأمن الاقتصادي أو الاستقرار السياسي أو المحافظة على التحالفات.
وتتطلب المفاضلة في هذه الحالات تحديد ما ينبغي تحقيقه أولًا، وما يمكن تأجيله، وما ينبغي التخلي عنه إذا أصبحت تكلفته أكبر من فائدته.
ويعرض كوهين مثالًا من الحرب العالمية الثانية يتعلق بقرارات الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ليبين أن اختيار الأولويات لا يقتصر على إعلان الهدف الأكثر أهمية، بل يشمل أيضًا تحديد ترتيب العمليات وتوقيت تنفيذها.
وتزداد صعوبة هذه العملية عندما تتداخل الأهداف السياسية والعسكرية. فقد تتطلب أولوية عسكرية معينة تأجيل مطالب حليف، أو تحمل تكلفة اقتصادية مؤقتة، أو ترك جبهة أخرى في وضع دفاعي. وتصبح القيادة مطالبة بتفسير هذه الاختيارات والمحافظة على تماسك المؤسسات التي تتولى تنفيذها.
كما أن ترتيب الأولويات لا يبقى ثابتًا طوال الحرب. فقد تؤدي تطورات غير متوقعة إلى ظهور تهديد جديد أو فرصة سياسية تستدعي تعديل الخطة. لكن التعديل المستمر دون معايير واضحة قد يؤدي إلى فقدان الاتجاه العام وتشتت الموارد.
وتبرز هنا الحاجة إلى التمييز بين المرونة الاستراتيجية والتقلب في القرار. فالمرونة تعني تعديل الوسائل والأولويات استجابة لمعلومات جديدة، مع المحافظة على وضوح الغاية الأساسية. أما التقلب فينشأ عندما تتغير الأهداف تحت تأثير الضغوط الآنية دون تقييم شامل للنتائج.
وبذلك تصبح القدرة على المفاضلة بين الخيارات عنصرًا جوهريًا في التفكير الاستراتيجي، لأنها تمنع تحويل كل مشكلة إلى أولوية قصوى، وتحافظ على العلاقة بين الموارد المحدودة والغايات الممكنة.
تسلسل القرارات.. كيف تتغير النتائج بتغير ترتيب العمليات؟
تكتسب القرارات الاستراتيجية معناها من موقعها داخل سلسلة من الإجراءات والأحداث، لأن العملية التي تبدو مناسبة في مرحلة معينة قد تصبح ضارة إذا نُفذت قبل استكمال شروطها، أو إذا جاءت بعد تطورات أضعفت فرص نجاحها. ولذلك لا يكفي تحديد الأهداف والوسائل، بل ينبغي أيضًا معرفة الترتيب الذي يسمح بتحقيق الغايات بأقل قدر ممكن من المخاطر والتكاليف.
فقد تحتاج الدولة إلى بناء تحالف سياسي قبل بدء العمليات، أو تأمين طرق الإمداد قبل توسيع المواجهة، أو إعداد تصور للتسوية قبل الوصول إلى مرحلة يصعب فيها التحكم بمسار الحرب. كما أن توقيت العمليات قد يؤثر في استعداد الخصم، ومواقف الأطراف الخارجية، وقدرة المجتمع على تحمل الأعباء.
وتبرز أهمية التسلسل في العلاقة بين العمليات العسكرية والنتائج السياسية. فقد يؤدي النجاح العسكري السريع إلى انهيار مؤسسات كانت تؤدي وظائف أساسية، بينما تكون الدولة التي نفذت العملية غير مستعدة لإدارة الفراغ الناشئ. وفي هذه الحالة يصبح النجاح الأولي سببًا في ظهور تحديات جديدة، لم تكن محسوبة ضمن الخطة الأصلية.
