إن تطابق السلوك مع المبدأ يمنح الكلمات قوة روحية فريدة ويجعل الدعوة نافذة في النفوس. فالله تعالى لم يقبل بالقول الذي لا يرافقه عمل صالح، ويندد بمن يأمر الناس بالبر وينسى نفسه. ومن المؤسف حقاً وجود متناقضات غريبة، كمن يأمر بصلة الأرحام ولا يبالي بقطعها، أو يحث على الإخلاص وهو يراعي الرياء...
(هناك بعض الناس وللأسف يأمرون بصلة الأرحام ولا يبالون إذا انقطعت أرحامهم)
سماحة المرجع الشيرازي
من القضايا التي باتت معروفة للمؤمنين كافة أن الله تعالى جعل من أهل البيت عليهم السلام نبراساً منيرا وضياءً ساطعا وهداية مباركة للبشرية جمعاء، ليكونوا قدوة حسنة في الأقوال والأفعال، وتبدو أعظم صفاتهم الحميدة في صدق التزامهم التام بالعمل بكل ما يدعون إليه، فكانوا نموذجاً حياً ومجسداً لكل فضيلة قبل أن يطالبوا بها غيرهم.
وحين يأمرون بأمر صالح أو فعلٍ محمود، يكونون هم السبّاقين إلى تطبيقه بكل إخلاص وتفانٍ، وإن نهوا الناس عن أمر قبيح أو خطيئة، كانوا هم أسرع الناس تركاً له والابتعاد عنه تماماً وهذه الخصلة العظيمة والسيرة العطرة إنما تمثل سمة بارزة من سمات الأولياء الصالحين والصفوة المقربين إلى الله سبحانه، لأن القول المقترن بالعمل الصادق هو السبيل الأوحد لتأثير البلاغ ووصول الهداية إلى القلوب.
لذا فإن تطابق السلوك مع المبدأ يمنح الكلمات قوة روحية فريدة ويجعل الدعوة إلى الله تعالى نافذةً في النفوس ومستقرةً في الضمائر، فكانت سيرتهم الطاهرة مدرسة متكاملة يتعلم منها الأجيال معاني الإخلاص والتضحية والنزاهة، وميزانا دقيقا يرتكن إليه ويستضيء به كل باحث عن الحق والفضيلة في دروب الحياة المختلفة.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها (مطابقة الأقوال للأفعال.. ضرورة إلهية):
(لقد جعل الله تعالى أهل البيت عليهم الصلاة والسلام نبراساً وضياءً وهدى للناس أجمعين. فمن صفاتهم الحميدة أنّهم كانوا ملتزمين بالعمل بما يقولون به، ومطبّقين لكلّ ما دعوا له. فإّذا أمروا بشيء كانوا هم السبّاقون له في العمل، واذا نهوا عن شيء كانوا أول من يترك وینتهي عن ذلك الشيء، فهذه خصلة الاولياء وخصلة المقرّبين الى الله تعالى).
وكذلك لابد من التوضيح بأن كتاب الله الكريم لا يقبل بالقول الذي لا يرافقه عمل صالح، بل يوجه أشد أنواع التنديد والرفض للشخص الذي يأمر الناس بالبر والخير وينسى نفسه فلا يفعله، كما يتعجب من حال الإنسان الذي ينهى الآخرين عن ارتكاب المنكرات والشرور بينما يقع هو فيها ويكون متلبساً بها.
التأثير المضاعف للكلمة الصادقة
إن هذا التناقض الصارخ بين ما يدعو إليه المرء وما يطبقه في واقع حياته يعد سلوكاً مرفوضاً بشدة في المنهج القرآني، لأنه يفقد الكلمات قيمتها ويجرد النصيحة من تأثيرها الحقيقي في نفوس الآخرين، فالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة تكتسب قوتها وصدقها من التزام قائلها بها اولاً وتطبيقه العملي لها.
وكذلك لابد أن نعرف بأن التناغم والتطابق والانسجام بين السلوك والأقوال هو المعيار الأساسي لصدق الإيمان ونقاء السريرة، ولذلك حذر القرآن الكريم بوضوح تام من مغبة الهوة العميقة بين الادعاء والواقع، وبين القول والعمل، داعياً المؤمنين إلى أن يكونوا صادقين في أفعالهم تماماً كما هم صادقون في أقوالهم.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(لا يرضى القرآن الكريم على القول الذي لا يقترن بالعمل، ويندّد بالشخص الذي يأمر بالخير ولا يفعله، ويستهجن من ينهى عن الشرّ ويكون شريراً (والعياذ بالله).
ومن المؤسف حقا وجود أصناف من البشر يحملون متناقضات غريبة، حيث يأمرون الناس بصلة الأرحام بينما هم غافلون عن أرحامهم ولا يبالون بقطعها، كما يحثون الآخرين على الإخلاص في الأفعال والأقوال وهم يعيشون في رياء تام بعيدين كل البعد عن الإخلاص لله عز وجل في سرائرهم ومظاهرهم، بالإضافة إلى أنهم ينهون العباد عن ارتكاب الرياء ويقعون فيه بأنفسهم خلال عباداتهم وسلوكياتهم اليومية.
