يناقش المقال مفهوم الجاهلية في القرآن الكريم بوصفه حالة تتجاوز الزمن التاريخي، ويعرض أربعة مظاهر رئيسة لها: حكم الجاهلية، وحميتها، وظنها، وتبرجها. ويربط هذه المظاهر بالعدل والعصبية والوعي والسلوك، مستشهدًا بآيات قرآنية وروايات ومواقف تاريخية، مع إبراز أثرها في الواقع المعاصر، والدعوة إلى استعادة ميزان الحق والكرامة والإنصاف...
لا تبدو الجاهلية في القرآن الكريم مجرد مرحلة تاريخية انتهت بظهور الإسلام. إنّ الآيات التي وصفت بعض مظاهرها تكشف لنا عن خلل أعمق في علاقة الإنسان بالحق. فالجاهلية، في هذه القراءة، هي أن يحول بين الإنسان والحق حاجز من الهوى أو العصبية أو الوهم أو السلوك الذي يستسلم لمعايير منحرفة.
قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾[1]، وقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾[2]، وقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾[3]، وقال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾.[4]
أولًا: حكم الجاهلية
إنّ الهوى يحجب الحق حين يجعل الإنسان مصلحته معيارًا للعدل، فيقبل الحكم إذا وافقه، ويرفضه إذا خالفه، ومظاهره كثيرة ومتكررة، منها حرمان المرأة من الإرث. ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾[5] في مقام تشريع الإرث ضمن هذا السياق، فإنّه يُشعر بذلك الحرمان الجاهلي للمرأة من الإرث.[6]
ولعلّ من مظاهر امتداد الجاهلية حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله حرمان فاطمة الزهراء عليها السلام من إرثها، وقد احتجّت على القوم في خطبتها الفدكية وأنكرت عليهم ما فعلوه من مظاهر الجاهلية، فكان صوتها يمثّل امتدادًا لصوت الرسالة في مواجهة الجاهلية، ومنعها من التسلّط على رقاب الأمة بعد النبي. وكانت عليها السلام مستندة في ذلك كله إلى كتاب الله تعالى حين قالت: «... وأنتم تزعمون ألا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون؟! ومن أحسن من حكمًا لقوم يوقنون. أفلا تعلمون؟ بلى، تجلّى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته. أيها المسلمون، أأُغلب على إرثي؟ يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك، ولا أرث أبي؟ "لقد جئت شيئًا فريًا". أفعلى عمد تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم...»[7]
إنّ حكم الجاهلية لا يرتبط بزمن بعينه، إنه يتجلى كلما عُطّل ميزان الحق، وأُخضعت الحقوق للأهواء والتأويلات التي تخدم المصالح. فالانتساب إلى الإسلام لا يعصم الإنسان من الوقوع في بعض مظاهر الجاهلية، ما لم يكن الاحتكام إلى كتاب الله والإنصاف في تطبيق أحكامه حاضرًا في المواقف العملية.
ومن هنا تكتسب احتجاجات السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام دلالتها في هذا السياق، إذ تجعل من مظلوميتها قضية غير شخصية ولا معزولة، فقد أقامت احتجاجها على سؤال قرآني يكشف التناقض بين الانتساب إلى الوحي ومخالفة مقتضاه: أفحكم الجاهلية يُبتغى حين يكون الحق واضحًا، وبعد أن جاء رسول الله بحكم من الله تعالى، وهو أحسن الأحكام؟
ثانيًا: حمية الجاهلية
من التعارف إلى معيار التفاضل
يضع القرآن الكريم أمام التصورات الجاهلية للانتماء ميزانًا جديدًا للكرامة الإنسانية، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.[8]
إنّ موضع التأمل الذي نريده هو الشطر الأخير من الآية، إذ لا يكتفي القرآن بتفسير التنوع الإنساني على أنه حقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للتنازع، وإنما يعيد تعريف معيار التفاضل نفسه، فليس الانتماء إلى شعب أو قبيلة أو جماعة مصدرًا ذاتيًا للكرامة، وإنما المعيار هو التقوى.
بهذا التحول، يفقد النسب واللون والقبيلة صلاحيتها لتكون أدلة مستقلة على التفوق، وتصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما يتحقق فيه من مسؤولية أخلاقية. ولا يعني ذلك أن الآية تلغي الانتماءات أو تدعو إلى محو الخصوصيات، ولكنها تنزع عنها حق التحول إلى امتياز أخلاقي موروث، يمنح صاحبه منزلة لم يكتسبها بعمله، أو يسوّغ له الانتقاص من غيره.
