يتناول الفصل الثامن من كتاب «علم نفس الصحة» لكاثرين أ. ساندرسون السمنة واضطرابات الأكل بوصفهما نتاجًا لتفاعل العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية. ويوضح أثر الجينات والضغط النفسي والبيئة والإعلام وصورة الجسد في السلوك الغذائي، ويناقش الوقاية والعلاج، مؤكدًا أهمية العادات المتوازنة، والنشاط البدني، والدعم الأسري، وتصحيح المعتقدات، وبناء علاقة...
مقدمة تمهيدية عن الكتاب والفصول السابقة
ينتمي كتاب «علم نفس الصحة» في طبعته الثانية إلى حقل علم النفس الصحي، وهو من تأليف الباحثة والأكاديمية كاثرين أ. ساندرسون، وصدر عن دار جون وايلي وأبناؤه. يقوم الكتاب على رؤية تتجاوز الفصل التقليدي بين الجسد والنفس، إذ يبحث في كيفية تفاعل العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والسلوكية في تشكيل الصحة والمرض، وكيف يمكن للعادات اليومية، وطريقة التفكير، والعلاقات الاجتماعية، والضغوط، والبيئة الثقافية أن تؤثر في احتمالات الإصابة بالمرض أو الوقاية منه أو التكيف معه.
وقد بدأ الفصل الأول بتقديم مدخل إلى علم نفس الصحة، موضحًا نشأة هذا الحقل وأسباب تطوره، وتحول أنماط المرض، وحدود النموذج الطبي الحيوي الذي يركز على الأسباب الجسدية وحدها. ثم انتقل الفصل الثاني إلى مناهج البحث العلمي في علم نفس الصحة، من الملاحظة والاستبيانات إلى الدراسات التجريبية والسريرية، بما يساعد على تقييم الأدلة المتعلقة بالعلاقة بين النفس والجسد. أما الفصل الثالث فخصص للنظريات التي تفسر السلوك الصحي، ولماذا يتبنى بعض الناس سلوكيات تحمي صحتهم بينما يستمر آخرون في ممارسات يعرفون أنها ضارة.
وجاء الفصل الرابع ليتناول الضغط النفسي، من حيث مصادره وطرق قياسه وآثاره في الجسد والمناعة والقلب والحالة النفسية، فضلًا عن أساليب التعامل معه. وركز الفصل الخامس على دور الشخصية والدعم الاجتماعي في إدارة الضغط، موضحًا أثر التفاؤل والصلابة النفسية والعدائية والعصابية والعلاقات الاجتماعية في الصحة. ثم تناول الفصل السادس الإصابات، وأسبابها المختلفة عبر مراحل العمر، ودور السلوك والبيئة والقوانين في الوقاية منها. أما الفصل السابع فبحث التدخين وإساءة استخدام الكحول، والعوامل النفسية والاجتماعية والبيولوجية المؤدية إليهما، وكيف يتحول الاستخدام إلى اعتماد وإدمان، وسبل الوقاية والعلاج.
ويأتي الفصل الثامن: السمنة واضطرابات الأكل ليوسع دراسة السلوك الصحي إلى علاقة الإنسان بالطعام وصورة الجسد والوزن. فالكاتبة لا تتناول السمنة بوصفها مجرد نتيجة للإفراط في الطعام، ولا اضطرابات الأكل بوصفها مجرد سوء اختيار غذائي، وإنما تبحث في التفاعل المعقد بين الجينات، والاستقلاب، والجوع، والانفعالات، والضغط النفسي، والعائلة، والأصدقاء، والإعلام، والثقافة، ومعايير الجمال، وأساليب ضبط الطعام. ثم تنتقل إلى الوقاية من السمنة وعلاجها، قبل أن تبحث فقدان الشهية العصبي والنهام العصبي واضطراب نهم الطعام وأسبابها البيولوجية والنفسية والاجتماعية ووسائل الوقاية والعلاج. ويؤكد ملخص الفصل نفسه هذا البناء المتكامل، إذ يجمع بين العوامل الوراثية والنفسية والاجتماعية والوقاية والعلاج.
الطعام ليس استجابة للجوع وحده
يبدو تناول الطعام في أبسط صوره استجابة لحاجة بيولوجية: يحتاج الجسم إلى الطاقة، فيشعر الإنسان بالجوع، ثم يأكل حتى يصل إلى الشبع. غير أن الفصل الثامن يبين أن السلوك الغذائي أكثر تعقيدًا من هذه المعادلة. فالناس يأكلون أحيانًا وهم غير جائعين، ويمتنعون عن الأكل أحيانًا رغم حاجة أجسادهم إلى الغذاء، ويأكلون كميات مختلفة تبعًا للمكان والأشخاص الموجودين معهم والحالة الانفعالية وحجم الطبق ورائحة الطعام وطريقة تقديمه.
