يناقش المقال خطورة اختزال الدولة في أشخاص نافذين، وما يترتب على ذلك من أزمة شرعية وضعف للعدالة وتراجع لدولة المؤسسات. ويفرق بين الدولة القوية القائمة على القانون والمؤسسات، والدولة القاسية المعتمدة على الإكراه. كما يوضح آثار الاستبداد على الأمن والاقتصاد والكفاءات والولاء الوطني، ودور التدخلات الخارجية، مؤكدًا أهمية...
إن استقرار الدول لا يكون بقوة بطشها ولا بطغيانها، بل بمقدار قدرتها على تحقيق العدالة وحماية حقوق أفرادها تحت مظلة "المؤسسات الدستورية"، وليس عن طريق قوة الأشخاص المهيمنين عليها. لكن الواقع السياسي في أغلب دول العالم الثالث، ومنها العراق، غالبًا ما يخلط بين مفهومين مختلفين في دلالتهما اختلافًا جوهريًا: الأول مفهوم "الدولة القوية"، والثاني مفهوم "الدولة القاسية".
وهذا أصل نشوء الدساتير وفلسفة وجودها؛ لأنها تضع حدودًا واضحة تمنع الاستبداد، وتجعل ممارسة السلطة خاضعة للقانون لا للأهواء الفردية، وتضمن الحقوق الأساسية، مثل حرية التعبير، والمساواة، والحق في المحاكمة العادلة، كما توضح هوية الدولة، وتعكس قيم المجتمع في دينه وثقافته وتوجهاته السياسية والفكرية.
ومفهوم الدولة القوية يعني أنها الدولة التي تستمد اقتدارها وقوتها من سيادة القانون، وفاعلية المؤسسات، وتملك الشرعية الشعبية من خلال دعم ثقة المواطن بها، واستقلال القضاء. فضلًا عن ذلك، فإنها تمثل الدولة القادرة على إنفاذ قراراتها وحماية حدودها وأمنها الداخلي دون حاجة إلى إكراه مفرط؛ لأن المواطن يرى في مؤسساتها ملاذًا يضمن حقوقه وحرياته الأساسية.
أما الدولة القاسية فهي الدولة التي تعجز سلطاتها عن كسب الشرعية الشعبية التي تستند إلى رضا الشعب وقبوله، وتفشل في تحقيق التنمية، مما يجعلها تعتمد كليًا في بسط نفوذها على القبضة الأمنية، وتهميش القانون، وإخضاع المؤسسات لصالح السلطة الفردية أو النخبوية، وتصبح إدارة المجتمع عن طريق الترهيب وتكميم الأفواه بدلًا من المشاركة والمواطنة.
ومن النتائج المترتبة على ذلك غياب دولة المؤسسات لصالح النظام القاسي، ولا يقف الأمر عند حدود التضييق على الحريات الدستورية، بل يمتد ليفكك أسس بقاء المجتمع والدولة. فضلًا عن ذلك، تظهر نتائج سلبية وخطيرة أخرى، منها:
1. إضعاف الأمن وانعدامه في بعض الأحيان، الذي ينعكس على الاقتصاد والاستثمار، حيث تنفر رؤوس الأموال والأعمال الوطنية والأجنبية من الوجود في البلاد بسبب غياب الاستقرار، لتستبدل التنمية المستدامة باقتصاد المحسوبية والفساد الذي لا يخضع للمساءلة والمحاسبة.
2. أما الأمن الوهمي الذي ينخدع به القابض على السلطة من جراء التنكيل، فإنه احتقان مؤجل: استقرار هش قائم على الخوف، ومع انسداد القنوات المؤسسية للتعبير والمساءلة، من الممكن في أي وقت أن يتحول إلى غضب شعبي يعبّر عن احتقان مكتوم يهدد بالانفجار المفاجئ أو التفكك عند أول أزمة يتعرض لها.
3. إن قسوة النظام تؤدي إلى هجرة العقول والخبرات النزيهة، وتصبح الدولة بيئة طاردة للكفاءات والأكاديميين والعلماء، مما يكرس الجمود الفكري ويحرم البلاد من فرص النهوض العلمي والتكنولوجي.
4. انعدام الولاء الوطني من جراء اختزال الدولة في أشخاص أو جهات نافذة، مما يضعف ولاء المواطن للمؤسسات الدستورية العامة، ويدفعه بالضرورة إلى البحث عن أمانه في الولاءات الفرعية (العشائرية، والمناطقية، والفئوية، والحزبية).
وتبقى أهم الآثار الناجمة عن هذا الاستبداد والتفرد وقسوة النظام دخول القوى الكبرى الدولية المؤثرة في إدارة أزمات البلاد؛ لأن تلك القوى والمصالح الأجنبية تميل، في غالب الأحوال، إلى التعامل مع (سلطة الأشخاص) بدلًا من (سلطة المؤسسات) في الدول النامية أو ذات النظم الهشة. وأسباب هذا الميل تتمثل في سرعة ومرونة القرار الفردي، مما يسهل حسم الصفقات وتمرير الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية الكبرى مع حاكم متفرد أو نخبة ضيقة بعيدًا عن رقابة البرلمان والرقابة الشعبية.
كذلك يؤدي ذلك إلى إدامة التبعية التي تربط بقاء الحاكم المستبد في منصبه بالدعم الخارجي لحمايته من الضغوط الداخلية، وهذا ما يجعل الكثير منهم يتنازلون عن أمور سيادية لصالح هذه القوى، قد لا تحصل لو كان النظام فيها هو نظام دولة المؤسسات الدستورية، وليس دولة الحاكم المستبد القاسي المتجبر والمتكبر على أبناء شعبه، ويتصاغر أمام الأجنبي.
وهذا ما ترغب فيه هذه القوى الخارجية: وجود الهدوء الظاهري الذي تفرضه القبضة الأمنية، وتفضله على التحول الديمقراطي والمؤسسي؛ لأنه قد يفرز قيادات مستقلة تعيد ترتيب الأولويات الوطنية.
وفي الختام، فإن الدولة لا تكون قوية بتشديد العقوبات على الأفراد أو سعة وتعدد أجهزتها الأمنية، بل بقوة مؤسساتها وعدالة قوانينها وإيمان راسخ من مواطنيها بأن القانون يسري على الجميع بلا استثناء، بينما نجد أن ترسيخ سلطة الأشخاص على حساب سلطة المؤسسات، سواء بدوافع داخلية أو بتشجيع من مصالح دولية، ليس إلا تأجيلًا لأزمات واحتقان داخلي. فالمؤسسات القائمة على قضاء مستقل وتشريعات عادلة هي وحدها الكفيلة بضمان استمرار الدولة وحماية أمنها القومي واستقلالها الوطني.



اضف تعليق