وهنا يتضح الفرق بين التعارف والعصبية، فالتعارف يتيح للإنسان أن يرى في الآخر شخصًا له كرامته وحقوقه، بينما تدفع العصبية إلى رؤيته من خلال موقعه من الجماعة التي ينتمي إليها. وحين تتحول الجماعة إلى ميزان للحقيقة والفضيلة، يصبح المرء مستعدًا للدفاع عن الخطأ إذا صدر عن جماعته، وإنكار الصواب إذا جاء من خارجها.
انتقال المبدأ من النص إلى الدولة
لم تكن مقاومة العصبية في التجربة الإسلامية مجرد خطاب أخلاقي، بل ظهرت في طريقة النبي (ص) في التعامل مع أصحابه وتعزيز مبدأ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال كلمته المشهورة: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى».[9] وسار على هديه وصيّه علي عليه السلام، حيث ظهرت آثار مقاومته للعصبية في قضايا الحكم وإدارة المال العام، وخاصة في التسوية في العطاء، وهي سياسة اصطدمت بتوقعات اجتماعية ومصالح استقرت في نفوس بعض الناس خلال مراحل سابقة.[10]
حين تولّى الإمام علي عليه السلام الخلافة، اتجه إلى التسوية في توزيع المال العام، ولم يرَ أن ما استقرّ في المجتمع من تفاوت ينبغي أن يستمر لمجرد أن الناس اعتادوه. فبيت المال، وفق النظرية الإسلامية في الإدارة المالية، ليس ملكًا للحاكم أو حاشيته، ولا مكافأة تمنحها السلطة لمن يرضيها، بل مال عام تحكم توزيعه معايير العدل والحقوق.
ومن هنا لم يكن التغيير العلوي مجرد تعديل في مقدار ما يناله هذا الشخص أو ذاك، لقد كان مساسًا بفكرة أوسع عن السلطة، مفادها: هل وظيفة الحكم تثبيت التراتبيات التي ألفها المجتمع، أم إخضاعها لمعيار العدل حين تتعارض معه؟
إنّ الفرق بين الأمرين كبير، لأن المساواة قد لا تواجه مقاومة بسبب غموض معناها، ولكن بسبب وضوح ما تقتضيه من تنازل. وقد يؤمن الإنسان بمبدأ العدالة في ذاته، لكنه يتردد في قبوله حين يصبح مطالبًا بأن يتعامل مع غيره على قدم المساواة، بعد أن كان يرى لنفسه منزلة استثنائية.
وهنا تتصل حمية الجاهلية بالعدالة اتصالًا مباشرًا، فحين يُمنح الإنسان امتيازًا بسبب انتمائه، ثم يرفض إخضاع هذا الامتياز لمعيار الإنصاف، يصبح انتماؤه حجابًا يحول بينه وبين رؤية الحق. وقد يكون الخطاب المعلن هو التقوى والمساواة، بينما تكشف الممارسة عن ولاء أعمق للمنفعة والمكانة.
وهكذا يمكن قراءة موقف الإمام علي من العطاء بوصفه اختبارًا عمليًا لمعيار التفاضل الذي قرره الإسلام (التقوى)، ليترك لنا هذا الموقف أسئلة تطفو على السطح، وتُعاد في كل زمان، لضمان استمرار الرقابة على سلوكيات أفراد المجتمع الإسلامي.
والأسئلة هي: هل تُقاس قيمة الإنسان بما ورثه من موقع اجتماعي، أم بما يقتضيه العدل من حقوق ومسؤوليات؟ وهل تُحترم المساواة حين توافق مصالحنا فقط، أم نلتزم بها حين تمس ما ألفناه من امتيازات؟
حمية الجاهلية: ما وراء القبيلة واللون
يقول تعالى في وصف موقف المشركين يوم الحديبية: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.[11]
في تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، يعني: قريشًا وسهيل بن عمرو حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: لا نعرف الرحمن الرحيم، وقولهم: لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك... فاكتب: محمد بن عبد الله.[12]
تدل الحمية في هذا السياق على انفعال يتجاوز الاعتزاز الطبيعي بالنفس أو الجماعة، فيتحول إلى اندفاع يحول دون الإنصاف،[13] ويجعل الإنسان أسيرًا لما يريد إثباته أو الدفاع عنه، حتى لو اقتضى ذلك رفض الحق.
إنّ الجاهلية، بهذا المعنى، ليست مجرد زمن انقضى، فقد تنقضي صورها التاريخية وتبقى آلياتها حاضرة في الوعي والسلوك. وكلما جعل الإنسان انتماءه مبررًا للتعالي، أو دافع عن جماعته لأنها جماعته لا لأنها على حق، أعاد إنتاج شيء من تلك الحمية، وذلك على كرّ العصور ومرّ الدهور، ولو كان متسربلًا بلباس الإسلام.