ومن هنا تصبح دراسة الأكل قضية نفسية واجتماعية بقدر ما هي قضية بيولوجية. فقد يأكل الإنسان لأنه متوتر، أو حزين، أو يشعر بالملل، أو لأنه شاهد طعامًا جذابًا، أو لأن الأشخاص المحيطين به يأكلون، أو لأنه اعتاد تناول شيء معين أثناء مشاهدة التلفزيون. وفي الاتجاه المقابل، قد يفرض على نفسه قيودًا غذائية قاسية بسبب اعتقاده أن وزنه أكبر مما ينبغي، أو نتيجة مقارنته بجسد مثالي تعرضه وسائل الإعلام بصورة متكررة.
وتظهر أهمية هذا المدخل في رفض التفسير الأحادي للسمنة واضطرابات الأكل. فالسمنة لا تعني بالضرورة أن الشخص يفتقر إلى الإرادة، واضطراب الأكل لا يعني ببساطة أن الإنسان اتخذ قرارًا خاطئًا بشأن الطعام. هناك عوامل وراثية واستقلابية ونفسية وثقافية وعائلية تتفاعل عبر الزمن وتؤثر في علاقة الإنسان بالطعام وفي الكمية التي يتناولها وفي صورة الجسد التي يسعى إليها.
ولهذا يخصص الفصل جزءًا واسعًا لتحليل العوامل النفسية التي تؤثر في الأكل والإفراط فيه، ومنها فرضية الإشارات الداخلية والخارجية، وتنظيم المزاج، ونظرية التقييد الغذائي، والعوامل الاجتماعية والثقافية.
ما المقصود بالسمنة وكيف تقاس؟
يناقش الفصل مشكلة تعريف السمنة قبل الانتقال إلى أسبابها. فالاعتماد على الوزن وحده قد يكون مضللًا؛ لأن الوزن لا يميز بين الدهون والعضلات والعظام، ولذلك قد يكون بعض الرياضيين ذوي الأجسام العضلية أثقل وزنًا من المتوسط من دون أن تكون لديهم نسبة مرتفعة من الدهون.
وكانت بعض المقاييس القديمة تعتمد جداول تربط الوزن بالطول والبنية الجسدية، ثم استخدمت قياسات نسبة الدهون في الجسم، لكن صعوبة تطبيق بعض هذه الطرق على نطاق واسع جعلت مؤشر كتلة الجسم من أكثر المقاييس استخدامًا. ويحسب هذا المؤشر بربط وزن الشخص بطوله، ويقدم الفصل الحدود التي كانت معتمدة في المصادر التي استند إليها عند صدوره، حيث اعتُبر المجال بين 19 و24 وزنًا مناسبًا، وبين 25 و29 زيادة متوسطة في الوزن، بينما يشير الرقم الأعلى من 30 إلى السمنة. وهذه الحدود والأرقام تعكس إطار الكتاب وبياناته في ذلك الوقت.
ويشير الفصل إلى أن انتشار السمنة شهد ارتفاعًا واضحًا في الولايات المتحدة خلال العقود التي سبقت صدور الكتاب، وأن المشكلة لم تعد مقتصرة على البالغين، بل ظهرت بصورة متزايدة بين الأطفال والمراهقين أيضًا.
ولا تكمن أهمية قياس السمنة في تصنيف الناس أو اختزال صحتهم في رقم، وإنما في محاولة تقدير المخاطر الصحية المصاحبة لزيادة الدهون في الجسم. ومع ذلك، يبين الفصل لاحقًا أن مكان تراكم الدهون قد يكون مهمًا أيضًا؛ فتوزيع الدهون حول منطقة البطن يرتبط في الدراسات التي يعرضها الكتاب بمخاطر صحية أكبر مقارنة بتراكمها في مناطق أخرى.
ومن هنا فان السؤال لا يكتفي فقط حول كم يزن الإنسان؟ بل أيضًا: ما نسبة الدهون في جسمه؟ وأين تتركز؟ وما حالته الصحية العامة؟ وما العوامل السلوكية والبيولوجية التي أدت إلى زيادة الوزن؟
عندما تتحول زيادة الوزن إلى مشكلة صحية
يربط الكتاب السمنة بمجموعة من المشكلات الصحية، من بينها ارتفاع ضغط الدم وأمراض الكلى والمرارة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية وبعض أنواع السرطان. ويعرض دراسات طولية وجدت أن ارتفاع الوزن يرتبط بزيادة بعض المخاطر الصحية والوفيات، خصوصًا عند الوصول إلى مستويات مرتفعة جدًا من السمنة.
