يناقش المقال العلاقة بين النفس واللغة، وكيف تكشف الرغبات نفسها بصورة غير مباشرة عبر الخطاب والاستعارة والإزاحة والأفعال. ويستند إلى تصورات لاكان ومصطفى صفوان وسارتر في تفسير ما تخفيه النفس وما يظهر في القول. كما يوضح دور اللاوعي والكبت والتحويل في تشكيل المعنى، مؤكدًا أن الخطاب النفسي يتجاوز الكلمات...
في الخطاب الذي يصدر عن النفس يتصدع السد عند الإنسان، والأدق أن الإعلان عمّا يدور بين حناياها هو الصادق، ولو لفَّ ودار حول ما يريد قوله؛ فالرغبة لا تعلن عن نفسها مباشرة. ونتفق مع «جاك لاكان» في قوله بأن اللغة البشرية لا يمكن قولها بالكامل؛ لأن سبب الرغبة ليس كلمة، بل موضوع غير قابل للتمثيل، فإن إجبار الاعتراف بالرغبة هو ما قد يثير الفعل، على عكس العرض الذي ليس دعوة للتأويل.
وعليه، فإن الفعل الخارجي دعوة صامتة: «لم تفهم شيئًا الآن، أمر طوال الوقت أمام الأدمغة الطازجة». (النص من «البنية العيادية عند لاكان»، محاضرة محمد درويش في رابطة الفضاء الفرويدي في 15.11.2025).
تقودنا معرفة النفس وما تُخفيه، عبر ما يصدر عنها، ليس في خطابها فحسب، ولا في أفعالها، بل في كشف البنية التي تجعل المعاني ممكنة للتعرف عليها. وهذا ما أكده «مصطفى صفوان» أيضًا حينما قال إن ما يميز التحليل النفسي هو أنه لا يسعى إلى الحقيقة من خلال تفسير المعاني. إننا إزاء رغبات لا تعلن عن نفسها، ولا تعترف مهما بلغت في تحقيقها. تبقى الأفكار هي أشياء يراها ذهنيًا، ويتمنى لو حققها في الواقع فعليًا، لذا تبقى النفس تئن مما تحمل من أحمال ثقيلة، حتى وإن ذهب صاحبها إلى التعايش مع الأعصبة النفسية «الاضطرابات النفسية»، وهذا الاضطراب النفسي يحقق لصاحبه نوعًا من الربح ما كان ليدركه بغير هذا المرض، كما يقول «مصطفى زيور».
من النفس يعلن أيٌّ منا ما يريد قوله، وإن غاب هدف القول المراد الوصول إليه، ونتفق مع «سارتر» في قوله: «فالكلام إنما هو أن أتجاوز المعاش–المعيش نحو ما سيكون حقيقة مشتركة للغير ولي، وليس أن أسكن هذه الحقيقة لأتأمل من هناك وجودي ووجود الغير».
فنحن نعلن ونرغب في قول ما نريد، ولكن خلف هذا القول هدف آخر: إيصال الرسالة المبطنة بأنني أيضًا متضرر، عليك فهمه وقبوله. وهو تأكيد بأن المعنى في اللغة للجملة ينحو في القول، أو يتجاوز ذاته منه، ذلك القول الذي يستخدم هذه الجملة ذاتها باعتبارها دالًا يحدد معنى مختلفًا كليًا، ولكن من دون التعبير الجلي عنه. («صفوان»، في كتاب «الكلام أو الموت»، ص41).
إن التعبير الحي هو ما يُعبِّر عن الوجود الحي، هذا ما تراه فلسفة لغة النفس، وهو في الوقت نفسه محاولة للوصول إلى معرفة اللغز، هذا اللغز الصغير، رغم أنه غني بالفوائد؛ لأنه يحمل التأويل والاستعارة بمنطق الخطاب. ويحق لنا أن نقول إنه صدى النفس في لغتها وكينونتها غير المعلنة.
وتدلنا معرفتنا باللغة وخطاب النفس بأن الخاصية التي تعرفها النفس هي، في الحقيقة، خاصية الخِطابة وما تحمل من معانٍ وضبابية في القدرة على القول؛ لأنها لا تحمل على تشبيه بعبارة محددة. فالكثير منا حاول ويحاول تمييز الحضور الضمني في لحظة القول، وهو، كما نعرفه في التحليل النفسي، النقل كآلية نفسية لاشعورية–لاواعية، فضلًا عن أنه معروف للمشتغلين في التحليل النفسي بأنه أيضًا التحويل، بحسب تناسب الفكرة المطروحة.
وتتفق رؤية التحليل النفسي مع رؤية اللغة بأن صنع استعارة هو رؤية شيئين في واحد، والفرد يكون مخلصًا لهذه الخاصية التي يظهرها التشبيه.
إننا على يقين بأن هذه الاستعارة، وربما اللف والدوران في الخطاب الصادر عن عمق ما يعتمل في النفس، هو انزياح «الإزاحة» في علاقة استعمال الكلمة المعروفة عن الكلمة الشائعة الاستعمال والواضحة المعنى، وهو، فعلًا، دينامية، وحقًا تلجأ إليها النفس. ونستعير من فلسفة لغة النفس هذه الرؤية بأن الكلمة التي تقال تلجأ إلى التقريب بين الشيء المراد قوله والشيء الغريب الذي نفترض منه إيصال الفكرة، وهذا يظهر بوضوح في التقارب المخفي في الافتراض وفي الإزاحة معًا.
نتساءل: هل الكلمة حاملة المعنى فقط؟ هذا التساؤل ليس في اللغة فحسب، بل في النفس وما تريد قول عكسه، والأمر سيان بينهما.
نقف من حيث يدلنا التحليل النفسي بعمق رؤيته عن النفس بأن الوقائع النفسية وتواترها ليست هي المهمة، إنما الأهم هو تقاطعها مع ما ترغب فيه في حاضرها وأوانها وماضيها، فهذا الماضي هو يومنا ونحن بالغون – كبار، رغم أن الماضي حاضر دائمًا.
ونقول إن ما نريد التعبير عنه حقًا هو متقنّع متخفٍّ بإشباعات، ربما الأحلام وعالم اللاشعور–اللاوعي، واللاشعور – اللاوعي واقعي، كما يقول «محمد درويش» في محاضرة من محاضرات الفضاء الفرويدي في باريس.
ونقول: اللاوعي – اللاشعور لا يزيّف الحقائق، كبتها كما كانت ترغب النفس، ومنعت رغبتها من تحقيق ما تريد. فالكلمة تزحف بكل جحافلها زحفًا على أرض الحوار، ولكن لا تستطيع التعبير عنه إطلاقًا لعدة أسباب، منها عدم واقعية الرغبة، وربما تجد الردود والرفض؛ لأنها غير مقبولة. إلا أن النفس لن تستسلم، رغم أنها تلتقط أنفاسها في الظلال الناعمة للاشعور–اللاوعي، وتبقى تجاهد بكل الأشكال المقبولة وغير المقبولة، حتى وإن رحلت الفكرة، أو الرغبة، عن المسرح كله إلى موضوع جديد، لكنها لا ولن تنتهي؛ فالنفس دينامية متجددة، نشوئية ارتقائية، غائية في تحقيق ما ترغب.



اضف تعليق