كما أن بعض القرارات قد تغلق خيارات كانت متاحة قبل اتخاذها. فالتصعيد العسكري قد يضعف فرص الوساطة، والتهديدات العلنية قد تجعل التراجع أكثر صعوبة، ورفع سقف المطالب قد يحول تسوية ممكنة إلى اتفاق غير مقبول سياسيًا لأحد الأطراف.
ويكشف ذلك أن التفكير الاستراتيجي يحتاج إلى تقدير النتائج المتتابعة، وليس النتيجة المباشرة لكل قرار وحده. فالعملية التي تحقق فائدة عسكرية عاجلة قد تنتج تكلفة سياسية لاحقة، كما أن قرارًا يبدو محدود الأثر في البداية قد يفتح فرصًا واسعة في مرحلة تالية.
وتبقى القدرة على توقع جميع النتائج محدودة، لأن الخصم والأطراف الأخرى لا يتحركون وفق خطة الطرف الذي بدأ العمليات. ولهذا فإن التخطيط الجيد يحتاج إلى بدائل قابلة للتنفيذ، وإلى آليات مراجعة تسمح بتعديل التسلسل عندما تتغير الظروف.
نظرية النصر.. الحلقة المفقودة بين العمليات والنتائج
تمثل نظرية النصر أحد المفاهيم المركزية في التفكير الاستراتيجي، لأنها تتعلق بتفسير الكيفية التي ستؤدي بها الوسائل المستخدمة إلى تحقيق الهدف السياسي. فوجود قوات كبيرة وخطة عمليات واضحة لا يكفي لإثبات أن الحرب ستصل إلى النتيجة المطلوبة، ما لم توجد علاقة سببية معقولة بين ما يجري في الميدان وما يُراد تحقيقه في السياسة.
ويظهر هذا الخلل عندما تفترض القيادة أن تدمير منشآت الخصم أو إلحاق خسائر كبيرة بقواته سيدفعه تلقائيًا إلى قبول الشروط المطروحة. فقد يؤدي الضغط العسكري إلى التراجع في بعض الحالات، لكنه قد يدفع إلى مزيد من المقاومة في حالات أخرى، أو إلى تغيير طبيعة الحرب واستخدام وسائل جديدة.
وتحتاج نظرية النصر إلى تفسير سلوك الخصم المتوقع، والظروف التي قد تدفعه إلى تغيير موقفه، والموارد اللازمة للاستمرار حتى الوصول إلى تلك الظروف. كما ينبغي أن توضح طبيعة النتيجة السياسية التي ستنشأ بعد انتهاء العمليات، والجهات القادرة على المحافظة عليها.
فإذا كان الهدف إيقاف تهديد عسكري محدد، فإن نجاح الاستراتيجية يتطلب معرفة ما إذا كان تدمير بعض القدرات سيمنع تجدد التهديد، أو أن الخصم يستطيع إعادة بنائها خلال فترة قصيرة. وإذا كان الهدف تغيير سلوك دولة، فينبغي تقدير ما إذا كانت القيادة المستهدفة تمتلك القدرة السياسية على تقديم التنازلات المطلوبة، وما إذا كانت الضغوط المفروضة عليها ستدفعها نحو التسوية أو التشدد.
أما إذا كانت الغاية تغيير نظام سياسي، فإن التعقيد يصبح أكبر، لأن إسقاط القيادة لا يعني تلقائيًا ظهور سلطة بديلة مستقرة وقادرة على إدارة المجتمع. وقد تنشأ صراعات جديدة بين القوى الداخلية، أو تتراجع الخدمات العامة، أو تتوسع تدخلات الأطراف الخارجية، بما يجعل النتيجة النهائية بعيدة عن الأهداف المعلنة.
وتبرز أهمية نظرية النصر أيضًا في تحديد شروط إنهاء الحرب. فالقيادة التي لا تمتلك تصورًا واضحًا للنتيجة المطلوبة قد تستمر في العمليات اعتمادًا على النجاحات الجزئية، من دون معرفة المرحلة التي يصبح فيها الاستمرار أقل فائدة من الانتقال إلى تسوية سياسية.
