في مجتمعاتنا، لم يعد المسمى الوظيفي مجرد تعريف بالعمل، بل تحول عند البعض إلى هاجس نفسي ومقياس للقيمة الشخصية. إن الهوس بالمناصب يكشف عن خلل في ثقافة العمل حين تتحول الوظيفة من وسيلة لخدمة المؤسسة إلى غاية لإشباع الرغبة في الظهور. إن الأشد خطورة هو تضخم الألقاب مقابل ضمور الإنجازات، والاعتقاد الخاطئ بأن المنصب يمنح امتيازاً إنسانياً...
في مجتمعاتنا، لم يعد المسمى الوظيفي مجرد تعريف بطبيعة العمل أو تحديد للمسؤوليات والصلاحيات، بل تحول عند البعض إلى هاجس اجتماعي ونفسي ومقياس للقيمة الشخصية، حتى بات السؤال عن المنصب يسبق السؤال عن الإنجاز، وأصبحت الألقاب تحظى باهتمام يفوق أحياناً الاهتمام بالكفاءة والخبرة والإنتاج. والمفارقة أن بعض الأشخاص ينشغلون بكيفية تقديم أسمائهم للآخرين أكثر من انشغالهم بما يقدمونه فعلياً لمؤسساتهم ومجتمعهم، وكأن قيمة الإنسان تبدأ من الكرسي الذي يجلس عليه وتنتهي بمجرد مغادرته.
إن الهوس بالمسمى الوظيفي يكشف عن خلل عميق في ثقافة العمل، حين يتحول المنصب من وسيلة لخدمة المؤسسة وتحقيق أهدافها إلى غاية يسعى إليها الفرد لإشباع رغبته في الظهور والتميز الاجتماعي، فنجد من يحرص على إضافة لقبه الوظيفي إلى اسمه في كل مناسبة، ومن يغضب إذا نودي باسمه مجرداً من منصبه، ومن يشعر بأن مكانته الاجتماعية مهددة إذا لم يُقدَّم للآخرين بصفته مديراً أو رئيساً أو مسؤولاً، حتى يبدو أحياناً أن المسمى الوظيفي أصبح جزءاً من هويته الشخصية لا يستطيع الانفصال عنه.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المؤسسات باتت تعاني من تضخم الألقاب مقابل ضمور الإنجازات، فتجد فيها عدداً كبيراً من المديرين والمسؤولين والمشرفين والمنسقين، لكنك حين تبحث عن أثر حقيقي لهذه المسميات في تطوير الأداء أو معالجة المشكلات، قد لا تجد ما يتناسب مع حجم تلك العناوين. وهنا تتجلى المفارقة المؤسسية؛ فكلما تضخمت الألقاب دون معايير واضحة، تراجعت قيمتها المهنية، وأصبحت بعض المناصب أقرب إلى أدوات للوجاهة الاجتماعية منها إلى مواقع للمسؤولية والإنتاج.
وفي بيئة العمل العراقية، يمكن ملاحظة بعض مظاهر هذه الثقافة حين تتحول المنافسة بين الموظفين من سباق نحو الكفاءة والإبداع إلى صراع على المناصب والعناوين الإدارية، فقد تجد موظفاً يمتلك خبرة واسعة ويؤدي واجباته بإخلاص دون أن يسعى إلى الأضواء، بينما ينشغل آخر ببناء شبكة من العلاقات للحصول على مسمى وظيفي يمنحه سلطة شكلية أو حضوراً اجتماعياً. والمشكلة لا تكمن في الطموح إلى الترقية، فهو حق مشروع لكل إنسان مجتهد، وإنما في اختزال النجاح المهني بالمنصب، بصرف النظر عن الاستحقاق والقدرة على تحمل المسؤولية.
ولا يقتصر هذا الهوس على المؤسسات الحكومية، بل يمتد إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، حين تصبح بعض الألقاب وسيلة لإثبات التفوق الشخصي بدلاً من أن تكون انعكاساً حقيقياً للمعرفة والخبرة، فالقيمة العلمية للأستاذ الجامعي لا تُقاس بعدد الألقاب التي تسبق اسمه، وإنما بما يقدمه من علم وبحث وإسهام معرفي، مثلما لا تُقاس كفاءة المدير بحجم مكتبه أو عدد الموظفين الذين يعملون تحت إدارته، بل بقدرته على اتخاذ القرار وحل المشكلات وتحقيق النتائج.