ويعطي الفصل اهتمامًا خاصًا للسكري من النوع الثاني، إذ يربطه بقوة بزيادة الوزن، ويشير إلى أن نسبة كبيرة من المصابين بهذا النوع من السكري يعانون السمنة. كما يوضح أن المشكلة بدأت تظهر في أعمار أصغر مع زيادة انتشار الوزن الزائد لدى الأطفال والمراهقين.
إلا أن النتائج الصحية ليست الجانب الوحيد الذي تناقشه الكاتبة. فالأشخاص المصابون بالسمنة قد يواجهون أيضًا أحكامًا اجتماعية سلبية، وقد يُنظر إليهم باعتبارهم كسالى أو غير منضبطين أو ضعيفي الإرادة. ويعرض الفصل دراسات تشير إلى أن هذه الصورة الاجتماعية يمكن أن تنعكس على العلاقات والعمل والدخل وفرص الزواج والتقييم الاجتماعي.
وهنا يطرح مسألة مهمة تتصل بعلم النفس الاجتماعي: الناس لا ينظرون إلى الوزن فقط، بل إلى ما يعتقدون أنه سبب الوزن. فعندما يعتقد الآخرون أن زيادة الوزن ناتجة عن عامل لا يسيطر عليه الشخص، يتراجع الميل إلى لومه، بينما يزداد الحكم السلبي عندما تفسر السمنة باعتبارها نتيجة للكسل أو ضعف الإرادة.
ويؤكد أن الدراسات لا تدعم فكرة وجود شخصية خاصة موحدة تميز المصابين بالسمنة عن غيرهم. وهذا مهم لأن ربط الوزن تلقائيًا بصفات أخلاقية أو نفسية يمثل نوعًا من الوصم الاجتماعي، بينما أسباب زيادة الوزن أكثر تعقيدًا من أن تختزل في صفة شخصية واحدة. فالسمنة ترتبط بعواقب جسدية ونفسية واجتماعية، مع وجود أدوار للجينات والعوامل النفسية معًا.
هل تحدد الجينات وزن الإنسان؟
العوامل الوراثية لها موقع مهم في تفسير السمنة، لكنه يرفض جعلها تفسيرًا كاملًا. فمن الملاحظ أن الأطفال الذين ينتمون إلى أسر يعاني فيها الأب أو الأم زيادة الوزن يكونون أكثر عرضة لزيادة الوزن بدورهم. لكن التشابه بين الآباء والأبناء قد ينتج من الجينات، وقد ينتج أيضًا من نمط الحياة المشترك: نوعية الطعام، وحجم الوجبات، ومستوى النشاط، والعادات الأسرية.
ولهذا يستعين الفصل بدراسات التوائم والأطفال المتبنين للتمييز بين الأثر الوراثي والأثر البيئي. وتبين الدراسات التي يعرضها أن التوائم المتطابقة يظهر بينهم تشابه كبير في مؤشر كتلة الجسم حتى عندما ينشؤون في بيئات مختلفة، كما يظهر وزن الأطفال المتبنين ارتباطًا أقوى بوزن الوالدين البيولوجيين مقارنة بوزن الوالدين الذين قاموا بتربيتهم.
وتشير التقديرات التي أوردها الكتاب إلى أن العوامل الوراثية يمكن أن تفسر نسبة مهمة من الاختلافات في مؤشر كتلة الجسم بين الأشخاص. لكنها لا تعني وجود «جين واحد للسمنة»، بل تشير إلى مجموعة من الآليات البيولوجية التي قد تؤثر في الشهية، والرغبة في أنواع معينة من الطعام، والقدرة على استهلاك الطاقة، والاستقلاب، والاستجابة للشبع.
ومن الأمثلة التي يعرضها الفصل هرمون اللبتين الذي تنتجه الخلايا الدهنية، والذي يرتبط بتنظيم الشهية واستهلاك الطاقة. كما يناقش الاختلافات في معدل الاستقلاب، أي مقدار الطاقة التي يستخدمها الجسم في الوظائف الأساسية، ويشير إلى أن أشخاصًا قد يتناولون كميات متشابهة من الطاقة لكن أجسامهم تختلف في مقدار ما تستهلكه وما تخزنه.
وتظهر هنا رسالة أساسية: الجينات قد تحدد استعدادًا، لكنها لا تحدد المصير النهائي بصورة منفردة. فحتى الأشخاص ذوو الخلفيات الوراثية المتشابهة قد تختلف أوزانهم باختلاف البيئة والثقافة والطعام والنشاط البدني.
