إن الكفاءة سر كبير من أسرار النجاح في مختلف الميادين السياسية وغيرها، وعدم وجودها هو أسرار الفشل والتراجع. وكما يؤكد الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي، فإن الحاجة إلى القيادة الحكيمة ضرورة حتمية لنشوء الأمم، غير أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في ندرة الطاقات والكفاءات الوطنية، بل في الإقصاء المنهجي وإبعاد ذوي الخبرة والأمانة عن مواقع القرار لترسيخ التبعية والدكتاتوريات...
(إن الكفاءة سر كبير من أسرار النجاح في مختلف الميادين السياسية)
الإمام الشيرازي
يرى الإمام الشيرازي بأن الحاجة إلى القيادة تُعد أمرا مفروغا منه، حيث يظهر ذلك بشكل واضح من خلال التاريخ الإنساني وكيفية نشوء الأمم والحضارات، وهي ضرورة ملحة للمجتمع البشري؛ إذ لا بد له من قيادة حكيمة تمتلك من الصفات والقدرات ما يؤهلها لإدارة شؤون المجتمع، وتنظيم الطاقات، وتطوير قدرات الأفراد وزيادة مهاراته.
ولهذا فإن القيادة ليست مجرد سلطة رسمية أو نفوذ مادي، بل هي مسيرة ملهمة قائمة على الرؤية الثاقبة والقدرة على التوجيه السليم، ومن خلالها تتوحد الجهود وتتضافر الإمكانات لتحقيق الأهداف المشتركة، وبث روح الأمل والعطاء في نفوس الأفراد، فالمجتمعات التي تفتقر إلى وجود قيادة واعية تسودها الفوضى والتخبط، وتتشتت فيها الجهود، وتضيع في دهاليز الخلافات، مما يعيق حركتها نحو التقدم والازدهار.
بينما القيادة الرشيدة تسهم في بناء دولة المؤسسات، وترسيخ قواعد العدالة، وتوفير البيئة المحفزة للابتكار والإنتاج. فالقائد الحقيقي هو من يمتلك الحكمة في اتخاذ القرارات المصيرية، والقدرة على مواجهة التحديات والأزمات بثبات واقتدار، ناهيك عن التزامه بالأخلاق الفاضلة والمبادئ النبيلة التي تجعله قدوة ومحط ثقة للجميع، وتظل القيادة الرشيدة الركيزة الأساسية والعمود الفقري لاستقرار الدول ونهضتها، والحصن المنيع الذي يحمي المكتسبات الحضارية للمجتمعات المختلفة، ويضمن استدامة النمو والازدهار لأجيال الحاضر والمستقبل على حد سواء.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (مواصفات القيادة الإسلامية):
(الحاجة إلى القيادة يكاد يكون أمراً مفروغاً منه، حيث أن ذلك أمرا واضحا من خلال تأريخ الإنسانية وكيفية نشوء الأمم والحضارات، وهي حاجة ضرورية للمجتمع الإنساني، فالمجتمع لابد له من قيادة تمتلك من الصفات الكمالية ما يؤهلها لإدارة البلاد وتطوير المجتمع الإنساني).
كذلك يؤكد الإمام الشيرازي في المصدر نفسه قائلا:
(إن الكفاءة سر كبير من أسرار النجاح في مختلف الميادين السياسية وغيرها؛ وعدم وجود الكفاءة من أسرار الفشل، لذلك نرى أن أعداء الإسلام من مستعمرين وغيرهم، حاولوا وما يزالوا يعملون على إبعاد الأشخاص الكفوئين عن التصدي للحكم في الدول الإسلامية).
الأساس الجوهري لنجاح القائد السياسي
يُنظَر للكفاءة على أنها سرّ جوهري من أسرار النجاح في مختلف الميادين، ولا سيما في المجال السياسي وإدارة شؤون الأمور، من جهة أخرى يمثل غياب الكفاءة وتغييب ذوي الخبرة والدراية أحد أبرز العوامل المؤدية إلى الفشل والتراجع ولهذا السبب، أدرك أعداء الأمة الإسلامية، من مستعمرين وقوى الهيمنة الخارجية، أهمية هذا المحور المفصلي.
لذا سعوا جاهدين ولا يزالون يعملون بمنهجية خبيثة على إبعاد الكفاءات الحقيقية والشخصيات المؤهلة عن التصدي لمقاليد الحكم ومراكز اتخاذ القرار في الدول الإسلامية لأن هذا المخطط يهدف بالأساس إلى إبقاء الأمة في حالة مستمرة من التبعية والضعف، وعرقلة أي مشروع نهضوي يستند إلى العلم والخبرة والإدارة الرشيدة.
ولن تتمكن المجتمعات الإسلامية من استعادة دورها الحضاري وتحقيق الاستقلال الفعلي إلا بالاعتماد على ذوي الكفاءة والأمانة والإخلاص والضمير المتيقّظ، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب لتصحيح المسار وبناء المستقبل.
لذلك يقول الإمام الشيرازي:
(إن الأعداء يركزون على تجريد القيادات في منطقة الشرق الأوسط ـ بشكل خاص ـ عن كل مظهر من شأنه أن يدلل على موضوع الكفاءة ويثبت بأن هناك قادة قادرين يمتلكون كفاءة عالية).
