يناقش الملتقى مرحلة العراق ما بعد 30 سبتمبر بوصفها اختبارًا لقدرة الدولة على تثبيت السيادة ووحدة القرار وحصر السلاح وترسيخ القانون. وتعرض المداخلات تحديات النفوذ الخارجي والفساد والاقتصاد الريعي وضعف المؤسسات، مع التأكيد على أن السيادة الحقيقية تتطلب دولة قوية، واقتصادًا متنوعًا، وقرارًا وطنيًا مستقلًا، ومؤسسات دستورية فاعلة...

عقد مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام تحت عنوان «العراق ما بعد 30 سبتمبر.. اختبار السيادة وقوة الدولة»، بمشاركة عدد من مديري مراكز الدراسات البحثية، والأكاديميين، والإعلاميين. أعدَّ الورقة البحثية وقدمها الأستاذ حسين العطار- جامعة كربلاء، وابتدأ حديثه قائلًا:

«إن يوم 30 سبتمبر 2026 يمثل محطة مهمة من المشهد السياسي والأمني للعراق الحديث؛ إذ انتهت رسميًا مهام التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، وانتقلت البلاد إلى مرحلة إدارة شؤونها الأمنية والسياسية بشكل مستقل عبر علاقات ثنائية دولية متوازنة.

إن هذا التحول ليس مجرد استكمال لانسحاب عسكري أو نهاية لمهام تدريبية ودعم استخباري، بل هو محطة اختبار حقيقي لسيادة العراق وقدرة مؤسساته على إثبات قوة الدولة، حيث لم يعد التواجد الأجنبي شماعة تُعلّق عليها التحديات أو الاختراقات الأمنية، بل أصبحت المسؤولية تقع بالكامل على عاتق المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية لتأمين الحدود وحماية الأجواء والأراضي العراقية، لذا نبين ما يلي:

1- مفهوم السيادة: تُعرّف السيادة بأنها تمتع الدولة بالسلطة العليا على إقليمها وسكانها، مع استقلالها عن الخضوع لسلطة دولة أخرى. وعليه، فإن نجاح مرحلة ما بعد 30 سبتمبر يقترن بقدرة السلطات العراقية على التحول من السيادة المفهومية والرمزية إلى السيادة الإجرائية والميدانية الحقيقية.

2- وحدة واستقلالية القرار السياسي الوطني: عدم استلاب إرادة الدولة من قبل قوى إقليمية أو دولية تحاول فرض نفوذها أو قرارها على القرار الوطني، وعدم السماح بتواجد فواعل غير حكومية تفرض إرادتها ونفوذها ومصالحها على القرار الحكومي الرسمي، بصرف النظر عن الدوافع والغايات. وهنا لا بد من التذكير ببيانات المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، لما لها من أثر في نفوس العراقيين وحكمة بعيدة المدى، حيث أكدت مرارًا ضرورة أن يكون العراق سيد نفسه وبعيدًا عن التجاذبات الإقليمية والدولية.

3- الشرعية المجتمعية: قوة الدولة تبدأ من الداخل، إذ لا تُقاس قوة الدولة فقط بجاهزية ترسانتها العسكرية أو تعدد المؤسسات الأمنية، بل بمكامن قوتها الداخلية وثقة الشارع بمؤسساتها، فالمواطن العراقي لا يستشعر السيادة من خلال البيانات الرسمية بقدر ما يستشعرها من خلال:

أ- حضور سيادة القانون: تطبيق القانون بشفافية وعدالة على جميع الأطراف، وأن يقف المواطنون سواسية أمام القانون، دون تمييز بالدين والمذهب والقومية، ومهما كانت الفوارق في الغنى والقوة والمركز الاجتماعي.

ب- محاربة الفساد المالي والإداري: من خلال تعزيز كفاءة مؤسسات الدولة وحماية أصولها، وهذا ما تأخر كثيرًا للأسف الشديد، وتسبب بشرخ كبير بين المجتمع وسلطات الدولة، مما أدى إلى تراجع في مستوى الخدمات العامة التي تقدمها الدولة.

ت- الاستقرار والتنمية: توفير فرص العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتحقيق نمو اقتصادي ملموس، وتنشئة المجتمع، وتطوير التعليم.

ث- العدالة الاجتماعية: في توزيع الثروات والفرص والخدمات، فسيادة الدول تأتي من سيادة كرامة الإنسان فوق أراضيها، ولا سيادة لدولة تنتهك هذه الكرامة، وتجعل غالبية سكانها يشعرون بالظلم وغياب العدالة، وهذا لم يحدث لغاية الآن، مما أضعف الشرعية المجتمعية لسيادة الدولة.

4- التوازن الإقليمي والدولي: إن خروج التحالف العسكري الدولي لا يعني انعزال العراق، بل يمثل فرصة للتحول نحو الدبلوماسية المستقلة وشراكات أمنية واقتصادية ثنائية متكافئة تقوم على المصالح المشتركة والندّية. إن طبيعة التحدي في محور التوازن ما بعد 30 سبتمبر تتطلب:

أولًا/ التوازن الإقليمي: النأي بالعراق عن محاور الصراع الإقليمي، وعدم تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات، وانتهاج سياسة خارجية مبنية على المصالح المتبادلة والإيجابية.

ثانيًا/ العلاقات الثنائية: صياغة اتفاقيات أمنية وفنية مع واشنطن والعواصم العالمية لضمان الدعم الاستخباري والتدريبي دون التدخل المباشر، من أجل المحافظة على عدم إحداث الانسحاب أي فراغ أمني.

ثالثًا/ السيادة الاقتصادية: توجيه الشراكات الخارجية نحو الاستثمار والنقل والطاقة والسكن وكافة القطاعات الأخرى، بدلًا من الارتهان للترتيبات الأمنية فقط، وكذلك عقد شراكات اقتصادية مع دول الجوار الإقليمي مثل تركيا وإيران والسعودية وسوريا، للاستفادة من إمكانيات وجغرافية هذه الدول.

التحديات:

1- تحدي السلاح المنفلت وتكامل القرار الأمني: تشكل قضية حصر السلاح بيد الدولة الركيزة الأساسية لقياس مدى قوة الدولة ومؤسساتها بعد هذا التاريخ، وإن وحدانية القرار العسكري تستلزم حصر استخدام القوة العسكرية بشرعية وإمرة القائد العام للقوات المسلحة والمؤسسات الرسمية الخاضعة للرقابة الدستورية. وإن تأطير الفصائل والجماعات المسلحة يتطلب إنهاء وجود السلاح خارج المظلة القانونية، وإدماج أي تشكيل مسلح تحت لواء المنظومة الأمنية الرسمية بشكل كامل وعملي، لمنع وجود مراكز قوى موازية تضعف هيبة وسلطة الدولة وتشتت القرار الأمني، وعدم السماح لأي فرد أو قوة أن تستقوي بسلاحها على الدولة ومواطنيها، سواء انتمى السلاح لمواطنين أم انتمى لقوى خارجية.

2- الحصر الكامل لقرار السلم والحرب بيد الدولة: من خلال حكومتها الرسمية وبرلمانها المنتخب، ووفقًا لما تقتضيه مصالحها العليا، بعيدًا عن أي مصلحة عابرة للحدود وتشكل ضررًا على الدولة ومواطنيها.

3- ضعف الانتماء الوطني أو ضعف الهوية الوطنية: الصراع السياسي المستقوي بسلاح الداخل أو الخارج كان ولا يزال سببًا مباشرًا لعدم الأمن والاستقرار في العراق، وسببًا مباشرًا لتبديد ثروات البلد، وفتح أبوابه للتدخل الخارجي في شؤونه الداخلية للاستقواء والسيطرة على الأطراف الأخرى، مما أدى إلى تصدي العديد من القوى السياسية لفترات طويلة جدًا حتى أصبحت بمعزل عن الأجيال الشبابية، ولا تتناسب مع متطلبات المرحلة.

