الإنسان يستطيع أن يدرك الضرر، ويقتنع بضرورة التغيير، ثم يجد نفسه أمام رغبة ملحة تعيده إلى السلوك نفسه. إن الإرادة تحتل مكانة أساسية في بدء التعافي، لكنها وحدها لا تفسر الإدمان ولا تكفي لمعالجته؛ فالإدمان ظاهرة متعددة الأسباب ترتبط بتغيرات دماغية وعوامل وراثية وبيئية ونفسية. إن قيمة الإرادة تكمن في منح القدرة على بدء التغيير، فيما تمنحه المعرفة والعلاج والدعم الوسائل اللازمة للاستمرار...

تجلس مع صديق تعرفه منذ سنوات، تلاحظ سعاله المتكرر، وتسمعه يتحدث عن رغبته في ترك التدخين. يعدك بأن هذه السيجارة ستكون الأخيرة، ثم يخرج علبة السجائر بعد دقائق. وفي لقاء آخر، تسمع شخصاً يصف أضرار الكحول أو المخدرات بدقة، ثم يعود إلى تعاطيها رغم معرفته بما تتركه في جسده وحياته. تتكرر هذه المشاهد في محيطنا، وتثير سؤالاً يصعب اختزاله في نصيحة عابرة: لماذا يعجز الإنسان أحياناً عن التوقف عن سلوك يعرف أنه يؤذيه؟

أعتقد أن هذا السؤال يكشف جانباً معقداً من العلاقة بين المعرفة والإرادة. فالإنسان يستطيع أن يدرك الضرر، ويقتنع بضرورة التغيير، ويعلن رغبته في التوقف، ثم يجد نفسه أمام رغبة ملحّة تعيده إلى السلوك نفسه. وبين القناعة والفعل مسافة تتداخل فيها العوامل النفسية والجسدية والاجتماعية، وتحتاج معالجتها إلى فهم أوسع من مطالبة المدمن بأن يكون أقوى أو أكثر انضباطاً.

تحتل الإرادة مكانة أساسية في بداية التعافي؛ فهي التي تدفع الإنسان إلى الاعتراف بالمشكلة، واتخاذ قرار التغيير، وقبول المساعدة، والاستمرار في مواجهة الصعوبات. غير أن الإرادة وحدها لا تفسر الإدمان، ولا تكفي دائماً لمعالجته. فالتدخين، وتعاطي الكحول، والمخدرات، وغيرها من السلوكيات الإدمانية، ترتبط بتغيرات في أنظمة الدماغ المسؤولة عن المكافأة والدافعية والتعلم، وقد يصاحب التوقف عنها أعراض انسحاب جسدية ونفسية تجعل الاستمرار في القرار أمراً شاقاً.

ولهذا لا يصح التعامل مع الإدمان باعتباره ضعفاً أخلاقياً أو نقصاً في الشخصية. فالعوامل الوراثية تسهم في قابلية بعض الأشخاص للإصابة به، وتتداخل معها ظروف التنشئة والضغوط النفسية والتجارب المؤلمة والبيئة الاجتماعية وسهولة الوصول إلى المادة المخدرة. ولا يوجد عامل واحد يفسر جميع الحالات؛ فالإدمان ظاهرة متعددة الأسباب، تختلف تفاصيلها بين شخص وآخر، ويحتاج التعامل معها إلى تشخيص مناسب وخطة علاج تراعي حالة الفرد.

وتكشف العلاقات اليومية جانباً آخر من المشكلة، يتصل بحق الآخرين في العيش ضمن بيئة صحية ومريحة. فالمدخن الذي يشعل سيجارته في مجلس عائلي أو مكان مغلق يضع المحيطين به أمام دخان لا اختاروا استنشاقه. ويصبح الأمر أكثر إزعاجاً عندما يتكرر السلوك مع معرفة صاحبه برغبة الآخرين في الابتعاد عنه. فالتدخين السلبي يحمل مخاطر صحية معروفة، واحترام غير المدخنين يقتضي الامتناع عن التدخين في الأماكن المشتركة، وعدم تحويل المجاملة الاجتماعية إلى تنازل عن سلامة الآخرين.

وقد يتعامل بعض المدخنين مع اعتراض المحيطين بهم بوصفه مبالغة أو تدخلاً في حريتهم الشخصية، مع أن الحرية لا تمنح الإنسان حق تعريض صحة الآخرين للضرر. كما أن العلاقة الطيبة بين الأصدقاء والأقارب لا تعني قبول كل سلوك يصدر عنهم. يستطيع الإنسان أن يحب شخصاً ويدعمه، وفي الوقت نفسه يضع حدوداً واضحة أمام عادة تؤذيه وتؤذي من حوله.