ثالثًا: ظن الجاهلية.. حين تحجب المخاوف نور الحقيقة
قال تعالى في وصف حال بعض المسلمين يوم أُحد: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.[14]
تكشف الآية الكريمة كيف يمكن للخوف والتصورات المنحرفة أن تحجب رؤية الواقع، فيرى الإنسان الأحداث من خلال أوهامه لا على حقيقتها.
وتروي الأخبار أنه بعد انصراف المشركين عن المسلمين يوم أُحد، توعّدوا بالعودة إلى قتالهم في العام التالي عند بدر. فبعث النبي صلى الله عليه وآله من يستطلع أخبارهم، وأخبر المسلمين بما يدل على أنهم إن انصرفوا عن أمتعتهم ومضوا مسرعين فلن يعودوا لقتالهم. فلما رآهم الرسول قد انطلقوا، بشّر المسلمين بانصرافهم، فاطمأنّ المؤمنون وناموا، بينما ظلّ بعض المنافقين قلقين، يتوقعون عودة العدو، ويظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.[15]
وتكشف هذه الحادثة أن ظنّ الجاهلية ليس مجرد نقص في المعلومات، بقدر ما هو رؤية تحكمها المخاوف والأوهام حتى تحجب عن الإنسان إمكان الثقة بالحقيقة. فبدل أن يقرأ الواقع في ضوء ما لديه من شواهد، يستسلم لتوقعاته القلقة، ويجعل مخاوفه معيارًا لتفسير الأحداث.
وهكذا فإنّ سوء الظن بالله يصبح ثمرة لوعي استولى عليه الخوف، لا مجرد فكرة خاطئة فحسب، لأن الإنسان وقتئذ لا يعود يرى الأحداث إلا من خلال توقعاته القلقة. وفي المقابل، لا يعني حسن الظن بالله إنكار المخاطر أو ضمان النتائج التي يتمناها الإنسان، فينبغي له الثقة بحكمته مع الأخذ بالأسباب، حتى حين لا تتضح له عواقب الأمور.
إذن، يمكن فهم ظنّ الجاهلية على أنه نقيض للتنوير الذي يمثله الإسلام في بناء العقل والوعي، فالإسلام لا يدعو الإنسان إلى الاستسلام للأوهام أو تعطيل التفكير، إنه يحرره من سلطان الظن حين ينفصل عن الدليل، ويدعوه إلى النظر والتثبت وحسن التوكل على الله.
فإذا كانت الجاهلية تحبس العقل داخل أوهامه، فإن التنوير الإسلامي يفتح نوافذه على الحقيقة، وإذا كان ظن الجاهلية يجعل الخوف مصدرًا للمعرفة، فإنّ الوعي المستنير يردّ الظن إلى ميزان الدليل، ويجمع بين بصيرة العقل والثقة بالله تعالى.
رابعًا: تبرّج الجاهلية.. إذا انفصلت الزينة عن منظومة العفة
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾.[16]
جاء في بعض التفاسير في بيان معنى التبرّج والجاهلية الأولى: التبرّج: التبختر وإظهار الزينة، وما يُستدعى به من شهوة الرجال وإبراز المحاسن للناس.[17]
إنّ وصف التبرّج بالجاهلية لا يجعل الجاهلية مجرد حقبة تاريخية انتهت، وإنما يفتح باب التساؤل عن إمكان استمرار بعض أنماطها في مجتمعات تتغير أسماؤها وعصورها. فالمجتمع قد يتجاوز مظاهر قديمة، لكنه يعيد إنتاج بعض قيمها في صور جديدة، لأنّ تغيير الزمن لا يضمن وحده تغيير منظومة القيم التي تحكم السلوك.
الزينة والعفّة: توازن الحياة مع الكرامة
إنّ الإسلام، إذ يدعو إلى الحياة، لا يجعل كل ما يرغبه الإنسان مباحًا بلا حدود، كما أنه لا يجعل الالتزام الأخلاقي خصومة مع الحياة وجمالها. إنه يسعى إلى التوازن، فلا تُختزل المرأة في جسدها، ولا يُختزل الجمال في الإثارة، ولا تتحول الزينة إلى معيار تُقاس به قيمة الإنسان. وبهذا المعنى، تكون العفّة والحشمة جزءًا من رؤية أوسع للكرامة الإنسانية، لا دعوة إلى إلغاء الجمال أو محاربة مظاهر الحياة.