ختامًا، إن محطة 30 سبتمبر لا تمثل ختام القصة، بل هي نقطة انطلاق لامتحان استراتيجي شامل، يبين مدى قوة الدولة وإرادة القائمين عليها. لقد انتهت مرحلة الاستعانة بالتحالفات العسكرية الدولية لترسيخ الاستقرار، وبدأت مرحلة إثبات الذات؛ حيث تكمن قوة العراق الحقيقية في بناء دولة المؤسسات والقانون ومكافحة الفساد، والقدرة على حماية القرار الوطني المستقل بعيدًا عن أية ضغوطات أو تجاذبات سياسية داخلية أو إقليمية أو دولية.

وبعد اتمام الورقة تم طرح أسئلة للنقاش:

السؤال الأول: ما هي توقعاتكم لما بعد 30 سبتمبر، وهل سينجح العراق في اختبار الدولة والاستقلال والسيادة؟

السؤال الثاني: كيف يمكن للعراق أن يعبر ذلك التحول الكبير ويحقق استقلاله بعيدًا عن خروقات الداخل وتدخلات الخارج؟

المداخلات

السيادة العراقية وسط التحديات الإقليمية والداخلية

- الأستاذ عدنان الصالحي- مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

أعتقد أن السيادة ليست مجرد شعار عابر، بل هي ممارسة يومية تتجلى في القرار الوطني المستند إلى مؤسسات قوية، وإنفاذ صارم للقانون، واقتصاد قادر على حماية البلد، فضلًا عن قيادة موحدة توجه للعراقيين خطابًا وطنيًا واحدًا يتجاوز كافة الانتماءات ويحترم جميع المكونات.

بعد الثلاثين من أيلول، لن يكون العراق في بحبوحة من الراحة أو بمنأى عن التجاذبات الإقليمية، ورغم أننا قد لا نشهد انعطافة حادة، إلا أن البلد سيبقى جزءًا من المسار العام للمنطقة. الأمر برمته مرهون بحكمة قياداته وسياسته الداخلية؛ فكلما ابتعدنا عن صراع المحاور ولعبنا دورًا إيجابيًا في إيجاد الحلول، حققنا مكاسب أكبر، وكلما انخرطنا في تلك الصراعات، تحملنا ارتداداتها العكسية.

عندما نتحدث اليوم عن الدول المتصارعة، فنحن نتحدث عن دول تمتلك اقتصادات قوية، واستقرارًا سياسيًا، ومخزونًا استراتيجيًا من الأسلحة والقدرات المالية والسياسية. وللأسف، هذا الأمر غير متوفر لدينا بالشكل المطلوب؛ فنحن كبلد أشبه بأرض نامية تواجه عواصف عاتية ومستمرة، وفي ظل هذه الظروف، يبدو الفلاح غير ماهر بما يكفي لحماية أرضه ونباتاته، أو حتى زراعة نبتة بديلة تعوض ما تلف.

عمومًا، إن نجاح العراق في المرحلة المقبلة يتوقف على كيفية تعامل مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمعية مع التطورات، ومدى احتكامها للدستور. نحن نواجه مسارين أساسيين: داخلي وخارجي. داخليًا، نحتاج إلى تفعيل أدوات إنفاذ القانون والأجهزة الأمنية بشكل متساوٍ، مما يبعث رسالة طمأنينة للمواطن بأنه سواسية أمام الدستور. وخارجيًا، يجب أن نظهر ككتلة موحدة تحافظ على مصالح البلد، وتحترم التحالفات الاستراتيجية مع الدول الإقليمية والعالمية، مع الالتزام بموقف حيادي لا يجعلنا جزءًا من الصراع.

هذا الحياد لا يعني الانعزال التام عن المحيط الإقليمي، بل على العكس، يمكن للعراق أن يكون لاعبًا فعالًا ومؤثرًا بحكم علاقاته المتوازنة مع أطراف الصراع، كالجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة. يمكننا أن نلعب دور «حلقة الوصل» بنجاح، كما تفعل بعض الدول حاليًا وتأخذ هذا الموقع بامتياز.

ولكن، لتحقيق ذلك، يجب رسم السياسة الداخلية بشكل صحيح وتوحيد الخطاب الرسمي. لا يصح أن يتحدث رئيس الوزراء بخطاب، وتتبنى الكتل السياسية خطابًا آخر، بينما تأتي الأفعال على أرض الواقع مغايرة للاثنين. يجب أن تكون المصلحة الوطنية والاحترام المتبادل هما البوصلة، وأن ينبع القرار العراقي من مؤسساته الدستورية. حتى من يمتلك وجهة نظر مختلفة حول الصراع، يجب أن يعبر عنها ضمن الأطر الدستورية والقانونية، بعيدًا عن التصريحات الفردية غير المنضبطة في وسائل الإعلام. ومن الأهمية بمكان تحقيق توافق وطني واسع لتوحيد الخطاب الخارجي؛ فمن غير المقبول أن يتفاوض أفراد مع دول أخرى دون علم أو موافقة الدولة ومؤسساتها. العلاقات الشخصية مع الخارج يجب أن تُسخر لخدمة الموقف الرسمي للبلد، لا للتعبير عن آراء منفردة، وهو خلل نكاد ننفرد به عالميًا.

إن الدولة القوية تبدأ من الداخل، وهذا يتطلب معالجة مصادر الضعف كالفساد، والترهل الإداري، والبطالة، وتراجع الخدمات. المواطن يحتاج إلى أن يلمس قوة الدولة من خلال قدرتها على توفير الخدمات والحماية، وهذا ما يمنحه الثقة بها. لذا، فإن تعزيز سيادة القانون، وحصر السلاح والقرار الأمني بيد مؤسسات الدولة، وتقوية المؤسسات الوطنية، واتباع سياسة خارجية متوازنة، هي خطوات لا غنى عنها.

أخيرًا، يبرز ملف تنويع الاقتصاد كضرورة قصوى. يجب أن يشعر البلد بوجود خطة حقيقية لتعدد مصادر الدخل والاستعداد لاحتمالية نشوب حرب طويلة الأمد في المنطقة. لا يمكن بناء الاستراتيجيات على مجرد افتراضات حول مسار المفاوضات. أزمة الطاقة التي نعيشها اليوم هي بالأساس نتيجة لغياب الرؤية الاقتصادية السليمة لتنويع الدخل وتعدد منافذ التصدير. باختصار، نحن أمام اختبار مصيري تتداخل فيه الملفات الاقتصادية والأمنية والقرارات السيادية؛ إما أن نعبره بنجاح وتماسك، أو نواجه انتكاسة قوية.

بطء التحول وتحديات المنظومة الفاسدة

- الدكتور حسين تاج/ باحث أكاديمي:

كلنا ندرك جيدًا أن عملية التغيير الديمقراطي هي عملية بطيئة جدًا بطبيعتها، وتحتاج إلى وقت طويل لتترسخ، ولا يمكن أن تحدث بين ليلة وضحاها. ومع ذلك، هناك بعض الظروف الإقليمية الراهنة التي قد تشجع العراق على تحقيق استقلاله وسيادته بشكل أسرع.

ولعل أهم هذه الظروف هو الحرب الأخيرة في المنطقة، والتي أسفرت عن إضعاف دول الجوار، سواء في الخليج أو إيران. ومن المعروف أن هذه الدول لطالما كان لها تدخلات في الشأن العراقي عبر دعم أحزاب وميليشيات مسلحة داخل البلد. ولكن هنا تبرز مشكلة جديدة؛ فحينما تدرك بعض هذه الأحزاب أو الميليشيات أن هنالك تراجعًا أو انقطاعًا في الموارد المالية القادمة من الخارج نتيجة لذلك الضعف، فماذا ستفعل؟ الغالب أنها ستلجأ إلى طرق بديلة ومظلمة لتمويل نفسها، كالتورط في تجارة المخدرات، أو تهريب السلاح، أو ربما السيطرة على مناطق معينة بالقوة وفرض الضرائب والإتاوات على سكانها. لذا، فإن العملية ليست بتلك السهولة التي قد نتصورها.