نظرية نقطة الضبط.. لماذا يقاوم الجسم فقدان الوزن؟
يقدم الفصل مفهوم نقطة الضبط لتفسير صعوبة فقدان الوزن والمحافظة عليه لدى بعض الأشخاص. وتفترض النظرية أن الجسم يميل إلى المحافظة على نطاق معين من الوزن، كما يحافظ جهاز تنظيم الحرارة على درجة محددة. وعندما يقل تناول الطاقة لفترة من الزمن، قد يتباطأ معدل الاستقلاب، بما يساعد الجسم على مقاومة انخفاض الوزن.
ويطرح عدة احتمالات لتفسير هذه الظاهرة، منها عدد الخلايا الدهنية، ودور منطقة تحت المهاد في الدماغ، ومستويات الغلوكوز والأنسولين وغيرها من الإشارات المتعلقة بالجوع والشبع. فالجسم ليس مستودعًا سلبيًا يدخل إليه الطعام ويتحول مباشرة إلى وزن، بل منظومة تنظيمية تسعى إلى الحفاظ على التوازن.
لكنه لا يقدم نقطة الضبط بوصفها تفسيرًا نهائيًا للسمنة. فالزيادة الكبيرة في انتشار السمنة خلال عقود قليلة لا يمكن تفسيرها بتحولات جينية سريعة، كما أن الأشخاص المنحدرين من الخلفية الوراثية نفسها يمكن أن تختلف أوزانهم بوضوح عندما يعيشون في بيئات وثقافات مختلفة.
وهذا ما يتضح في الدراسات التي يقارن فيها الكتاب بين الأشخاص من أصل واحد الذين يعيشون في بلدان مختلفة، إذ يزداد الوزن مع الانتقال إلى بيئات ترتفع فيها كثافة الطاقة الغذائية، وتكبر أحجام الوجبات، ويقل النشاط اليومي.
إذن، البيولوجيا تحدد جانبًا من القابلية، بينما تحدد البيئة مقدار ما إذا كان هذا الاستعداد سيظهر بصورة واضحة أم لا. وهذه الفكرة تمثل الخيط الذي يجمع الفصل كله: السمنة نتيجة تفاعل وليست نتيجة سبب منفرد.
لماذا نأكل عندما لا نكون جائعين؟
تبدأ المقاربة النفسية للأكل بالسؤال عن الفرق بين الإشارات الداخلية والإشارات الخارجية. فالإشارة الداخلية هي الجوع أو الشبع أو حاجة الجسم للطاقة، بينما تشمل الإشارات الخارجية رائحة الطعام وشكله وطعمه وتنوعه وحجمه ووجود الآخرين وموعد الوجبة والإعلانات.
وتفترض نظرية الإشارات الداخلية والخارجية أن بعض الأشخاص يتأثرون بالمثيرات الخارجية أكثر من استجابتهم لإشارات الجوع والشبع. فقد يمر الإنسان أمام مخبز فينجذب إلى الرائحة، أو يرى طعامًا جذابًا رغم أنه أكل قبل وقت قصير، أو يستمر في الطعام لأن المائدة تحتوي أنواعًا متعددة.
وهناك دراسات قديمة حاولت مقارنة استجابة الأشخاص ذوي الوزن الطبيعي والأشخاص المصابين بالسمنة للجوع ولجاذبية الطعام. ووجد بعضها أن المشاركين من ذوي الوزن الطبيعي غيّروا مقدار ما يأكلونه بحسب شعورهم بالجوع، بينما كان مقدار الطعام لدى بعض المشاركين المصابين بالسمنة أكثر تأثرًا بجاذبية الطعام والظروف الخارجية.
لكن الكاتبة لا تتعامل مع هذه النظرية باعتبارها حقيقة نهائية؛ فهي تشير إلى أن الأبحاث الأحدث قدمت دعمًا محدودًا لها بصورتها البسيطة، إذ إن الأشخاص من مختلف الأوزان يمكن أن يتأثروا بالمثيرات الخارجية، كما أن الإنسان عمومًا ليس دقيقًا دائمًا في قراءة إشارات الجوع أو حساب ما يحتاج إليه من طاقة.
وتظهر قيمة هذا النقد في أن العلاقة بالطعام ليست مرتبطة بالوزن وحده. فجاذبية الطعام، وضعف ضبط الرغبة، والتعرض المتكرر للمثيرات الغذائية، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في الأشخاص بصرف النظر عن تصنيف أوزانهم.
الأكل الانفعالي.. عندما يتحول الطعام إلى وسيلة لتنظيم المزاج
ينتقل الفصل إلى عامل آخر أكثر تعقيدًا، هو استخدام الطعام لتنظيم المشاعر. فالإنسان قد يأكل لا لأنه يحتاج إلى الطاقة، بل لأنه يحاول التخفيف من القلق أو الحزن أو الضغط أو الشعور بالإحباط.