ومن الناحية التحليلية، تمثل نظرية النصر اختبارًا لجودة الاستراتيجية قبل اختبارها في الميدان. فهي تجبر صانع القرار على تفسير الافتراضات التي يقوم عليها اختياره، وتحديد الروابط بين العمليات والنتائج، والاعتراف بالمراحل التي قد تفشل فيها الخطة.
وهذا ما يمنحها أهمية تتجاوز المجال العسكري، لأنها تضع أمام كل مؤسسة سياسية مشكلة العلاقة بين ما تستطيع فعله وما تريد الوصول إليه، وتمنع الخلط بين النشاط والإنجاز، أو بين امتلاك الوسائل وتحقيق الغايات.
الأخطاء النفسية.. عندما تصبح طريقة التفكير مصدرًا للفشل
لا تقتصر صعوبة الاستراتيجية على تعقيد الظروف الخارجية، بل ترتبط كذلك بالطبيعة البشرية لصانعي القرار. فالقيادات السياسية والعسكرية تتأثر بالخبرات السابقة، والانطباعات الشخصية، والمخاوف، والطموحات، والثقة بالنفس، والضغوط المؤسسية، وقد يؤدي ذلك إلى أخطاء في تفسير المعلومات وتقدير المخاطر.
ويعطي كوهين أهمية لهذه العوامل، لأنها تساعد على تفسير استمرار الأخطاء حتى عندما تتوافر المعلومات والخبرات والموارد. فقد يعرف القائد أن الحرب تتضمن احتمالات غير متوقعة، لكنه يظل ميالًا إلى ترجيح السيناريو الذي يؤكد توقعاته السابقة، أو التقليل من قيمة المعلومات التي تتعارض معها.
ومن أبرز هذه المشكلات الثقة المفرطة، التي تجعل القيادة تعتقد أنها تمتلك فهمًا كافيًا للخصم والبيئة المحيطة، وأن تفوقها العسكري سيمنحها القدرة على التحكم بمسار الأحداث. وقد تتعزز هذه الثقة نتيجة نجاحات سابقة، فتتحول الخبرة من مصدر للتعلم إلى سبب لإهمال الاختلاف بين الظروف.
وتظهر مشكلة أخرى في الاعتماد على المقارنات التاريخية بصورة غير دقيقة. فقد يستدعي القائد تجربة عسكرية ناجحة ليبرر قرارًا جديدًا، دون الانتباه إلى اختلاف البيئة السياسية أو طبيعة الخصم أو مستوى الدعم الدولي أو القدرة على تحمل الخسائر.
ويشير كوهين إلى أمثلة تاريخية تتعلق بسوء التقدير في الحروب الكبرى، ومنها تقديرات القيادة الألمانية لقدرات الاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية. وتوضح هذه الأمثلة أن المعرفة المسبقة بالخصم لا تمنع الخطأ إذا كانت القيادة تنتقي من المعلومات ما يتوافق مع تصوراتها.
كما أن الضغوط النفسية والجسدية قد تؤثر في جودة القرارات، خصوصًا خلال الأزمات الممتدة التي تتطلب متابعة مستمرة وتقييمًا سريعًا لمعلومات متغيرة. فالإجهاد وقلة النوم والضغط السياسي قد تقلل قدرة القائد على مراجعة البدائل والتعامل المتوازن مع المخاطر.
وتتصل بهذه العوامل مشكلة الارتساء المعرفي، حين يتمسك الإنسان بتقدير أولي ويجعل المعلومات اللاحقة تدور حوله، بدل إعادة بناء التقدير من جديد. وقد تتخذ القيادة قرارًا على أساس أن الخصم ضعيف أو أن الحرب ستكون قصيرة، ثم تستمر في تفسير الأحداث اللاحقة ضمن هذا التصور رغم ظهور مؤشرات معاكسة.