المسألة الثانية، والأكثر تعقيدًا، هي أن المشكلة لا تقتصر فقط على رفع شعار «حصر السلاح بيد الدولة». فهذا الشعار، على أهميته، قد يكون مجرد واجهة براقة لمشكلة أعمق، ألا وهي الفساد. فحصر السلاح خارج إطار الدولة هو في الواقع جزء من منظومة الفساد وليس الفساد كله.

جوهر المشكلة يكمن في وجود منظومة متكاملة ومتجذرة للفساد في العراق. منظومة الفساد هذه أصبحت أقوى من الحكومة الحالية نفسها. وبرأيي، لا يمكن إحداث أي تغيير حقيقي أو كسر لهذه المنظومة دون وجود رأي عام شعبي ضاغط. فمن دون مظاهرات سلمية، واحتجاجات مستمرة، ورأي عام يقظ يطالب بالإصلاح، سيكون من الصعب جدًا، بل ربما من المستحيل، تحقيق أي اختراق في هذا الجدار.

مفارقة النظام وضرورة تغيير الذهنية

- الشيخ مرتضى معاش:

عندما نتحدث عن مفهوم السيادة، فنحن نعني استقلال القرار ومركزيته، ولكن إذا كانت السيادة تعني ذلك، فبيد من يكون القرار؟ ومن ينتجه؟ ومن يتخذه؟ هذه المفاهيم يجب ألّا تبقى مجرد شعارات خالية من الواقع. المفارقة اليوم أن النتائج التي نعيشها هي حصاد أنتجته نفس القوى التي تطالب الآن بنزع السلاح وحصره بيد الدولة، وتطالب بالاستقلال والسيادة. هذه الخلطة السياسية الحاكمة هي التي أنتجت قانون الانتخابات، والبرلمان، والتشريعات، وهي التي أنتجت الحشد الشعبي، فكيف يطالبون أنفسهم بحصر السلاح؟ حتى رئيس الوزراء هو في النهاية نتيجة لهذا التوافق البرلماني، ورغم وجود مؤثرات دولية، إلا أن أصل القضية يكمن هنا في الداخل.

لذلك، نحن أمام إشكالية حقيقية؛ فلا يمكن الحديث عن حصر السلاح بينما من يملكه هم أنفسهم من يعملون داخل مؤسسات الدولة ويشكلون قوى نفوذ فيها، وهم ذاتهم قادرين على ايقاف منظومة الفساد. هذه الإشكالية الكبيرة لا يمكن معالجتها دون العودة إلى الأسس، والأساس المفقود هو غياب مفهوم الدولة الحقيقية، وغياب الاحتكام إلى الدستور بوصفه الضامن الأساسي لمخرجات سليمة في التشريعات، والانتخابات، ومكافحة الفساد، وحفظ قوة الدولة. نحن نعاني من خروقات داخلية شديدة وعميقة تتطلب معالجات جذرية لا يمكن القفز فوقها.

نعم، إن الظرف الإقليمي والدولي الراهن، وتحديدًا الصراع الدائر بين إيران وأمريكا، أفرز لنا سردية أو خطابًا إعلاميًا معينًا، ولكن ماذا سيكون الحال بعد انتهاء هذا الصراع أو تحجيمه؟ النتيجة أن قضايانا لن تُحل، ولن تتحقق لنا سيادة حقيقية، بل ستبقى السيادة والدولة مقسمتين وفق مبدأ المحاصصة، وكل محاصصة ستحتفظ بامتداداتها وتدخلاتها الخارجية.

إن العبور الحقيقي نحو الحل يكمن في تغيير العقلية السائدة في أذهان أبناء الشعب، والنخب، والحاكمين. فحتى بعض النخب المعارضة للحكومة الحالية تمتلك عقلًا متطرفًا في فهم قضايا السيادة والدولة، مما يعجزها عن تقديم معالجات صحيحة. نحن بحاجة ماسة إلى النضج وتطور العقلية؛ فلا بد للعراقي أن يخرج من تلك الشرنقة التي خلفتها العصور الماضية، والتي جعلته يفقد هويته ورؤيته الحقيقية لكيفية العيش في هذا البلد. هناك غياب لمفهوم المواطنة، وعدم إدراك لمعنى العراق وماهيته وحدوده. يجب أن نخرج من حالة التفكير الغريزي لكي نفكر في مستقبلنا ومستقبل أبنائنا، وكيفية خلق وطن حقيقي.

ما نشاهده أحيانًا في شبكات التواصل الاجتماعي من جدالات حول من يتفوق على الآخر؛ الوطن فوق الدين والمذهب أو الدين والمذهب فوق الوطن، ليست سوى سرديات تعبر عن صراعات سياسية غير حقيقية. فالوطن والدين والمذهب تلتقي جميعها في إطار واحد لخدمة الإنسان. فلماذا نبقى ندور في فلك هذا الاستقطاب المتقاطع واللامحدود؟ يجب أن نبحث عن النقاط المشتركة التي تحدد مستقبلنا واستقرار دولتنا.

إذا لم يحدث هذا التطور والنضج، فستبقى مشاكلنا قائمة، ولن تكون مشكلة السلاح هي الوحيدة. سنبقى نعيش على سرديات البطولات الوهمية التي تتأرجح بمقياسنا بين أمل عابر وإحباط ويأس عميق. باختصار، إذا لم تتغير الذهنية العراقية لتؤسس بوصلة حقيقية تفهم المعنى العميق للوطن، والإنسان، والدولة، والسيادة، فإن الأمور لن تتغير.

وكلنا أمل أن تسهم قراءات الجميع، وكتاباتهم، ومقالاتهم في العمل بعمق على تغيير هذه الذهنية، والخروج من هذا الاستقطاب الذي أضاعنا، لنتجه معًا نحو تفكير موضوعي، جميل، ومحايد، ينتج أفكارًا مفيدة للمستقبل.

وهم السيادة وتحديات حصر السلاح

- الدكتور علاء الكاظمي- باحث أكاديمي:

هناك حدثان رئيسان أثارا الاهتمام في الآونة الأخيرة ولهما ارتباط وثيق بموضوع بحثنا، خصوصًا ما يتعلق بتاريخ 30 سبتمبر: الأول هو انسحاب التحالف الدولي، والثاني هو تسليم السلاح وحصره بيد الدولة.

يجب قراءة مفهوم السيادة من جميع أبعاده، فالبعض يربط السيادة فقط بخروج التحالف الدولي وقرار حصر السلاح، وهذا في الواقع يعكس عدم فهم حقيقي؛ لأننا، وبصراحة، لا نمتلك سيادة فعلية. الولايات المتحدة ما زالت هي القوة المهيمنة على الكثير من الدول، سواء كانت تمتلك قوات عسكرية فيها أم لا، وتتفاوت هذه الهيمنة بين الدول الضعيفة والقوية. وكما يقول الإمام علي (عليه السلام): «احْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ». عندما تعتمد على غيرك في تلبية أبسط احتياجاتك، فإنك تفقد استقلاليتك وتصبح تابعًا، ولا يمكن الحديث هنا عن سيادة حقيقية، بل هي سيادة وهمية.