فهناك دراسات وجدت أن الضغط النفسي يرتبط لدى بعض الأشخاص بزيادة تناول الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات، وبانخفاض تنظيم مواعيد الطعام، وأن ارتفاع مستوى الضغط قد يعرقل نجاح برامج إنقاص الوزن.
كما ان هناك تجارب مخبرية أظهرت أن توقع التعرض لموقف مقلق أدى لدى بعض المشاركين إلى زيادة تناول الطعام، وهو ما يدعم وجود علاقة سببية محتملة بين الانفعال والسلوك الغذائي، بدل الاقتصار على الدراسات التي تلاحظ الارتباط فقط.
غير أن الاستجابة للضغط ليست واحدة عند الجميع. فبعض الأشخاص يأكلون أكثر عندما يتوترون، بينما يفقد آخرون الشهية. ويشير الفصل إلى أن زيادة الأكل تحت الضغط قد تظهر بصورة أوضح لدى الأشخاص الذين يحاولون تقييد طعامهم أو إنقاص وزنهم، ولدى بعض النساء أكثر من الرجال في عدد من الدراسات التي يعرضها.
كما قد يغير المزاج نوع الطعام الذي يفضله الإنسان، وليس الكمية فقط. فالحزن قد يزيد الميل إلى ما يسمى أطعمة الراحة، بينما قد يختلف الاختيار في الحالات الانفعالية الإيجابية.
وهنا يتضح أن الطعام قد يؤدي وظيفة نفسية: فهو يصبح وسيلة للتعامل مع المشاعر. لكن عندما يعتمد الإنسان عليه باستمرار لتخفيف الضغط، يمكن أن تتشكل دائرة يكون فيها الانفعال السلبي سببًا للأكل، ثم يصبح الإفراط في الطعام نفسه مصدرًا للشعور بالذنب أو الفشل، بما يولد مزيدًا من الانفعال السلبي.
التقييد الغذائي ومفارقة «لقد أفسدت الحمية»
تفسر نظرية التقييد الغذائي إحدى المفارقات المهمة في محاولات إنقاص الوزن. فالإنسان الذي يتبع حمية قد لا يعتمد على الجوع والشبع، بل يضع لنفسه قواعد معرفية صارمة: هذا الطعام مسموح، وذلك ممنوع؛ هذه الكمية مقبولة، وأي زيادة تعتبر فشلًا.
يمكن لهذه القواعد أن تساعد في تقليل الطعام، لكنها قد تأتي بنتيجة عكسية عندما تصبح شديدة الصرامة. فالشخص الذي يتناول كمية صغيرة من طعام صنفه مسبقًا باعتباره «ممنوعًا» قد يشعر بأن الحمية انهارت بالكامل، ويقول لنفسه بصورة ضمنية: بما أنني كسرت القاعدة، فلا معنى للاستمرار في ضبط الطعام اليوم.
ومن هنا يظهر نمط «الكل أو لا شيء»: إما التزام كامل وإما انفلات كامل. ويعرض الفصل تجارب أظهرت أن بعض الأشخاص الذين يتبعون قيودًا غذائية قد يأكلون كمية أكبر بعد تناول طعام مرتفع الطاقة، بينما يستجيب غير المقيدين بالطريقة المعاكسة، أي يقللون ما يأكلونه لأنهم شعروا بالشبع.
كما يمكن للحزن والضغط أن يضعفا القيود المعرفية، فتنهار القواعد التي كان الشخص يعتمد عليها للسيطرة على الطعام. لكن الكاتبة تشير مرة أخرى إلى أن النظرية لا تنطبق بالطريقة نفسها على كل من يتبع حمية، وأن هناك فرقًا بين شخص يفرض قواعد على طعامه دون أن يكون في مرحلة نشطة من خفض الوزن وشخص ملتزم فعليًا بخطة إنقاص وزن في الوقت الحالي.
المغزى الأهم أن الحمية شديدة الصرامة قد تجعل العلاقة بالطعام أكثر هشاشة، لأن أي انحراف صغير يمكن أن يتحول نفسيًا إلى مبرر لإلغاء بقية الضبط.
الأصدقاء والعائلة وحجم الطبق.. البيئة تأكل معنا
لا نأكل في فراغ. فالوجبة تجربة اجتماعية، ولذلك يمكن للأشخاص الموجودين معنا أن يؤثروا في كمية ما نأكل حتى دون أن ندرك ذلك.
فالناس يميلون إلى الأكل أكثر في وجود الآخرين مقارنة بالأكل منفردين، وأن الوجبات مع الأسرة أو الأصدقاء قد تطول، وهو ما يتيح استهلاك كمية أكبر. كما أن الإنسان قد يقلد بصورة غير واعية كمية الطعام التي يستهلكها الشخص الجالس معه.