وتكشف هذه المشكلات أن جودة التفكير الاستراتيجي لا تتحدد بكمية المعلومات وحدها، وإنما بالطريقة التي يجري بها استقبالها وتصنيفها وتفسيرها. فقد تمتلك مؤسستان المعلومات نفسها، لكن إحداهما تستخدمها لتصحيح افتراضاتها، بينما توظفها الأخرى لتأكيد قرارات اتخذتها مسبقًا.
ومن هنا تأتي أهمية التواضع المعرفي بوصفه استعدادًا للاعتراف بحدود المعرفة، وقبول احتمال الخطأ، ومراجعة التقديرات عندما تظهر أدلة جديدة. فالقائد الذي يعتقد أنه يمتلك صورة نهائية عن الواقع يصبح أقل قدرة على التعامل مع التحولات المفاجئة، بينما تساعده المرونة العقلية على تعديل مساره قبل أن تتراكم التكاليف.
التفكير الجماعي.. كيف تنتج المؤسسات أخطاء مشتركة؟
تتخذ القرارات الاستراتيجية الكبرى عادة داخل مؤسسات تضم مسؤولين سياسيين وعسكريين واستخباريين ومستشارين متخصصين. ومن المفترض أن يؤدي هذا التنوع إلى تحسين جودة التقدير، لأنه يسمح بمقارنة المعلومات وتبادل الآراء واختبار البدائل. لكن المؤسسات قد تتحول أحيانًا إلى بيئات تعزز القناعات المشتركة وتضعف القدرة على الاعتراض.
وتعرف هذه الظاهرة في علم النفس الاجتماعي بالتفكير الجماعي، حين يصبح المحافظة على الانسجام داخل المجموعة أكثر أهمية من اختبار صحة القرار. وقد يتجنب بعض الأعضاء طرح التحذيرات خشية مخالفة الاتجاه السائد، بينما يميل آخرون إلى تقديم المعلومات التي تؤيد موقف القيادة.
وتزداد المشكلة عندما تتشكل حول صانع القرار دائرة ضيقة من المستشارين الذين يتقاسمون الخلفيات الفكرية نفسها أو يعتمدون على المصادر ذاتها. ففي هذه الحالة قد تبدو التقديرات متوافقة، لكنها لا تعكس بالضرورة مراجعة مستقلة للمعلومات.
كما أن الثقافة المؤسسية التي تكافئ التأييد وتتعامل مع الاختلاف بوصفه ضعفًا في الولاء قد تدفع المسؤولين إلى إخفاء المشكلات أو التقليل من حجمها. وتصبح المؤسسة أكثر عرضة لاتخاذ قرارات تعتمد على صورة غير مكتملة عن الواقع.
وتبرز خطورة التفكير الجماعي في الحروب لأن الأخطاء لا تبقى محصورة في حدود المؤسسة، بل تتحول إلى خسائر بشرية واقتصادية وسياسية. فقد يؤدي تجاهل تحذير يتعلق بقدرات الخصم إلى عملية غير محسوبة، أو يؤدي التقليل من صعوبة إدارة المناطق بعد السيطرة عليها إلى التزامات طويلة الأمد.
وتحتاج مواجهة هذه المشكلة إلى إجراءات مؤسسية تضمن استقلال التقييم، وتشجع تقديم الآراء المخالفة، وتسمح بمراجعة القرارات دون تحويل ذلك إلى صراع شخصي أو سياسي.
ومن الوسائل المفيدة تشكيل فرق تتولى اختبار الافتراضات الأساسية، والبحث عن نقاط الضعف في الخطط، وتقديم سيناريوهات بديلة. كما يمكن تكليف جهات مستقلة بمراجعة التقديرات الاستخبارية والعسكرية، بحيث لا تصبح المؤسسة التي وضعت الخطة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن تقييمها.
لكن وجود هذه الآليات لا يضمن نجاحها إذا كانت القيادة لا تتقبل النتائج المخالفة لتوقعاتها. فالقيمة الحقيقية للمراجعة تكمن في استعداد صانع القرار لتغيير موقفه عندما تظهر أدلة أقوى.