هذا يقودنا إلى المسألة المعقدة المتمثلة في حصر السلاح بيد الدولة. هذه القضية يجب أن تُدرس وفق منظومة متكاملة. إذا كنا فاقدين للسيادة في جوانب عديدة، فلماذا يتم التركيز حصرًا على السلاح؟ وهل ستحل أزمة السيادة بمجرد تسليم السلاح؟ لا أعتقد أن أمريكا بهذا القدر من السذاجة لتقبل بمجرد تسليم بعض قطع السلاح، سواء كانت مئات الصواريخ أو الطائرات المسيرة، وتعتبر ذلك حلًا. أمريكا لا تبحث عن المعدات فقط؛ بل هي تستهدف العقول وسلاسل التوريد. هناك فصائل انخرطت في العمل السياسي وسلّمت، للأسف، تفاصيل عن العقول المصنِّعة وعناوينها وطرق التوريد. المشكلة بالنسبة لهم ليست في القطعة المعدنية، بل في العقل الذي يصنعها ويشغلها.

لذلك، فإن فكرة تسليم السلاح بالكامل تُعتبر بمثابة عملية انتحارية بالنسبة لفصائل المقاومة. الأمر لا يقتصر على تسليم السلاح والجلوس في المنزل بأمان؛ بل يعني كشف ظهورهم، وجعلهم وعائلاتهم عرضة للملاحقة والتصفية وتجفيف المنابع، وهذا ما يفسر تصريحات بعض الفصائل مؤخرًا برفضها الالتزام بأي قرارات أو تواريخ تتعلق بتسليم السلاح.

من جهة أخرى، إذا ما ناقشنا الأمن والاستقرار وبناء الدولة، يجب أن نسأل أنفسنا: هل تمتلك الدولة المخترقة بالفساد من كل جانب القدرة الفعلية على حماية مواطنيها إذا ما تم تسليم السلاح؟ لنتخيل سيناريو افتراضيًا، حيث وافقت هذه الفصائل على تسليم سلاحها بناءً على ضمانات دولية بعدم الملاحقة، فماذا بعد تسليم السلاح؟ ماذا لو حركت أمريكا ورقة داعش أو أي تهديد مشابه مرة أخرى، ووجدنا أنفسنا في صباح يوم ما وقد سقطت عدة محافظات، ولا نمتلك أي سلاح للدفاع؟ هل سنعود إلى المربع الأول، ننتظر فتوى جديدة ونتوسل بالشباب للعودة إلى السواتر؟ وإذا لم يستجيبوا، فما هو السيناريو البديل الذي أعددناه؟ تسليم السلاح بشكل غير مدروس قد يجعلنا لقمة سائغة، وقد تُدمر قوتنا بضربات جوية سريعة، لنعود بعدها نستجدي السلاح من دول الجوار كما حدث في عام 2014، حيث أُغلقت الأبواب في وجوهنا.

أنا لست ضد فكرة حصر السلاح بيد الدولة، بل بالعكس، أتمنى أن يكون القانون هو الأساس وأن يفرض هيبته على الجميع، ولكن هذا يتطلب وجود دولة قوية وقانون نافذ قادر على التطبيق الفعلي.

كما يجب أن نصحح فهمنا لدعوة حصر السلاح بيد الدولة. هذه الدعوة لم تصدر من الخارج، بل هي دعوة أطلقتها المرجعية الدينية منذ الأيام الأولى لتأسيس الحشد الشعبي. ومع ذلك، نجد أن الفصائل المرتبطة بالمرجعية حافظت على تشكيلاتها وسلاحها؛ لأن قرار السلم والحرب بقي بيد الدولة، وهذا هو التوازن المطلوب. لا يمكن لعاقل أن يفرط بقوته في ظل هذه الظروف، ومن الممكن الحفاظ على هذه القوة شرط أن تنضوي تحت لواء الدولة وتكون خاضعة لقرارها، كما هو حال هيئة الحشد الشعبي التي تُعد قوة نظامية بقرار قانوني.

المشكلة الحقيقية تكمن في الفصائل غير المنضبطة، التي تتصرف خارج إطار الدولة وحتى خارج مظلة الحشد الشعبي، رغم أن بعض أفرادها قد ينتمون اسميًا إليه. يجب أن نوضح أن الدعوة لحصر السلاح موجهة لمن يتصرف خارج إرادة الدولة. الفهم السائد في الشارع بأن المطلوب هو حل الحشد الشعبي بالكامل هو فهم خاطئ ولا يعكس الحقيقة. ما تطلبه أمريكا بالفعل هو نزع المخالب المتمثلة في هذه القوة الضاربة التي لا تأتمر بأوامرها.

أخيرًا، هناك نقطة جوهرية تتعلق بالمرجعيات المتعددة. نحن نعلم أن هناك فصائل ترتبط بمرجعيات مختلفة، وتستمد شرعيتها منها، وعندما نتحدث عن قرارات تتخذها فصائل تستند إلى شرعية دينية نعتقد أنها تعلو أحيانًا على قرار الدولة، فإن النقاش يجب أن يمتد ليشمل هذه المرجعيات ذاتها، لفهم كيف يمكن التوفيق بين التزام الفصائل بمرجعياتها الدينية والمذهبية من جهة، وبين التزامها بقوانين الدولة وقرارها السيادي من جهة أخرى.

من الاحتلال العسكري إلى قيود الهيمنة الاقتصادية

- الدكتور احمد الجبوري-باحث أكاديمي:

عن أي استقلال وأي سيادة نتحدث؟ إذا كنا نقصد الاستقلال والسيادة العسكرية المتمثلة بخروج قوات التحالف، فلا بأس بذلك. ولكن بعد خروجهم، أين الاستقلال الفعلي وأين السيادة، طالما أن مقدرات العراق الاقتصادية لا تزال بيد الأمريكيين، وعائداتنا المالية من بيع النفط تذهب أولًا إلى البنك الفيدرالي الأمريكي قبل أن تعود إلينا؟ فنحن لا نملك استقلالًا ولا سيادة، والدليل الواضح على ذلك هو تحكمهم الكامل بمقدرات البلد؛ فهم من يمتلك القدرة على تمرير قوانين معينة أو إيقافها، وحتى التدخل في قبول أو رفض شخصيات بعينها لمنصب رئيس الوزراء. بالتالي، فإن الحديث عن الاستقلال والسيادة، من وجهة نظري، هو مجرد هواء في شبك وشعارات لا رصيد لها على أرض الواقع.

لذلك، أرى أن السؤال المطروح حول: ماذا سنفعل بعد الاستقلال؟ وهل سننجح أم لا؟ هو سؤال يفترض أمرًا لم يتحقق أصلًا. الاستقلال الشامل لم يتحقق حتى نعرف إن كنا سننجح بعده أم لا. حسنًا، قد نتفق على أن الاحتلال العسكري قد خرج، ولكن هناك تساؤل أهم يجب أن نطرحه: لماذا غيّرت أمريكا سياساتها واستراتيجياتها من الاحتلال العسكري المباشر إلى الاحتلال الاقتصادي؟ لقد رأينا كيف يُفرض حصار اقتصادي على إيران منذ نحو أربعين عامًا، ويتم تضييق الخناق عليها الآن عبر المنافذ البحرية. كما عشنا سابقًا حصارًا اقتصاديًا مشابهًا في حقبة النظام السابق. أمريكا أدركت أن كلفة الهيمنة الاقتصادية أكثر جدوى لها.

نحن اليوم لا نعيش مجرد حصار اقتصادي، بل دعونا نسمي الأمور بمسمياتها: نحن نقبع تحت احتلال اقتصادي. كيف يمكننا الحديث عن السيادة وأموالنا مرهونة بالخارج، لدرجة أننا نرى وسائل الإعلام تترقب وتبشرنا بصدور الموافقات على وصول دفعات الدولار وكأنها منّة؟ إذًا، وجود القوات العسكرية على الأرض من عدمه لم يعد يصنع الفارق الأساسي؛ نحن محتلون اقتصاديًا وفاقدون لأي استقلال أو سيادة حقيقية في قرارنا. الاستقلال الحقيقي يعني أن نكون مستقلين في كافة الجوانب، وليس في الجانب العسكري فحسب.