تحوّل الزينة إلى صناعة اجتماعية
إنّ مشكلة التبرّج تتجاوز، في بعض صورها، حدود الاختيار الفردي لتتصل بثقافة اجتماعية واقتصادية تصنع معايير الجمال، وتعيد ترويجها عبر الإعلان والإعلام وصناعة الترفيه. ففي بعض هذه المجالات، يجري تسويق الجسد بوصفه وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق الربح، وتُربط قيمة المرأة بمقدار ما تحظى به من إعجاب بصري، حتى تصبح صورتها مادة استهلاكية تتنافس المؤسسات على توظيفها.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز المظهر: من يصنع معايير الجمال التي يتبناها المجتمع؟ وهل تنشأ هذه المعايير دائمًا من حاجات الإنسان واختياراته الحرة، أم تسهم المصالح التجارية والإعلامية في توجيهها، حتى يشعر الإنسان بأنّ عليه أن يطابق صورة محددة كي يحظى بالقبول؟
إنّ خطورة هذه الثقافة تكمن في قدرتها على تحويل الإنسان من ذات لها عقلها وقيمها وكرامتها إلى صورة تُستهلك وتُقيَّم بحسب قدرتها على استقطاب الأنظار. وحين يتكرّر هذا التصوّر في الفضاء العام، قد ينعكس على نظرة المجتمع إلى المرأة، وعلى معايير تقديرها، وعلى طبيعة العلاقات الإنسانية نفسها.
ومن هنا يتصل نقد التبرّج بمقاومة اختزال الإنسان في مظهره، وبالسعي إلى مجتمع لا يجعل الجسد أداة للربح أو معيارًا للقيمة. وهذا كلّه يمكن أن يكون من مفردات «تبرّج الجاهلية».
وهنا نؤكد أنّ هذه ليست دعوة إلى رفض الجمال أو التضييق على الحياة، ولكنها دعوة إلى تحريرهما من ثقافة الاستهلاك التي قد توظفهما لخدمة مصالحها، وإلى إعادة الاعتبار للإنسان بما يحمله من عقل وكرامة ومسؤولية.
حين تُفرض الحداثة ويُقيَّد الاختيار
إذا كانت الحشمة التزامًا دينيًا تؤمن المرأة بوجوبه وتختاره عن قناعة، فإنّ إجبارها أو التضييق عليها من أجل التخلّي عنه يطرح إشكالًا يتصل بحرية الاعتقاد والحق في التعليم. فالدعوة إلى تحرير الإنسان تفقد اتساقها حين تتحول إلى فرض نمط واحد من المظهر عليه، أو حين يصبح الالتزام الديني سببًا لحرمانه من حق أساسي.
وفي هذا السياق، تبرز القيود التي شهدتها المدارس الحكومية في أذربيجان خلال عام 2026 بوصفها مثالًا معاصرًا على التوتر بين قواعد اللباس المدرسي والحرية الدينية. فقد أثار تعديل قواعد الزي المدرسي جدلًا بعد منع طالبات محجبات من دخول بعض المدارس، وتعرض معلمات لضغوط تتعلق بارتداء الحجاب. وبالرغم من أن القرارات الرسمية لم تذكر الحجاب صراحة، إلا أنّ مؤداها واضح جدًا، إذ إنّ اشتراط توافق الملابس مع مبدأ علمانية التعليم يعني منع الحجاب في المدارس الحكومية.[18]
إنّ احترام الحشمة لا يقتضي فرضها بالقوة، كما أن الحديث عن حرية المظهر لا يبرر إكراه الإنسان على التخلي عما يراه واجبًا دينيًا. والمبدأ الذي يحفظ كرامة الإنسان هو أن تُصان حريته في إطار يحمي حقوق الآخرين، وألا تتحول أي رؤية اجتماعية أو سياسية إلى ذريعة لإقصائه أو الانتقاص من حقوقه.
وهنا تتضح الصلة بين تبرّج الجاهلية وسائر المفاهيم القرآنية التي تناولناها. فحكم الجاهلية يظهر حين ينفصل الحكم عن العدل، وحميتها حين تتحول العصبية إلى معيار للتفاضل، وظنّها حين يحجب الوهم والخوف رؤية الحقيقة، أما تبرّجها فيكشف جانبًا من اختلال العلاقة بين المظهر والقيمة، وبين الزينة والعفة، وبين الحرية والمسؤولية.
فعلى اختلاف هذه المظاهر، يجمعها خيط واحد، أن يفقد الحق قدرته على توجيه الإنسان، فيحلّ محله ما تمليه على الإنسان رغباته أو عصبيته أو ظنونه أو أعرافه. ومن هنا لا يكون معنى تجاوز الجاهلية مجرد انتساب إلى دين أو عصر أو هوية، بل تحولًا في طريقة التفكير والحكم والتصرف، تحولًا يجعل الإنسان أقدر على مراجعة نفسه، والاعتراف بالحق ولو خالف مصلحته، والإنصاف ولو كان الحق مع خصمه.
وهكذا تكتمل رباعية الجاهلية في القرآن، أربعة مداخل تكشف كيف يمكن للخلل أن يتسلل إلى الحكم، والانتماء، والتفكير، والسلوك، وأربعة ميادين يدعو الإسلام فيها إلى استعادة ميزان الحق والوعي والكرامة.



اضف تعليق