وهناك دراسة طويلة الأمد وجدت أن احتمالات زيادة الوزن ارتبطت بزيادة الوزن في الشبكات الاجتماعية، خصوصًا بين الأصدقاء من الجنس نفسه، وكذلك بين الإخوة والأزواج. ولا يعني ذلك أن السمنة «عدوى» بالمعنى الطبي، وإنما قد تنتقل المعايير المتعلقة بما يعتبر وزنًا طبيعيًا أو مقدارًا معتادًا من الطعام، فضلًا عن مشاركة العادات الغذائية والنشاطات اليومية.
حتى حجم الأواني يمكن أن يؤثر. فالدراسات وجدت أن استخدام أوعية أكبر أدى إلى تقديم كميات أكبر من الطعام، وأن زيادة حجم ملعقة التقديم يمكن أن تغير الكمية التي يضعها الشخص لنفسه.
هذه التفاصيل الصغيرة تكشف أن الإرادة ليست العامل الوحيد. البيئة تستطيع أن تجعل الإفراط في الطعام أسهل دون أن ينتبه الإنسان إلى ذلك. ولذلك يصبح تعديل البيئة جزءًا من الوقاية والعلاج، مثل تقليل وجود الأطعمة المحفزة في المنزل، وتنظيم حجم الحصص، والانتباه إلى الظروف التي يحدث فيها تناول الطعام بصورة آلية.
الثقافة وصناعة الوفرة الغذائية
يربط الفصل ارتفاع السمنة أيضًا بالتحولات الثقافية في الغذاء. ففي البيئات التي يتوافر فيها الطعام الرخيص وعالي الطاقة بكثرة، ويزداد حجم الحصص المقدمة في المطاعم، ويصبح الوصول إلى الوجبات السريعة والمشروبات المحلاة سهلًا، يصبح الحفاظ على توازن الطاقة أصعب.
ويعرض الكتاب تغير أحجام العبوات والحصص الغذائية خلال عقود، ويشير إلى أن ما كان يعد كمية كبيرة في الماضي أصبح يقدم باعتباره حصة فردية عادية. كما يستشهد بدراسات على مهاجرين أظهرت زيادة احتمال السمنة كلما طالت مدة الإقامة في الولايات المتحدة، ما يدل على أن الانتقال إلى بيئة غذائية جديدة يمكن أن يؤثر في الوزن حتى عندما لا تتغير الخلفية الوراثية.
وتشكل الثقافة كذلك تفضيلات الطعم. فما يعد طعامًا مرغوبًا في مجتمع قد يكون غير مقبول في آخر، كما تختلف التوابل والنكهات والوجبات المفضلة بين الثقافات.
بل إن هناك دراسة تشير إلى أن بعض تفضيلات الطعم يمكن أن تتشكل في مراحل شديدة المبكرة، إذ كان الأطفال الذين تعرضوا لنكهة معينة خلال الحمل أو الرضاعة أكثر تقبلًا لها لاحقًا. وهذا يشير إلى أن بناء العلاقة بالطعام لا يبدأ في المراهقة أو الرشد، بل قد تكون له جذور في السنوات الأولى جدًا من الحياة.
الوقاية من السمنة تبدأ من الطفولة
يؤكد الفصل أن الوقاية من السمنة تكون أكثر فاعلية عندما تبدأ مبكرًا، لأن زيادة الوزن في الطفولة ترتبط بارتفاع احتمال استمرارها في الرشد.
ومن الممارسات التي يناقشها الكتاب الرضاعة الطبيعية، إذ وجد عدد من الدراسات التي يستشهد بها أن الأطفال الذين رضعوا طبيعيًا كانوا أقل عرضة لزيادة الوزن والسمنة لاحقًا. إلا أن الكاتبة تحذر من تفسير هذا الارتباط باعتباره سببية مؤكدة، لأن الأسر التي تختار الرضاعة الطبيعية قد تختلف أيضًا في التعليم والدخل والعادات الصحية وغيرها من العوامل.
وتشمل الوقاية كذلك تشجيع الطفل على النشاط البدني، وتقديم الطعام الصحي، وأن يقدم الآباء نموذجًا عمليًا للعادات الغذائية المتوازنة. فالطفل يتعلم مما يرى أكثر مما يتعلم مما يسمع، وإذا كان المنزل نفسه قائمًا على الوجبات الصحية والنشاط، تصبح هذه الممارسات طبيعية في حياته.