أما فيما يخص الحديث عن التحول، وكيف يمكن للعراق أن يعبر هذه المرحلة بعد الانسحاب العسكري، فبصراحة، هذا الوجود العسكري أصبح ينطبق عليه المثل القائل: «إن حضر لا يُعَد، وإن غاب لا يُفتقَد». سواء بقيت هذه القوات أو رحلت، فإن ذلك لم يغيّر من واقعنا المادي أو يُدخل في جيوبنا شيئًا. كل ما في الأمر أننا أصبحنا «أحرارًا من الناحية العسكرية» فقط، لا أكثر ولا أقل.

فوضى الأسلاك وسماء السيادة

- الأستاذ علي حسين عبيد- كاتب قي شبكة النبأ المعلوماتية:

لدي جار في المنطقة يعمل مدرسًا منذ نحو عقدين من الزمن، ونحن في المرحلة العمرية ذاتها. في أحد لقاءاتنا قبل سنوات، وكعادتنا في تبادل أطراف الحديث حول القضايا السياسية وأوضاع البلد، التفت إليّ فجأة وقال: «هل يمكنك أن ترفع رأسك وتنظر إلى الأعلى؟».

رفعت رأسي، وسألني: «ماذا ترى؟». أجبته: «أرى السماء الزرقاء». قال: «لا، انظر إلى مستوى أدنى بقليل». قلت له: «هل تقصد الغيوم؟». رد قائلًا: «أدنى من ذلك أيضًا». استغربت وسألته: «ماذا تقصد إذن؟».

أخيرًا، أشار بيده وقال: «يا عزيزي، هل ترى هذه الفوضى والتشابك في أسلاك المولدات الكهربائية المنتشرة فوقنا؟». أجبته بأنها واضحة بالطبع. فقال عبارته التي استوقفتني: «اليوم الذي تختفي فيه هذه الأسلاك تمامًا ولا تعود تراها، حينها فقط يمكنك القول إن هناك عراقًا، وإن هناك سيادة حقيقية».

عندما نحلل هذه الحادثة البسيطة، التي دارت كحوار عفوي بين صديقين ومواطنين بسيطين يتحدثان عن واقع البلد ومستقبله، ندرك عمق الفكرة. تخيل لو رُفعت هذه الأسلاك بالفعل وصفت السماء لتراها زرقاء خالية من هذه الفوضى البصرية؛ متى يمكن أن يتحقق ذلك؟ بالطبع، لن يتحقق ذلك إلا عندما تستقر خدمة الكهرباء وتُنظم لتصل للمواطن على مدار 24 ساعة.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: متى يتحقق هذا الاستقرار الخدمي؟ ببساطة، لن يتحقق إلا عندما تُبنى أركان الدولة بشكل كامل وسليم، وتكون «السيادة» الحقيقية في طليعة تلك الأركان.

الأركان الثلاثة لاستقلالية القرار السياسي

- الأستاذ حامد الجبوري- مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

يقال إن الاقتصاد هو عمق السياسة؛ وبناءً على ذلك، أرى أن السيادة الاقتصادية هي العمق الحقيقي للسيادة السياسية، فالسيادة السياسية تبقى مجرد واجهة شكلية بلا مضمون إذا لم تستند إلى سيادة اقتصادية متينة.

بشكل عام، تتحقق السيادة الاقتصادية عبر ثلاثة أركان مهمة: الركن الأول يتمثل في وجود سياسة اقتصادية منضبطة تعمل على تشجيع النمو الاقتصادي بشكل عادل. وكما تعلمون، تشمل هذه السياسة أدوات أساسية كالسياسات المالية، والنقدية، والتجارية، والتي تعمل مجتمعة على إدارة الاقتصاد وتحسينه. فكلما كانت لدينا سياسة اقتصادية تعبر عن نظام اقتصادي واضح وتنسجم معه بشكل سليم، تمكنا من تحقيق نمو اقتصادي جيد، وهو ما سينعكس إيجابًا على الاقتصاد العام، وبالتالي يعزز من السيادة السياسية.

الركن الثاني يتعلق بقوة المؤسسات واستقلاليتها؛ فكلما كانت مؤسساتنا قوية، انعكس ذلك طرديًا على سيادتنا السياسية، وخير مثال على ذلك هو البنك المركزي، الذي يُفترض أن يكون مؤسسة مستقلة بحد ذاتها، تعمل بمعزل عن تدخلات أو تحكم السلطات والجهات الأخرى. هذا الاستقلال هو ما يمكنه من تحقيق هدفه المتمثل في استقرار العملة، مما يحقق لنا جزءًا أساسيًا من السيادة الاقتصادية، التي تفضي بدورها إلى السيادة السياسية.

أما الركن الثالث، فيتمحور حول التنويع الاقتصادي. نحن ندرك اليوم أن العراق يستورد أغلب احتياجاته، وهذا الاعتماد المستمر على الخارج يجعلنا مرتهنين له، مصداقًا لقول الإمام علي (عليه السلام): «احْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ». لذلك، كلما نجحنا في تحقيق تنوع اقتصادي يقلل من حاجتنا للآخرين، تمكنا من بلوغ سيادة اقتصادية حقيقية، تترجم في النهاية إلى سيادة سياسية كاملة ومستقلة.

قوة الدولة من قوة الشعب

- الأستاذ حسين علي، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

من المقطوع به أن قوة الدولة تنبع بالأساس من قوة شعبها، إذ لا يصح الحديث عن السيادة أو الاستقلال أو أي شعارات أخرى إذا لم يكن الشعب نفسه قويًا في المقام الأول.

لقد أسهمت الدولة في تحطيم قدرات الشعب وطاقاته تدريجيًا عبر عدة مسارات، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال أمثلة يومية بسيطة. ففي إحدى المرات، دخلت إلى أحد الأسواق لأجد أن الشاب الذي يعمل كـ«كاشير» هو الطالب الأول على كلية الطب! وفي مواقف أخرى، قد تستقل سيارة أجرة (تاكسي) لتتفاجأ بأن السائق هو طالب طب عام، أو خريج تخصصات علمية مهمة، أو حتى حامل لشهادة الدكتوراه. هذا يعني أننا وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها الكفاءات الوطنية تُهدر وتعمل في غير محلها الحقيقي.

بهذا التهميش التدريجي لطاقات الشعب، أصبحت الدولة عاجزة عن تقديم الحلول؛ فهي لم تبنِ قطاعًا خاصًا قويًا يمكن لهذه الكفاءات أن تجد فيه فرصتها وتستند إليه، وفي الوقت ذاته، لم تستوعبهم أو تنصفهم في القطاع العام الذي تديره. وخلاصة القول، إن سيادة الدولة هي في جوهرها سيادة اقتصادية، قبل أن تكون سيادة عسكرية.

نسبية السيادة ووهم السلاح

- الأستاذ أحمد جويد، مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

إن مفهوم السيادة في معظم دول العالم، وليس في العراق فحسب، هو مفهوم نسبي؛ فلا توجد سيادة مطلقة تمارسها سلطات الدولة بمفردها بشكل كامل في العصر الحاضر. نرى دولًا متقدمة مثل ألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، ورغم وجود جيوش وقواعد أمريكية على أراضيها، إلا أنها تُعد دولًا مستقلة وذات سيادة. من أين استمدت هذه السيادة؟ استمدتها من استقلالها الاقتصادي، فطالما أن الدولة مكتفية ذاتيًا ولا تعتمد كليًا على غيرها، فهي سيدة قرارها. في المقابل، هل يمكن اعتبار بعض دول الخليج التي تستضيف قواعد أجنبية وتبقى بحاجة مستمرة للحماية الخارجية دولًا ذات سيادة حقيقية؟ إذا قررت دول العالم يومًا إيقاف التسليح عنك أو منع تصدير الأجهزة الطبية إليك، فهل ستعتبر نفسك دولة ذات سيادة؟ بكل الأحوال، ما دمت غير مكتفٍ ذاتيًا، فسيادتك منقوصة.

