يتناول المقال سيرة السيدة فاطمة الزهراء بوصفها نموذجًا للمرأة المؤمنة الواعية والمسؤولة، في مواجهة تحديات الحداثة الاستهلاكية التي تربط قيمة المرأة بالمظهر والنجاح المادي. ويبرز حضور الزهراء في الشأن العام ودفاعها عن حقوقها، ودورها في تنشئة الأجيال، مؤكدًا أهمية تمكين المرأة وصون كرامتها واحترام اختيارها، وترجمة الاقتداء بسيرتها...
في ذكرى استشهاد سيدة نساء العالمين، السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وفق الرواية الثانية، نستحضر سيرة امرأة جسّدت الإيمان والكرامة والثبات على المبدأ، ونستعيد من خلالها أسئلة المرأة المعاصرة في مواجهة تحديات الحداثة الاستهلاكية وأوهام الحرية والجمال والنجاح.
لقد أفرزت ثقافة الاستهلاك قيودًا جديدة على المرأة، حين جعلت قيمتها مرتبطة بمظهرها ومواكبتها للموضة ومقاييس النجاح المادي التي تفرضها وسائل الإعلام. وهكذا قد تتحول حرية المرأة إلى سباق لإرضاء الآخرين، والانفتاح إلى تقليد أعمى، بدلًا من أن يكونا تعبيرًا عن الوعي والاختيار.
ولا يعني ذلك رفض الحداثة أو الاستقلال أو حقوق المرأة، بل التمييز بين التقدم الحقيقي وما يحوّل الإنسان إلى أسير للمظاهر والاستهلاك. وهنا تقدم سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) نموذجًا حيًا للمرأة التي جمعت بين الإيمان والوعي والمسؤولية، ودافعت عن حقها في فدك بخطبتها الشهيرة في المسجد النبوي الشريف، في موقف يجسّد حضور المرأة في الشأن العام وقدرتها على التعبير عن موقفها والدفاع عنه وتحشيد الآخرين معها؛ لأنها لم تذهب وحيدة، بل حشدت نساء قريش من ساكنات المدينة المنورة معها إلى ذلك الموقف.
ولا يكتمل الحديث عن مكانة المرأة من دون التوقف عند دورها في تنشئة الأجيال؛ فكما قال الشاعر حافظ إبراهيم:
الأم مدرسة إذا أعددتها --- أعددت شعبًا طيب الأعراق
فالأم لا تربي أبناءها بالكلام وحده، بل بما تغرسه فيهم من قيم وما تقدمه لهم من سلوك وقدوة. وتقدم السيدة الزهراء مثالًا تاريخيًا لهذا الدور، فهي أم الحسن والحسين وزينب (عليهم السلام)، الذين كان لهم حضور بارز في تاريخ الإسلام. وتوضح مواقف السيدة زينب (عليها السلام) وخطبتها بعد واقعة كربلاء الأليمة كيف يمكن للقيم الراسخة أن تتحول إلى مواقف مؤثرة وقوة للتغيير في سلوك الفرد وتوجهات المجتمع.
إن تمكين المرأة بالعلم والوعي وصون كرامتها واحترام حقوقها يعزز قدرتها على المشاركة في بناء المجتمع وتربية جيل يمتلك الوعي والثقة والمسؤولية. فالمجتمع الذي ينتقص من المرأة يضعف أحد أهم أركان بنائه، بينما يهيئ احترامها وإتاحة فرص النمو لها أساسًا أفضل لمستقبله.
وفي ذكرى استشهاد الزهراء (عليها السلام)، تبقى العِبرة والعَبرة في أن نستحضر قيمها ونترجمها إلى واقع يحفظ للمرأة كرامتها أولًا، ويصون حقها في الوعي والاختيار ثانيًا، ويقدّر رسالتها في الأسرة والمجتمع ثالثًا.
فالحزن على مصابها، وإن كان وسيلة سلمية وناعمة للتعبير عن الاحتجاج، فإنه لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يقترن بالاقتداء بمواقفها والثبات بقوة على القيم التي دافعت عنها.



اضف تعليق