ويؤدي ذلك إلى نتيجة مهمة، وهي أن جودة الاستراتيجية تعتمد على تصميم المؤسسات بقدر اعتمادها على كفاءة الأفراد. فالقائد المتمكن يحتاج إلى بيئة تسمح بوصول المعلومات الصحيحة، وتمنع إخفاء الأخطاء، وتوفر له القدرة على المقارنة بين البدائل قبل اتخاذ القرارات.
صفات المفكر الاستراتيجي.. المعرفة والتواضع والشجاعة الأخلاقية
يبحث كوهين في الصفات التي تساعد الإنسان على التفكير الاستراتيجي بصورة أفضل، مع إدراكه أن الاستراتيجية لا يمكن تحويلها إلى مجموعة قواعد تضمن النجاح في جميع الظروف.
وتأتي المعرفة التاريخية في مقدمة هذه الصفات، لأنها توفر خبرة غير مباشرة بالتجارب التي خاضتها الدول والقادة، وتساعد على فهم أنماط الأخطاء والنجاحات. غير أن الاستفادة من التاريخ تحتاج إلى القدرة على المقارنة الدقيقة، لا إلى تكرار النماذج السابقة بصورة آلية.
كما تبرز أهمية الفضول المعرفي، الذي يدفع القائد إلى البحث عن معلومات جديدة، وفهم وجهات النظر المختلفة، وعدم الاكتفاء بالتفسيرات المريحة. ويساعد هذا الفضول على اكتشاف العوامل التي قد تكون غائبة عن التصور الأولي، وعلى إدراك أن الخصم يمتلك دوافع وحسابات قد تختلف جذريًا عن حسابات الطرف الآخر.
ويحتل التواضع المعرفي موقعًا أساسيًا في هذه العملية، لأنه يحد من الثقة المفرطة ويجعل مراجعة التقديرات جزءًا طبيعيًا من ممارسة القيادة. فالتواضع هنا لا يعني التردد أو العجز عن اتخاذ القرار، وإنما إدراك أن المعلومات ناقصة، وأن بعض الافتراضات قد تكون خاطئة، وأن النجاح السابق لا يضمن النجاح في الظروف الجديدة.
وتبرز كذلك الشجاعة الأخلاقية، التي تسمح للقائد أو المستشار بالاعتراف بالحقائق غير المريحة، وطرح التحذيرات، ومخالفة الاتجاه السائد عندما تستدعي الأدلة ذلك. وقد تكون هذه الشجاعة أكثر صعوبة من اتخاذ موقف حاسم في الظروف العادية، لأنها قد تتطلب مواجهة ضغوط سياسية ومؤسسية كبيرة.
ويشير كوهين إلى أهمية القدرة على فهم منظور الآخرين، وهو ما يمكن وصفه بالتعاطف المعرفي، أي محاولة إدراك الطريقة التي يرى بها الخصم العالم ويحدد مصالحه ومخاوفه. ولا يعني هذا تبني مواقفه أو تبرير أفعاله، وإنما استخدام الفهم الدقيق لتوقع سلوكه وتقدير خياراته.
وتتكامل هذه الصفات مع القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. فالتفكير الاستراتيجي لا يهدف إلى إزالة عدم اليقين بصورة كاملة، لأن ذلك غير ممكن في الحروب، بل إلى تحسين نوعية القرارات رغم استمرار الغموض.
ومن هنا يمكن فهم الاستراتيجية بوصفها ممارسة تجمع المعرفة والخبرة والحكم العملي والصفات الشخصية. وقد يستطيع الإنسان دراسة تاريخ الحروب ونظريات القوة، لكنه يظل بحاجة إلى تنمية القدرة على التقدير والمراجعة وضبط الانفعالات وتحمل مسؤولية النتائج.