أما بالنسبة للعراق، فمنذ عام 1920 وما نتج عن خارطة سايكس بيكو، أصبح البلد أشبه بتركيبة جغرافية دمجت أجزاء متنافرة، ولم يبقَ موحدًا إلا بفعل قوة السلطة والظروف القهرية والإرادات الخارجية التي منعت تفتته. واليوم، نجد أطرافًا متعددة داخل البلد، لكل منها مشروعه الخاص، وهذا من أبرز عوامل إضعاف سيادة الدولة. نحن نفتقر إلى سلطة مركزية أو اتحادية قوية تحتكم بصرامة للدستور؛ وهناك أفراد يقيمون علاقات دولية بأسمائهم الشخصية، وهو أمر يتنافى تمامًا مع مفهوم السيادة، وتصنفه دول أخرى في خانة التخابر. لذا، فإن مجرد خروج أمريكا لا يحقق السيادة، في ظل استمرار نفوذ دول أخرى كتركيا وإيران.

وفيما يخص مسألة حصر السلاح، ما الجدوى من جمع السلاح إذا كانت الفصائل تحتفظ بارتباطاتها وتستطيع فتح الحدود لاستيراده في أي وقت؟ المطلب الحقيقي يجب أن يكون حصر قرار استخدام السلاح بيد الدولة، وذلك عبر انضواء كل هذه الفصائل فعليًا في مؤسسات رسمية كوزارة الدفاع، وتأتمر حصرًا بأمر القائد العام للقوات المسلحة. دون ذلك، تبقى القضية مجرد شعارات.

أذكر أننا كنا في السليمانية العام الماضي، وفي طريقنا إلى دوكان لاحظنا تحليقًا للطيران وتغطية صحفية لحدث أمني، علمنا لاحقًا أن عناصر من حزب العمال الكردستاني (PKK) يقومون بتسليم أسلحتهم، ولكن هل سلموها حقًا؟ لا، كانت مجرد مسرحية إعلامية؛ نزلوا من الكهوف وسلموا بعض الأسلحة الخفيفة للإيحاء للعالم بأنهم خضعوا للدولة التركية أو عقدوا اتفاقًا لتهدئة الشارع، لكن في الحقيقة، التنظيم وأسلحته ما زالوا على حالهم. إذا كانت تركيا، باقتصادها القوي واستقرارها الذي يخلو من الحروب الداخلية، لم تجد حلًا جذريًا لهذه المشكلة، ولا تزال أطراف دولية تحرك هذه الورقة في الساحة التركية متى شاءت، فكيف بالعراق؟

في العراق، كل أوراق اللعب جاهزة للتحريك، حتى التهديدات الكامنة جاهزة وتنتظر الإشارة. فالأمر برمته محكوم بالتفاهمات الدولية الرامية إلى استقرار المنطقة لضمان حماية موارد الطاقة والمصالح العالمية. فأي حرب أو خلل أمني هنا سيؤدي إلى صدمة في إمدادات الطاقة، وارتفاع في الأسعار، وأزمات اقتصادية كبيرة في الغرب. هذا السيناريو لا تريده أمريكا ولا الدول الغربية، رغم أن شركات الأسلحة مستمرة في إنتاج وتوريد بضائعها بانسيابية، مستفيدة من التهافت العالمي المستمر على التسليح.

إشكالية اللادولة واختلال توازنات القوى في العراق

- الدكتور حسين السرحان، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

يمكن القول إن الحكومة العراقية الحالية، والمنظومة الحاكمة بشكل عام، نجحت في تصدير «خدعتين» أو كذبتين بطريقة ساذجة ودوغمائية جدًا: كذبة «مواجهة الفساد»، وكذبة «حصر السلاح».

قبل الخوض في ذلك، يجب أن نفهم معنى الدولة ومعنى السيادة. السيادة بحد ذاتها تمثل إشكالية اليوم؛ فلم نعد في حقبة السبعينيات أو الثمانينيات، حيث كانت السيادة تُقاس بضبط الأمن الخارجي والحدود المادية لمنع الاختراقات. اليوم، السيادة لم تعد مجرد قرار سيادي يُمنع به التدخل المادي؛ فالاختراقات تتم عبر الإنترنت، والكابل الضوئي، ومنظومات التواصل. السياسة، والاقتصاد، والفن، والرياضة، والتعليم، كلها باتت مرتبطة بالإنترنت. نعم، قد تلجأ دول مثل الصين لحجب مواقع وتأسيس شبكاتها الخاصة، لكن هذا يعني عزل نفسك عن العالم، وهذه ليست هي السيادة بمفهومها الحديث.

السيادة ببساطة هي قدرة الهيئة الحاكمة في الدولة على اتخاذ قراراتها وإدارة شؤونها العامة دون تأثير خارجي. على سبيل المثال، وجود قوات أمريكية في اليابان لا ينفي سيادتها؛ لأن هذا الوجود محكوم باتفاقيات دفاعية دولية، وليس غصبًا أو احتلالًا.

وهنا نأتي إلى الكذبة الأساسية: حصر السلاح. هذه المقولة التي رددتها سابقًا جهات مثل حزب العمال الكردستاني، انطلت للأسف على الحكومة العراقية وأصبحت خطابًا رسميًا. عندما تتحدث جهة حزبية معارضة عن السلاح، قد نفهم ذلك في سياق موقفها السياسي، ولكن المشكلة الكبرى عندما تتبنى حكومة عراقية هذا الخطاب؛ حكومة جاءت بانتخابات كلفت 400 مليار، ولديها مجلس نواب، وإطار تنسيقي يمثل الكتلة الأكبر، ويمسك برئاسة الوزراء والدفاع والداخلية والمخابرات، ثم نأتي لنكذب على الناس بموضوع حصر السلاح. في العلوم السياسية والأمنية، لا يوجد مصطلح اسمه حصر السلاح بيد الدولة، هذه كذبة تم تصديرها بطريقة ساذجة ووضيعة. المفهوم الصحيح هو أن أنظمة ومؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية والسياسية والعسكرية تفرض سلطتها بالكامل على إقليم الدولة. هذه هي السلطة، وهذه هي السيادة.

لماذا أقول إن هذا الخطاب وضيع وساذج؟ لأننا في عام 2011 وقعنا اتفاقية أمنية مع الأمريكان لإنهاء مهام الاحتلال وسحب القوات، وبموجبها لم يعد العراق قانونيًا أو دبلوماسيًا دولة محتلة، بل دولة ذات سيادة وقعت لاحقًا «اتفاقية إطار استراتيجي» تشمل التعاون في مجالات الصحة، والتعليم، والتسليح، والاقتصاد. لا توجد دولة محتلة تعقد اتفاقية إطار استراتيجي مع محتلها وتستلم منه طائرات (F-16). وما حدث في 2014 بقدوم التحالف الدولي لم يكن غزوًا أمريكيًا، بل كان تحالفًا من أكثر من 30 دولة، بأركان عسكرية واقتصادية وسياسية وإعلامية لمواجهة تنظيم داعش في العراق وسوريا. وهذا التحالف لم ينهِ مهامه في سوريا، فلماذا هذا الهوس لدينا بإعلان انتهاء مهامه وكأننا تحررنا من احتلال جديد، لدرجة تعطيل الدوام في المصارف والمحاكم؟ هذه مجرد بطولات فارغة وشعارات.