إننا نعاني اليوم أزمة حادة في إدارة الطاقات والكفاءات، ومشكلة متفاقمة تتجلى في عدم صلاحية الحكام لإدارة شؤون البلاد، ولا يكمن أصل هذه الأزمة في غياب العقول المبذولة أو ندرة الخبرات، فالكفاءات الوطنية والدينية متوفرة بغزارة في مختلف المجالات، وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في العجز عن تمكين هذه الطاقات وإبعادها القسري عن التواجد في مواقعها المستحقة التي يُفترض أن تحتلها.
إقصاء أصحاب الخبرة والأمانة وتغييب الدور القيادي للعلماء والمختصين يفرغ مؤسسات الدولة من مضمونها، ويفتح الباب واسعاً أمام التفرد بالسلطة واستبداد الرأي، مما يؤدي بالضرورة إلى ظهور الدكتاتوريات وهيمنة الأنظمة القمعية في أكثر البلدان الإسلامية.
ضبط القرارات السياسية وفق رؤية استراتيجية
ولا يمكن للمجتمعات أن تتجاوز هذه الحالة الراهنة وتستعيد عافيتها الحضارية إلا بكسر أغلال التهميش، وإعادة الاعتبار لمعايير النزاهة والاستحقاق، ليتسنّى لشرفاء الأمة وكفاءاتها القيادة والتوجيه، وبناء دولة العدل والمؤسسات التي تحقق التنمية والاستقرار وتصون كرامه الإنسان.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(نحن اليوم نعاني من أزمة الكفاءات، ومن مشكلة عدم صلاحية الحكام، وذلك ليس في أصل وجود الكفاءات، فالكفاءات موجود لكن المشكلة تكمن في عدم تمكنها من التواجد في مواقعها الحقيقية التي من المفروض أن تحتلها، وهذا يؤدي إلى ظهور الدكتاتوريات في أكثر البلدان الإسلامية).
من هنا تُعد الكفاءة واحدة من أهم الصفات المفصلية التي يجب أن يتحلى بها القائد الناجح؛ إذ يتوجب عليه أن يكون في مستوى المسؤولية الوطنية والمنصب الذي يشغله، ومستوعباً لأبعاد القرار السياسي وتبعاته، وذلك لكي تجنب التخبط في سياسته وتفادي القرارات العشوائية التي تنعكس سلباً على استقرار البلاد، فالقائد الكفء هو الذي يمتلك الرؤية الثاقبة والحكمة الإدارية التي تمكنه من قيادة الشعب والمجتمع بثبات ونحو آفاق التقدم والرقي والتطور الشامل.
ولا يتأتى ذلك إلا من خلال تهيئة بيئة آمنة تسودها أجواء الحرية والكرامة الإنسانية، وتصان فيها حقوق الأفراد وتستثمر فيها الطاقات الإبداعية. إن القيادة المستنيرة تدرك تماماً أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بالهيمنة والضغط، بل بالانفتاح على التقدم العصري والاستفادة من تجارب العصر مع الحفاظ على الأصالة والمبادئ.
ومن هذا المنطلق، يصبح توافر الكفاءة والخبرة في شخص القيادة هو الصمام الأمان الذي يحمي المجتمع من الانزلاق في أتون الأزمات، والركيزة الأساسية لبناء دولة المؤسسات والعدالة، حيث يشعر المواطن بكرامته ويسهم بفاعلية في صنع الحاضر والمستقبل، مما يعزز موقع الأمة بين الأمم المتقدمة ويضمن استدامة نهضتها وازدهارها عبر الأجيال.
الإمام الشيرازي يؤكد على هذه النقطة فيقول:
(إذاً، الكفاءة واحدة من تلك الصفات المهمة التي يجب أن يتحلى بها القائد، حيث لابد أن يكون في مستوى المنصب الذي يشغله، وفي مستوى القرار السياسي، لكي لا يتخبط في سياسته، ويتمكن قيادة الشعب والمجتمع نحو التقدم والرقي والتطور من خلال تهيئة أجواء الحرية والكرامة الإنسانية والتقدم العصري).
وبذلك يتضح أن القائد السياسي عندما يتميز بالكفاءة العالية في إدارة الشؤون السياسية والقطاعات المختلفة، ينعكس ذلك إيجاباً على مفاصل الدولة والمجتمع، حيث تظهر أولى النتائج في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، وضبط الإدارة وفق رؤية استراتيجية واضحة تمنع التخبط والعشوائية في اتخاذ القرارات، كما تسهم الكفاءة في ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وتفعيل نهج الشفافية ومكافحة الفساد، مما يعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم الرسمية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والخدمي، تثمر القيادة الكفء استثماراً أمثل للموارد الوطنية، وتهيئة بيئة محفزة للابتكار والإنتاج، مما يدفع عجلة التنمية المستدامة ويرفع مستوى معيشة الأفراد، فضلاً عن ذلك، تكفل الكفاءة السياسية تعزيز مكانة الدولة في المحفل الدولي، وصيانة سيادتها، وتوفير أجواء الحرية والكرامة الإنسانية التي تضمن للوطن التقدم والازدهار.



اضف تعليق