ويتوقف الفصل عند خطأ تربوي شائع هو استخدام الطعام غير الصحي مكافأة للسلوك الجيد. فعندما يقول الوالدان للطفل إنه سيحصل على الحلوى إذا تناول «الطعام المفيد»، يمكن أن يستنتج بصورة غير مباشرة أن الطعام الصحي شيء ينبغي تحمله للحصول على المكافأة الحقيقية. كما أن منع طعام معين بصورة مطلقة قد يزيد جاذبيته، لأن الممنوع يكتسب قيمة خاصة لدى الطفل.
ولذلك فإن الهدف ليس إنشاء علاقة خوف وحرمان مع الطعام، وإنما بناء عادات متوازنة وطبيعية تحترم الجوع والشبع وتنوع الغذاء.
التلفزيون والإعلان وتشكيل شهية الطفل
يربط الفصل بين الوقت الطويل أمام التلفزيون والسمنة عبر طريقين. الأول أن مشاهدة التلفزيون نشاط قليل الحركة يأخذ وقتًا كان يمكن أن يُستخدم في اللعب أو النشاط البدني، والثاني أن الطفل يتعرض أثناء المشاهدة إلى كم كبير من الإعلانات الغذائية.
وتشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من إعلانات الطعام الموجهة للأطفال كانت لمنتجات مرتفعة الدهون أو السكريات أو الصوديوم. ولا يقتصر أثر الإعلان على جعل الطفل يعرف المنتج، بل يمكن أن يشكل تفضيلاته ويغير تصوره عن مذاقه.
وقد عرض الفصل تجربة قدم فيها للأطفال أطعمة متطابقة، لكن بعضها وضع في عبوات تحمل علامة مطعم معروف وبعضها في عبوات بلا علامة، فمال الأطفال إلى الاعتقاد أن الطعام الذي يحمل العلامة المعروفة ألذ، رغم أنه الطعام نفسه. كما وجد أن الشخصيات الكرتونية على العبوات تستطيع رفع تفضيل الأطفال للمنتج.
وتوضح هذه الدراسات أن الثقافة الغذائية للطفل لا يصنعها المنزل فقط؛ فالإعلان والعلامات التجارية والشخصيات المحببة تدخل في تكوين ذوقه وتفضيلاته منذ سن مبكرة.
ولهذا فإن تقليل مشاهدة التلفزيون لا يخفض الجلوس فقط، بل يقلل أيضًا التعرض المستمر للمحفزات الغذائية التي تدفع الطفل إلى طلب أطعمة معينة.
علاج السمنة.. لماذا تفشل الحميات المؤقتة؟
ينتقد الفصل الاعتماد على الحميات القاسية أو الغريبة التي تحقق فقدانًا سريعًا للوزن لكنها لا تغير نمط الحياة. فعدد كبير من الأشخاص يستطيع خفض وزنه مؤقتًا، لكنه يعاود الزيادة بعد أشهر لأن الخطة كانت قائمة على حرمان يصعب استمراره.
والقاعدة التي يطرحها الفصل بسيطة: المحافظة على الوزن تتطلب توافقًا طويل الأمد بين مقدار الطاقة التي تدخل الجسم ومقدار الطاقة التي يستخدمها. ولذلك يصبح النشاط البدني عنصرًا مركزيًا، وليس مجرد وسيلة لزيادة استهلاك الطاقة، بل لأنه يحسن الصحة الجسدية والنفسية ويزيد فرص المحافظة على الوزن على المدى الطويل.
ويعطي الكتاب أهمية خاصة للأهداف القصيرة والواقعية بدل الأهداف الضخمة والبعيدة. فمن الأسهل أن يضع الإنسان هدفًا محددًا يتعلق بوجبة اليوم أو بنشاط يمارسه عدة مرات في الأسبوع، بدل أن يجعل كل نجاحه أو فشله مرتبطًا برقم كبير يريد الوصول إليه بعد أشهر.
وتؤكد هذه المقاربة أهمية الكفاءة الذاتية؛ فالنجاحات الصغيرة تعزز شعور الشخص بأنه قادر على تغيير سلوكه، بينما الأهداف المبالغ فيها قد تدفعه إلى الاعتقاد بالفشل سريعًا.
كما يشير الفصل إلى أن التغيير التدريجي في الوزن أكثر قابلية للاستمرار من الخطط المتطرفة. ويؤكد في توصياته النهائية أهمية الأهداف قصيرة المدى، وزيادة النشاط البدني، ومراقبة التقدم، ومكافأة النجاحات الصغيرة.
مراقبة السلوك وتعديل البيئة
من الأساليب التي يركز عليها الفصل المراقبة الذاتية: أن يسجل الإنسان ماذا يأكل، ومتى، وأين، وتحت أي ظروف. فكثير من الناس يقللون من تقدير الكمية التي يتناولونها، أو ينسون الوجبات الخفيفة الصغيرة التي تتكرر خلال اليوم.