ننتقل إلى موضوع الدولة، ما هو فهمنا للدولة كقوى سياسية ومرجعيات؟ في العلوم السياسية، العاطفة هي أشد أعدائك. كيف لي أن أبني الدولة، وأعترف بها، وفي الوقت نفسه أمتلك ميليشيات داخلها؟ لقد أشرت في إحدى مقالاتي إلى أن الانقسام في الفصائل هو انعكاس لصراع على الشرعية الاجتماعية والسياسية. في إحدى الندوات الإلكترونية، سألني باحث أمريكي: لماذا أسمي فصائل معينة بـ«حشد العتبات» ولا أسميها ميليشيات؟ أجبته بأنهم انضووا رسميًا تحت سلطة وزارة الدفاع باتفاقيات محددة، فأجابني بمنطق العلوم السياسية: «أي قوات رديفة لقوات الدولة، وقرارها خارج إرادة مؤسساتها الرسمية، هي ميليشيات».

كإطار تنسيقي وكمكون شيعي حاكم، لدينا مشكلة مع مفهوم الدولة. نحن نخلط بين الإيمان الروحي والعقائدي وبين الدولة كتنظيم إداري لحياة الناس بمختلف طوائفهم وأديانهم. لا يمكن الاستمرار بعقلية مناهضة الدولة كما كان الحال في زمن الأنظمة الاستبدادية السابقة. اليوم أنتم من شكلتم الدولة، وصغتم الدستور في شهرين، وأسستم النظام السياسي. هذه دولتكم، فلماذا لا تثقون بها؟ القيادات الأمنية، من المخابرات إلى الدفاع ورئاسة الأركان، ورئاسة الوزراء والإعلام، كلها بيدكم. لا يصح أن تأتوا اليوم لتقولوا: «لدينا مشكلة مع الدولة، ولذلك من حق هذه التنظيمات أن تبقى». الحكومتان الأخيرتان هما فعليًا «حكومات فصائل وحشد».

ومن هنا تبرز كذبة أخرى: الادعاء بأننا لا نمتلك ميليشيات. هناك من يسوق للأمريكان والإسرائيليين، بغباء مخجل، فكرة أن الفصائل منضبطة. الواقع أن هناك فصائل ترتبط بقرارات خارجية. وبالمناسبة، حتى تفويض البيشمركة لتكون قوة خارج سيطرة الدولة المركزية في ثلاث محافظات هو خطأ دستوري وافقتم عليه ومنحتموه شرعية سياسية، تمامًا كما سمحتم للإقليم بتصدير النفط بقانون خاص في عام 2010 كجزء من اتفاقيات تشكيل الحكومة (ورقة أربيل)، فلا تأتوا اليوم للتباكي على السيادة وأنتم من أسس لهذه الاختلالات.

أما الحديث عن نزع السلاح فهو حديث يتناسب مع العصابات أو المعارضة، وليس مع حكومة منتخبة. نزع السلاح العسكري لا يعني شيئًا إذا لم تُفكك البنية الاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية لهذه الفصائل الموازية للدولة. الأمريكان أنفسهم لا يتحدثون عن نزع سلاح، بل يتحدثون عن تفكيك البنية التحتية لهذه المجاميع. السلاح يمكن تعويضه بسهولة إذا بقيت بنية التمويل والاقتصاد قائمة، تمامًا كما أن هذه المنظومات الموازية في إيران والمنطقة خلقت شبكات مصالح وشركات اقتصادية تجعل من الصعب جدًا إنهاء وجودها؛ لأنها ستخسر مكاسبها الهائلة.

بدل أن تتحدثوا عن حصر السلاح، تحدثوا عن فرض سلطة الدولة. يجب أن نوجه رسالة واضحة لأي فصيل: إذا أردت العمل السياسي، شكّل حزبًا وشارك في الانتخابات، لكن احتفاظك بالسلاح خارج سلطة الدولة أمر غير مقبول.

أخيرًا، نحن نعاني من مشكلة عميقة تتمثل في اختلال توازنات القوى الداخلية. هذا الاختلال لم يصنعه صدام أو الأمريكان فحسب، بل تم تعزيزه بعد عام 2003. هناك أزمة ثقة حقيقية؛ السني يخاف من الشيعي، والشيعي يخاف من عودة الماضي، والكردي لا يثق بالاثنين. عندما انسحبت القوات الأمريكية في 2011، والتي كانت تلعب دور الضامن لتوازنات القوى، اختلت هذه التوازنات في ظل دولة هشة مؤسساتيًا وأمنيًا، فكان ظهور داعش نتيجة طبيعية لهذا الفساد والاختلال الداخلي. وحتى اليوم، طبيعة تغانم السلطة والمصالح الاقتصادية تعمق من أزمة انعدام الثقة، مما ينذر بمستقبل سيشهد المزيد من اختلالات توازن القوى إذا لم نؤسس لدولة مؤسسات حقيقية.

وحدة القرار واحترام الدستور للدولة

- الدكتور أسعد كاظم شبيب، باحث أكاديمي:

مرحلة ما بعد 30 سبتمبر تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة العراق على تحويل السيادة من نص دستوري إلى ممارسة مؤسسية فاعلة، فالسيادة لا تختزل في انتهاء الوجود الأجنبي، بل تتجسد في وحدة القرار السياسي والأمني واحتكار الدولة لأدوات القوة، وسيكون تعزيز هيبة المؤسسات وترسيخ حكم القانون معيارًا أساسيًا لقياس قوة الدولة واستقلالها. ومن ثم، فإن نجاح العراق مرهون بقدرته على إنتاج قرار وطني مستقل ومتوازن في بيئة إقليمية ودولية معقدة.

يتطلب العراق في المرحلة المقبلة بناء دولة قوية بمؤسساتها، لا بتعدد مراكز القوة فيها، وترسيخ مبدأ حصرية القرار الأمني والسياسي بيد المؤسسات الدستورية. كما يستلزم تحصين الجبهة الداخلية عبر التوافق الوطني، واحترام الدستور، وإدارة الاختلاف السياسي ضمن قواعد الدولة. وخارجيًا، يحتاج العراق إلى سياسة متوازنة تقوم على المصالح الوطنية، بعيدًا عن سياسة المحاور والاستقطاب الإقليمي والدولي. فالاستقلال الحقيقي يتحقق عندما يمتلك العراق قرارًا وطنيًا مستقلًا، واقتصادًا قادرًا على دعم هذا القرار، ومؤسسات قادرة على حمايته.

اختبار السيادة الحقيقية ومشروع بناء الدولة الموحدة

- الدكتور عمار أحمد إسماعيل المكوطر- متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية:

إن 30 سبتمبر لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد تاريخ لانتهاء مهمة التحالف الدولي أو خروج القوات الأجنبية من العراق، وإنما بوصفه بداية لمرحلة جديدة يصبح فيها العراق أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على ممارسة سيادتها بصورة فعلية.

فالسيادة في مفهومها الحديث لا تختزل في خروج القوات الأجنبية من أراضي الدولة، وإنما تتجسد في قدرة الدولة على احتكار أدوات القوة المشروعة، وحماية حدودها، وفرض القانون، وتوحيد القرار السياسي والأمني والعسكري، وإدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، فضلًا عن امتلاك قدر من الاستقلال الاقتصادي الذي يحول دون تحويل الاقتصاد إلى أداة للضغط السياسي.

ومن هذه الزاوية، فإن العراق يدخل مرحلة تحمل فرصًا ومخاطر في آن واحد. فالانسحاب الأمريكي والتحالف الدولي يمثل انتقالًا للمسؤولية الأمنية إلى المؤسسات العراقية، وهو ما يمكن أن يعزز مفهوم الاعتماد على القدرات الوطنية، إلا أنه في الوقت نفسه يضع الدولة أمام مسؤولية أكبر في مواجهة الإرهاب، وضبط السلاح، ومنع تحول العراق إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الولايات المتحدة أنهت وجودها العسكري في العراق، مع استمرار التعاون في مجالات التدريب والدعم الاستخباري، فيما تبرز مخاوف مرتبطة بإمكانية استغلال الفراغ الأمني من قبل تنظيم داعش أو جماعات مسلحة أخرى.