وتتضاعف آثار الإدمان خارج الجانب الصحي. فالإنفاق المستمر على السجائر أو الكحول أو المخدرات يستقطع جزءاً من دخل الفرد، وقد يمتد أثره إلى احتياجات الأسرة والتعليم والغذاء والسكن. كما تتأثر العلاقات الأسرية بسبب القلق وفقدان الثقة والمشكلات المالية والتغيرات السلوكية المصاحبة للتعاطي. ومع مرور الوقت، تتراجع مشاركة الإنسان في العمل والنشاط الاجتماعي، ويضيق عالمه حول العادة التي تستحوذ على اهتمامه وموارده.

ومن المفيد أن ننتبه إلى أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى التدخين أو التعاطي هرباً من القلق أو الوحدة أو الضغط أو الشعور بالفشل. تمنحهم المادة شعوراً مؤقتاً بالراحة أو الانفصال عن المشكلة، ثم تعود الضغوط بصورة أشد مع تكرار الاستخدام. وهكذا تتكون دائرة تستمر فيها المعاناة، ويصبح التعاطي وسيلة للتعامل معها، رغم أنه يضيف أعباء جديدة إلى حياة الشخص. لذلك يحتاج التعافي إلى معالجة الأسباب التي دفعت الإنسان إلى هذا المسار، بالتوازي مع التعامل مع الاعتماد الجسدي والنفسي.

وتبدأ الخطوة العملية بالاعتراف الصريح بالمشكلة وتحديد طبيعة العادة وتأثيرها، ثم طلب المشورة من مختصين في الصحة النفسية أو علاج الإدمان. فبعض الحالات تحتاج إلى برامج سلوكية تساعد على فهم المحفزات وتغيير الاستجابات، وبعضها يستفيد من أدوية يحددها الطبيب، إلى جانب المتابعة والدعم الأسري والاجتماعي. كما تتوافر علاجات دوائية فعالة للإقلاع عن التدخين، ويمكن للمختص اختيار الأنسب وفق الحالة الصحية ودرجة الاعتماد على النيكوتين.

ومن المهم أيضاً ألا يتحول التعثر أثناء العلاج إلى حكم نهائي على قدرة الإنسان على التعافي. فالانتكاس قد يحدث خلال رحلة العلاج، ويحتاج إلى مراجعة أسبابه وتعديل الخطة العلاجية، مع الحفاظ على التواصل مع المختصين. أما التوقف المفاجئ عن بعض المواد، ولا سيما الكحول وبعض الأدوية المهدئة، فقد يسبب مضاعفات خطيرة تستدعي إشرافاً طبياً؛ لذلك ينبغي تجنب محاولات الانسحاب غير الآمنة أو الاعتماد على التجارب الفردية.

وللأسرة دور مؤثر في هذه الرحلة. فالمساندة الهادئة، وتشجيع طلب العلاج، وتوفير بيئة تقل فيها المحفزات، ومتابعة التقدم، كلها عوامل تساعد على الاستمرار. أما الإهانة والتهديد والتشهير، فتزيد شعور الشخص بالعزلة وقد تدفعه إلى إخفاء المشكلة. ويحتاج المجتمع كذلك إلى خطاب صحي يشرح مخاطر الإدمان، ويحد من الوصمة الاجتماعية، وييسر الوصول إلى خدمات العلاج والتأهيل.

ولا ينبغي أن نغفل مسؤولية المؤسسات الصحية والتعليمية والإعلامية. فالتوعية المؤثرة تحتاج إلى معلومات علمية واضحة، وبرامج وقائية تستهدف الشباب، وخدمات علاجية يمكن الوصول إليها، ومساحات آمنة لطلب المساعدة. كما يتطلب الحد من انتشار المخدرات مكافحة مصادر الترويج والاتجار، وتطوير برامج التأهيل وإعادة الاندماج، حتى يجد المتعافي فرصة حقيقية لاستعادة دوره في أسرته ومجتمعه.

أرى أن قيمة الإرادة تكمن في أنها تمنح الإنسان القدرة على بدء التغيير وتحمل مسؤوليته، فيما تمنحه المعرفة والعلاج والدعم الوسائل اللازمة للاستمرار. فقرار الإقلاع يستحق الاحترام، وطلب المساعدة دليل وعي، والعودة إلى الحياة الصحية إنجاز يتطلب الصبر والمتابعة.

في المحصلة، لا تختصر حياة الإنسان في عادة أرهقته، ولا ينبغي أن تختصر نظرة المجتمع إليه في خطئه أو تعثره. وراء كل حالة تجربة وظروف تحتاج إلى فهم، وأمام كل شخص فرصة لاستعادة صحته وكرامته وعلاقاته. الإرادة تفتح باب التعافي، والعلاج يرسم طريقه، والمساندة تمنح الإنسان قوة مواصلة السير.

اضف تعليق