التكنولوجيا الحديثة.. تطور الوسائل واستمرار المعضلة الاستراتيجية
تتغير طبيعة الحروب المعاصرة بفعل التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأنظمة المستقلة والاستطلاع الفضائي والحرب السيبرانية. وقد أصبحت بعض العمليات تعتمد على معالجة كميات كبيرة من البيانات وتبادل المعلومات بسرعة تسمح باتخاذ قرارات خلال فترات زمنية قصيرة.
وتوفر هذه التقنيات إمكانات جديدة لتحسين الاستطلاع وتحديد الأهداف وتنسيق العمليات، لكنها تفرض في الوقت نفسه تحديات تتعلق بدقة المعلومات، وسلامة الأنظمة، وحماية الاتصالات، وحدود الرقابة البشرية.
ويظهر أثر التكنولوجيا في تغيير العلاقة بين القوة والكلفة. فقد تستطيع وسائل منخفضة التكلفة نسبيًا تهديد منشآت أو معدات مرتفعة الثمن، كما قد تفرض الهجمات المتكررة استهلاك كميات كبيرة من وسائل الدفاع والاعتراض. ويؤدي ذلك إلى تغير الحسابات التقليدية المتعلقة بالتفوق العسكري، لأن امتلاك المنظومة الأكثر تقدمًا لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الاقتصادية على استخدامها بصورة مستمرة.
كما أن سرعة انتقال المعلومات قد تخلق ضغطًا إضافيًا على صانع القرار، إذ يصبح مطالبًا بالاستجابة إلى أحداث متلاحقة قبل استكمال التحقق من جميع تفاصيلها. وقد يؤدي الاعتماد المفرط على الأنظمة الآلية إلى تقليص المساحة المتاحة للمراجعة البشرية، خصوصًا عندما تتداخل العمليات العسكرية مع قرارات سياسية حساسة.
وتكشف هذه التحولات عن استمرار أهمية الأسئلة الاستراتيجية الأساسية التي يعالجها كوهين. فالتكنولوجيا تستطيع تحسين الوسائل، لكنها لا تحدد وحدها الأهداف السياسية، ولا تضمن فهم الخصم، ولا تستطيع إزالة التناقضات بين المصالح أو التحكم بجميع النتائج.
وقد يؤدي التفوق التكنولوجي نفسه إلى أخطاء جديدة إذا اعتقدت القيادة أن القدرة على اكتشاف الأهداف وضربها تعني القدرة على إخضاع الخصم سياسيًا. فالتأثير العسكري المباشر يظل جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالإرادة والمجتمع والمؤسسات والتحالفات والموارد.
ومن الناحية التحليلية، تزداد أهمية الاستراتيجية كلما اتسعت القدرة التقنية على استخدام القوة، لأن تعدد الخيارات العسكرية يحتاج إلى معايير أكثر دقة لاختيار الوسيلة الملائمة، وتقدير تكلفتها، وتحديد الظروف التي يصبح فيها استخدامها مناسبًا أو غير مناسب.
وبذلك لا يؤدي التطور التكنولوجي إلى تجاوز الاستراتيجية، وإنما يزيد الحاجة إلى فهمها وممارستها بصورة أكثر انضباطًا.
القيمة الفكرية للكتاب وحدود أطروحته
تتمثل القيمة الأساسية لكتاب «الاستراتيجي» في إعادة وضع التفكير السياسي في مركز دراسة الحروب، بعد أن أصبحت بعض النقاشات العسكرية المعاصرة تركز بصورة واسعة على الأسلحة والتكنولوجيا والقدرات التشغيلية. ويذكر الكتاب بأن الوسائل العسكرية، مهما بلغت درجة تطورها، تظل أدوات لتحقيق أهداف سياسية، وأن نجاحها ينبغي أن يقاس بمدى إسهامها في تحقيق تلك الأهداف.