ثم بعد ذلك يطالبون بالعدل ورفض الظلم علناً بينما يمارسون أبشع أنواع الظلم بحق من هم أضعف منهم وأقل شأناً، ولكن هذا التناقض الفادح بين ما يدعون إليه وما يمارسونه فعلياً يعكس خلخلة عميقة في الأخلاق والضمير، ويفقد هؤلاء مصداقيتهم أمام المجتمع، فضلاً عما ينتظرهم من عذاب أليم وحساب عسير عند الخالق سبحانه وتعالى يوم القيامة، جراء تناقض أقوالهم مع أفعالهم المشينة.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(هناك بعض الناس وللأسف يأمرون بصلة الأرحام ولا يبالون إذا انقطعت أرحامهم! ويأمرون الناس بالإخلاص ولا يخلصون لله تعالى، ويُنهون الناس عن الرّياء ويراؤون في عباداتهم وسلوكهم وهؤلاء وللأسف يأمرون بالعدل وعدم الظلم، لكنهم يظلمون من هم أدنى منهم).
من البديهي أن يكون من يأمر بالخير هو أول العاملين به، وأن ينتهي عما ينهى الناس عنه، فجمال الموعظة وكمالها يكمنان في تطابق القول مع العمل ذلك لأن المبادرة الفعلية بالتطبيق تعطي الكلام وزناً وهيبة، وتجعل النصيحة نافذة إلى قلوب السامعين ومؤثرة في سلوكهم أما عندما تتسع الفجوة بين الادعاء والواقع، وتتخالف السيرة الشخصية مع الشعارات المرفوعة، فإن المواعظ تفقد قيمتها وتصبح مجرد كلمات جوفاء لا أثر لها.
نصائح لا تنقض جوهرها
كيف يُنتظر من الناس أن يلتزموا بتوجيهات يُخالفها قائلها، أو يستمعوا لنصائح ينقض جوهرها في واقع التطبيق؟ إن الصدق العملي هو السبيل الوحيد لكسب ثقة الآخرين، والإنسان يؤثر بأفعاله وسلوكه قبل أن يؤثر بلسانه في من يرى عمله مطابقا لقوله، فالتطابق بين المبدأ والسلوك هو جوهر الهداية الحقيقية وسر التأثير في الآخرين.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي بصيغة التساؤل:
(أليس من يأمر بالخير عليه أن يعمل به، وأليس من الجميل أن يتطابق القول مع العمل، فإذا أمر بفعل الخير أن يقوم به أولاً، وإذا نهى عن الشرّ انتهى منه أولاً؟! فكيف تريد منّا أن نلتزم بمواعظك التي تعظ بها الناس وتتوقع منّا أن نؤمن بها ونحن نعلم أنّ سيرتك وعملك مخالفة لقولك؟).
يتمظهر الفارق الحقيقي والجوهر الأساسي بين الناس الصالحين وغير الصالحين في التزامهم العملي بما يقولون، فالأخيار ينطقون بالقول الحسن ويطبقونه في واقعهم بحذافيره، ولذلك تجد كلامهم مقبولاً ومستساغاً لدى الآخرين، فيصل بسهولة إلى القلوب ويتحول إلى سلوك عملي يُحتذى به وفي المقابل، فإن غير الصالحين لا يحظى كلامهم بالقبول ولا يُؤخذ بنصائحهم عادةً، لكون المستمعين يدركون تمام الإدراك تناقضهم وفقدان المصداقية لديهم.
حيث يتبين لهم أن الناصح لا يترجم أقواله إلى أفعال ولا يعمل بنصيحته في مقام التطبيق الفعلي فالتطابق المستمر بين اللسان والعمل يمنح صاحب الكلمة هيبة وقبولاً عظيماً، بينما يؤدي الانفصام بين القول والسلوك إلى سقوط هيبة الناصح وفقدان تأثيره، لأن النفوس البشرية جُبلت على قبول الحق المقترن بالصدق والرفض القاطع لكل ادعاء يفتقر إلى الدليل العملي والموقف الواقعي السليم في الحياة.
لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(في الواقع إنّ الفرق بين الأناس الصالحين عن غير الصالحين أنّهم يقولون الكلام الجيّد ويعملون به، ولذلك فكلامهم مقبول عند الناس ويصل الى قلوبهم ويُعمل به، وأمّا غير الصالحين فلا يؤخذ بقولهم عادةً ولا يؤثّر كلامهم فيهم، لأنّهم يعلمون كذب من ينصحهم وإنّ الناصح لا يعمل بنصيحته في مقام العمل والتطبيق) .
بالنتيجة سيبقى تطابق القول مع العمل هو المعيار الأصدق لنجاح أي دعوة أو نصيحة في التأثير على النفوس وحتى العقول، فحين يقرن الإنسان أقواله بأفعاله، يتحول إلى قدوة حية تبني المجتمعات وترتقي بالأخلاق. أما الانفصام بين اللسان والسلوك فلا يورث إلا النفور والخذلان. لذا، فإن إصلاح الذات والبدء بالتطبيق الفعلي هما السبيل الأوحد لبلوغ مرتبة الصالحين والمقربين بحق.



اضف تعليق