إن أخطر ما ينتجه الهوس بالمسمى الوظيفي هو ظهور شخصيات تربط احترام الآخرين لها بمقدار السلطة التي تمتلكها، فتتعامل مع الموظفين بمنطق التراتبية الاجتماعية لا بروح العمل المؤسسي، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى الاعتقاد بأن المنصب يمنحه امتيازاً إنسانياً على الآخرين، متناسياً أن الوظيفة تكليف مؤقت، وأن الصلاحيات الإدارية لا تعني التفوق الأخلاقي أو الفكري. وكم من شخص كان محاطاً بالتحية والمجاملات ما دام يشغل منصباً، ثم اكتشف بعد مغادرته أن كثيراً من ذلك الاهتمام كان موجهاً إلى كرسيه لا إلى شخصه. ومن المؤسف أن تسهم البيئة الاجتماعية أحياناً في تكريس هذه الظاهرة، عندما تبالغ في الاحتفاء بالألقاب والمناصب، وتمنح أصحابها مكانة لا ترتبط بالضرورة بما يقدمونه من إنجازات، وهكذا يتشكل وعي مشوه لدى بعض الأفراد، يجعلهم يعتقدون أن الحصول على لقب وظيفي هو الطريق الأقصر إلى الاحترام والتقدير، بدلاً من بناء سمعة مهنية قائمة على النزاهة والكفاءة وحسن التعامل.
والأشد خطورة أن يتحول المنصب إلى وسيلة لتعويض شعور داخلي بالنقص، فيعتقد صاحبه أن فرض الهيبة الإدارية والتشدد في المخاطبات والمبالغة في المظاهر الرسمية كفيلة بصناعة شخصية قيادية، بينما القيادة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض مستمر للسلطة، لأن حضورها يُستمد من الحكمة والعدالة والقدرة على إدارة الآخرين واحترامهم. إن المؤسسات الناجحة لا تُبنى بكثرة المسميات، وإنما بوضوح المسؤوليات وعدالة توزيع الصلاحيات ووجود معايير موضوعية لتقييم الأداء، فالمنصب الذي لا ينتج قراراً نافعاً، ولا يحل مشكلة، ولا يضيف قيمة للعمل، يبقى مجرد عنوان إداري مهما بدا لامعاً.
كما أن الموظف الذي يترك أثراً إيجابياً في مؤسسته، حتى وإن كان يشغل موقعاً بسيطاً، قد يكون أكثر أهمية من مسؤول يحمل لقباً كبيراً دون أن يترك وراءه إنجازاً يُذكر. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل من يسعى إلى منصب وظيفي ليس: ماذا سيضيف هذا المنصب إلى اسمي؟ بل ماذا سأضيف أنا إلى هذا المنصب؟ فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين عقلية تبحث عن الوجاهة وعقلية تؤمن بالمسؤولية، وبين شخص يريد أن يكبر بالكرسي وآخر يجعل الكرسي أكبر بما يقدمه من عمل. وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يتجاهلها المهووسون بالألقاب أن المسميات الوظيفية مؤقتة مهما طالت مدتها، وأن القرارات الإدارية التي تمنح المناصب تستطيع إنهاءها، لكن الأثر المهني والسمعة الطيبة والإنجاز الحقيقي لا تنتهي بانتهاء التكليف.
فليس كل من حمل لقباً كبيراً أصبح شخصية كبيرة، وليس كل من غاب اسمه عن الهيكل الإداري كان قليل الأهمية. إن المناصب تصنع سلطة مؤقتة، أما الكفاءة والأخلاق والإنجاز فتصنع مكانة دائمة، وأكبر خسارة قد يتعرض لها الإنسان أن يقضي سنوات عمره في صناعة لقب، ثم يكتشف أنه لم يصنع لنفسه قيمة خارجه، فالمسمى الوظيفي قد يمنحك حق التوقيع على الأوراق، لكنه لا يمنحك بالضرورة مكاناً في ذاكرة الناس، لأن التاريخ لا يتذكر من جلس على الكرسي بقدر ما يتذكر ماذا فعل وهو يجلس عليه.



اضف تعليق