وتبرز أهمية هذا التوجه في ثلاثة جوانب مترابطة. يتعلق الأول بتصحيح الخلط بين النجاح العسكري والنصر السياسي، لأن النتائج الميدانية لا تكفي وحدها لتقييم الحرب. أما الثاني فيتعلق بإعادة الاعتبار إلى العوامل النفسية والمؤسسية التي تؤثر في صناعة القرار، وتفسير استمرار الأخطاء رغم تقدم المعرفة والقدرات التقنية. ويتمثل الجانب الثالث في التعامل مع الاستراتيجية بوصفها عملية تعلم ومراجعة مستمرة، لا خطة جامدة يجري تنفيذها بصرف النظر عن تغير الظروف.
ويمنح اعتماد كوهين على الأمثلة التاريخية أطروحته بعدًا تطبيقيًا، لأن دراسة القرارات السابقة تساعد على فهم طبيعة القيود التي واجهت القادة، وكيف تفاعلت المعلومات الناقصة مع الضغوط السياسية والشخصية والمؤسسية.
لكن الاستفادة من التاريخ تحتاج إلى الحذر من تحويل التجارب إلى قوانين عامة. فكل حرب تنشأ داخل ظروف خاصة تتعلق بتوزيع القوة وطبيعة الأطراف والبيئة الدولية والقدرات الاقتصادية والاجتماعية. وقد تتشابه بعض الأخطاء بين الحروب، بينما تختلف نتائجها بسبب تغير الظروف.
كما أن تجربة كوهين المهنية والفكرية داخل المؤسسات الأميركية تمنح تحليله معرفة مباشرة ببعض آليات صنع القرار، لكنها تجعل من الضروري التمييز بين المبادئ العامة التي يعرضها وتقييماته السياسية الخاصة. فانتقاده لقرارات إدارة معينة، أو تفسيره لدوافع دولة أخرى، ينبغي أن يخضع للمراجعة في ضوء الأدلة المتاحة، وألا يتحول إلى حقيقة مسلّم بها لمجرد وروده في إطار تحليل استراتيجي.
وتبرز كذلك حدود التركيز على الفاعلية الاستراتيجية وحدها. فالاستراتيجية الناجحة من حيث تحقيق الهدف السياسي قد تثير إشكالات أخلاقية وقانونية وإنسانية تتعلق بالوسائل المستخدمة وكلفة الحرب على المدنيين. ولذلك يحتاج تقييم القرار إلى الجمع بين قدرته على تحقيق الغايات، ومدى مشروعية تلك الغايات والوسائل، وآثاره في المجتمعات والأجيال اللاحقة.
ومن المهم أيضًا توسيع مفهوم النجاح ليشمل القدرة على تجنب الحرب عندما تتوافر وسائل سياسية تحقق المصالح المطلوبة بكلفة أقل. فالتفكير الاستراتيجي لا يقتصر على اختيار أفضل طريقة لاستخدام القوة، بل يشمل تقدير الحاجة إلى استخدامها أصلًا، ومقارنة نتائجها المحتملة ببدائل الدبلوماسية والردع والتسوية.
وهذا التوسع يمثل استنتاجًا تحليليًا من القضايا التي يطرحها الكتاب، وليس حكمًا بأن كوهين يمنح جميع هذه الأبعاد الوزن نفسه في معالجته.
وتتضح أهمية القراءة بالنسبة إلى المجتمعات التي تواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية متداخلة، لأن سوء التقدير الاستراتيجي قد يؤدي إلى استنزاف الموارد وتعطيل التنمية وإضعاف المؤسسات، حتى عندما تكون القرارات الأولى مدفوعة بأهداف تبدو واضحة أو ضرورية.
ومن هنا يمكن الإفادة من الكتاب في دراسة كفاءة القرار السياسي عمومًا، مع المحافظة على التمييز بين الاستراتيجية العسكرية ومجالات الإدارة المدنية التي تختلف في طبيعة أدواتها ونتائجها.