أما نجاح العراق في اختبار الدولة والسيادة، فلا يمكن الحكم عليه من اليوم الأول؛ ذلك أن السيادة عملية تراكمية وليست إعلانًا سياسيًا يُذاع أو شعارًا يُنشر. وستكون المؤشرات الحقيقية خلال المرحلة المقبلة هي: مدى قدرة الحكومة على فرض القانون على الجميع، ومدى توحيد القرار الأمني، وقدرتها على حماية الحدود، ومنع استخدام الأراضي العراقية في الاعتداء على الدول الأخرى أو تحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة.

ومن أهم الاختبارات كذلك قدرة العراق على تحقيق توازن في علاقاته الدولية، فالعراق ليس مطالبًا باستبدال تبعية خارجية بأخرى، وإنما ببناء سياسة خارجية عراقية مستقلة ومتوازنة تقوم على المصالح الوطنية، وعدم الدخول في محاور مغلقة، وإقامة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران والدول العربية وتركيا وسائر القوى الدولية. وبالتالي، فإن نجاح العراق لا يقاس بمن يغادر الأراضي العراقية، وإنما بمن يستطيع أن يجعل قرار بغداد يصدر من مؤسسات الدولة العراقية وحدها.

يتطلب عبور هذه المرحلة مشروعًا وطنيًا متكاملًا، إذ إن مواجهة التدخل الخارجي لا تبدأ من الخارج، وإنما تبدأ من تقوية الجبهة الداخلية. وأرى أن هناك مجموعة من المرتكزات الرئيسة:

أولًا: توحيد القرار السيادي: لا يمكن لدولة أن تكون كاملة السيادة إذا تعددت مراكز القرار في القضايا المصيرية، ولا سيما الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية. ولذلك، فإن توحيد القرار الوطني يجب أن يكون أولوية، بحيث تكون المؤسسات الدستورية هي المرجعية الوحيدة في اتخاذ القرارات السيادية.

ثانيًا: حصر السلاح بيد الدولة: إن احتكار الدولة للسلاح لا يعني إقصاء أي مكون اجتماعي أو سياسي، بل يعني إخضاع استخدام القوة للقانون والمؤسسات الرسمية، وقد أكد الرئيس العراقي في 30 سبتمبر أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل ركيزة لصون السيادة، وربط قوة الدولة بقدرتها على فرض القانون وحماية مؤسساتها.

ثالثًا: بناء مؤسسات دولة قوية لا مؤسسات نفوذ: فالسيادة الخارجية لا يمكن أن تكون مكتملة إذا كانت الدولة تعاني من ضعف مؤسساتي أو فساد أو محاصصة أو تضارب في مراكز النفوذ. وكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر كفاءة واستقلالًا، تقلصت قابلية القرار الوطني للاختراق الخارجي.

رابعًا: اعتماد سياسة خارجية متوازنة: ينبغي للعراق أن ينتقل من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، وأن يتعامل مع القوى الدولية والإقليمية وفق قاعدة المصلحة العراقية أولًا. فالعلاقة مع الولايات المتحدة ينبغي أن تكون علاقة مصالح وشراكة، وكذلك العلاقة مع إيران والدول العربية وتركيا وسائر الأطراف، من دون السماح لأي طرف بتحويل العراق إلى جزء من مشروعه الإقليمي.

خامسًا: تحقيق الاستقلال الاقتصادي بصورة تدريجية: فالاستقلال السياسي يبقى محدودًا إذا كان الاقتصاد شديد الارتهان لعامل واحد. ولذلك، فإن تنويع الاقتصاد، وتطوير الصناعة والزراعة، وتشجيع الاستثمار، وإصلاح النظام المالي، وتقليل الاعتماد على النفط، تمثل جميعها عناصر أساسية في بناء السيادة الحقيقية.

سادسًا: تحصين المجتمع والدولة من الفساد والمحسوبية: فالفساد ليس مجرد مشكلة إدارية، بل يمكن أن يتحول إلى منفذ للتأثير الخارجي؛ لأن ضعف المؤسسات وشراء النفوذ وإضعاف الكفاءة يفتح المجال أمام مراكز قوى غير رسمية لتوجيه القرار العام.

سابعًا: اعتماد مفهوم العراق أولًا: والمقصود بذلك ليس الانغلاق عن المحيط العربي أو الإقليمي أو الدولي، وإنما أن تكون علاقات العراق الخارجية أداة لتحقيق مصالحه، لا وسيلة لتوظيف العراق في صراعات الآخرين.

إن المرحلة التي بدأت بعد 30 سبتمبر تضع العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف علاقاته الخارجية وبناء دولة أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني، بيد أن هذه الفرصة لن تتحول تلقائيًا إلى سيادة مكتملة؛ إذ تحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات قوية، وتوافق وطني، وإدارة رشيدة لعلاقات العراق الخارجية.

وبناءً على ما تقدم، فإن خلاصة القول: إن خروج القوات الأجنبية يمكن أن يكون بداية للسيادة، لكنه ليس السيادة ذاتها، فالسيادة الحقيقية تبدأ عندما يصبح القانون فوق الجميع، والسلاح تحت سلطة الدولة، والقرار الوطني مستقلًا عن الخارج، والمؤسسات أقوى من الأشخاص والجماعات، والاقتصاد قادرًا على دعم القرار السياسي. عندها فقط يمكن القول إن العراق لم ينتقل من نفوذ خارجي إلى نفوذ خارجي آخر، وإنما انتقل فعلًا إلى مرحلة الدولة ذات القرار الوطني المستقل.

الانسحاب الصوري ومسرحية الفوضى

- الأستاذ صادق الطائي، باحث أكاديمي:

يتساءل البعض: هل ستنتهي السيطرة الأمريكية الفعلية على العراق في نهاية سبتمبر، أم أن الانسحاب سيقتصر على القوات العسكرية فقط؟ ما نطمح إليه حقًا هو زوال النفوذ والهيمنة الأمريكية بجميع أدواتها السياسية وإمكاناتها. أرى أن الانسحاب القادم قد يكون مجرد انسحاب صوري يقتصر على خروج الأفراد، بينما تبقى مقاليد السيطرة الفعلية بأيديهم، وهو واقع ستكشفه الأحداث في الأيام القادمة.

أعتقد أن العراق مُقبل على مسرحية جديدة؛ فقد نشهد تعاونًا إقليميًا لإنتاج عصابات مسلحة جديدة على غرار داعش وبمسميات مختلفة، تتغلغل في بعض المحافظات رافعة شعارات تدعو لقلب النظام الحاكم.

في هذا المشهد، ستقف أمريكا موقف المراقب لتحدد مسارها بناءً على النتائج؛ فإذا رجحت كفة هذه الجماعات، قد تدعمها لإسقاط النظام، أما إذا واجهت تحركًا جماهيريًا واسعًا بمساندة الحوزة، والحشد، أو بتدخل إيراني رغم ظروف الحرب، فستسارع أمريكا لإعلان تدخلها بحجة حماية النظام الحاكم، لتعيد ترسيخ وجودها من جديد. وفي خضم كل ذلك، سيبقى العراق وشعبه الضحية التي تتحمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المؤامرات، وتدفع ثمن ضياع فرص العيش السليم والاستقرار.

وفي ختام الملتقى الفكري، تقدم مقدم الورقة البحثية، الأستاذ حسين العطار، بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك برأيه حول الموضوع، سواء بالحضور أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجه بالشكر إلى الدعم الفني الخاص بملتقى النبأ الأسبوعي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001–2026 Ⓒ

http://mcsr.net

اضف تعليق