الخاتمة: الاستراتيجية بوصفها قدرة على ضبط القوة
يقدم كتاب «الاستراتيجي.. كيف نفكر في الحرب والسياسة؟» تصورًا يساعد على فهم الأسباب التي تجعل امتلاك القوة غير كافٍ لتحقيق النجاح السياسي. وتقوم أطروحته على أن الاستراتيجية عملية معقدة تتطلب فهم البيئة والخصم والقدرات الذاتية، وتحديد الأهداف والأولويات، واختيار الوسائل وتسلسل العمليات، وبناء تصور معقول للكيفية التي ستؤدي بها تلك الوسائل إلى تحقيق النتائج المطلوبة.
وتكشف القراءة أن أخطاء الحروب لا تنشأ دائمًا من ضعف الموارد أو التفوق العسكري للخصم، بل قد تنتج من الطريقة التي يفكر بها صانع القرار، ومن الثقافة المؤسسية التي تحيط به، ومن عدم الاستعداد لمراجعة الافتراضات عندما تتغير الظروف.
ويمكن استخلاص سبعة استنتاجات أساسية:
1. القوة العسكرية وسيلة وليست غاية. وتتحدد قيمتها الاستراتيجية بقدرتها على تحقيق نتائج سياسية واضحة ومستدامة، وليس بحجم الدمار أو عدد العمليات الناجحة وحدهما.
2. فهم الخصم والبيئة المحيطة شرط لصحة التقدير. فالحرب تتأثر بالإرادة السياسية والتحالفات والاقتصاد والمجتمع، ولا يمكن تفسير مسارها من خلال موازين القوة العسكرية وحدها.
3. وضوح الأهداف والتناسب بينها وبين الموارد يحدان من الاستنزاف. وكلما اتسعت الغايات دون زيادة مقابلة في القدرة على تحقيقها، ارتفعت احتمالات إطالة الحرب وتراكم تكلفتها.
4. ترتيب الأولويات وتسلسل العمليات يؤثران في النتائج. فالقرار المناسب قد يفشل إذا اتخذ في توقيت غير ملائم، أو إذا لم تتهيأ الظروف السياسية والمؤسسية اللازمة لاستثمار نتائجه.
5. التحيزات النفسية والتفكير الجماعي من مصادر الخطأ الاستراتيجي. وقد تتحول الثقة المفرطة والتجارب السابقة وضغوط المؤسسة إلى عوائق تمنع فهم الواقع بصورة دقيقة.
6. المراجعة والتواضع المعرفي والشجاعة الأخلاقية تعزز جودة القرار. فالقدرة على الاعتراف بالخطأ وتعديل المسار تمثل عنصرًا من عناصر الكفاءة الاستراتيجية، وليست دليلًا على ضعف القيادة.
7. التقدم التكنولوجي يزيد أهمية التفكير الاستراتيجي. فالأدوات الحديثة توسع القدرة على استخدام القوة، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد الأهداف السياسية أو ضمان النتائج أو إزالة عدم اليقين.
وتقود هذه الاستنتاجات إلى فهم أوسع للاستراتيجية بوصفها قدرة على ضبط استخدام القوة وربطها بغايات محددة، مع إدراك أن الحرب تظل مجالًا تتداخل فيه الإرادات والمصالح والأخطاء والنتائج غير المتوقعة. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في عالم تتسارع فيه التطورات العسكرية والتكنولوجية، بينما تتزايد الحاجة إلى قرارات سياسية أكثر اتزانًا وقدرة على تقدير العواقب.
فالاستراتيجية الرصينة تبدأ من وضوح الغاية، وتستند إلى معرفة واقعية بالإمكانات والقيود، وتستمر من خلال مراجعة القرارات ونتائجها. أما النجاح الحقيقي فيتحدد بقدرة الدولة على تحقيق أمنها ومصالحها بأقل قدر ممكن من الخسائر، والمحافظة على الاستقرار الذي يفترض أن تخدمه القوة العسكرية.



اضف تعليق