وعندما يصبح نمط الأكل مرئيًا يمكن تحديد المثيرات. فقد يكتشف الإنسان أنه يأكل دائمًا أثناء مشاهدة التلفزيون، أو يتوقف في مكان معين لشراء طعام مرتفع الطاقة، أو يفرط في الأكل في الاجتماعات الاجتماعية.
عند ذلك يمكن تغيير البيئة بدل الاعتماد على المقاومة المتكررة. فمن الأسهل أحيانًا ألا يحتفظ الشخص بطعام يثير لديه الإفراط في المنزل من أن يطلب من نفسه مقاومته عشرات المرات يوميًا.
كما يناقش الفصل أهمية إبطاء تناول الطعام، والانتباه أثناء الوجبة، وإدخال تغييرات صغيرة يمكن دمجها في الحياة الطبيعية. فالخطة التي تحتاج إلى تغيير جذري في الجدول والعمل والأسرة تكون أصعب في الاستمرار من نشاط يمكن إدخاله بسهولة، مثل المشي لمسافات قصيرة، أو استخدام الدرج، أو تقسيم التمرين إلى فترات صغيرة خلال اليوم.
ويضيف إلى ذلك الدعم الاجتماعي. فالتمرين مع صديق أو المشاركة في مجموعة لإنقاص الوزن يمكن أن يزيد الالتزام؛ لأن المجموعة توفر التشجيع والمنافسة الصحية والشعور بالمشاركة.
ويخلص إلى أن علاج السمنة السلوكي لا يعتمد على نصيحة واحدة، بل على مجموعة مترابطة من مراقبة الطعام، وتعديل البيئة، وتحديد الأهداف، والنشاط البدني، والدعم الاجتماعي، وإعادة بناء الأفكار المتعلقة بالفشل والنجاح.
متى يلجأ العلاج إلى التدخل الطبي؟
يشير الفصل إلى أن بعض حالات السمنة الشديدة التي تهدد الحياة قد تحتاج إلى تدخلات طبية أكبر من التعديل السلوكي وحده، ومنها إجراءات جراحية تقلل كمية الطعام التي يستطيع الشخص تناولها أو مقدار امتصاص الجسم له.
لكن الكاتبة تؤكد أن هذه الأساليب ليست حلولًا عادية لإنقاص الوزن، لأنها قد ترافقها آثار جانبية ومشكلات غذائية طويلة المدى، ولذلك تقتصر على الحالات الشديدة التي تمثل فيها السمنة خطرًا حقيقيًا على الصحة.
ويكشف وجود هذا المحور في الفصل أن السمنة تقع على طيف واسع. فليست كل زيادة وزن حالة واحدة، ولا يناسب كل شخص التدخل نفسه. بعض الأشخاص يحتاجون إلى تغيير تدريجي في الغذاء والحركة، بينما تحتاج الحالات الشديدة إلى تقييم طبي متخصص.
ويعود الفصل في خلاصته إلى التأكيد أن التدخلات الأساسية تشمل تقليل الإفراط في الطعام، وزيادة النشاط، والأهداف قصيرة المدى، والمراقبة الذاتية، وتغيير السلوك، والدعم، بينما تبقى الجراحة خيارًا للحالات الشديدة.
من السمنة إلى اضطرابات الأكل
بعد مناقشة الإفراط في الأكل والسمنة، ينتقل الفصل إلى الطرف الآخر من المشكلة: العلاقة المضطربة بالطعام والجسد التي قد تؤدي إلى التجويع المتعمد أو نوبات النهم أو السلوكيات التعويضية الضارة.
ويفرق الفصل بين ثلاثة اضطرابات أساسية: فقدان الشهية العصبي، والنهام العصبي، واضطراب نهم الطعام. وهذه الاضطرابات تختلف في أنماطها، لكنها تشترك في أن الطعام والوزن وصورة الجسد تتحول إلى مركز شديد التأثير في التفكير والسلوك وتقييم الذات.
ففي فقدان الشهية العصبي يفرض الشخص تقييدًا شديدًا على الطعام ويخسر وزنًا كبيرًا، لكنه قد يستمر في رؤية نفسه أثقل مما هو عليه بالفعل، مع خوف شديد من زيادة الوزن. وقد يصاحب ذلك تمرين مفرط وانشغال دائم بالطعام والوزن.
أما النهام العصبي فيتصف بتكرار نوبات تناول كمية كبيرة من الطعام مع الشعور بفقدان السيطرة، يعقبها سلوك تعويضي يهدف إلى منع زيادة الوزن. ويكون اكتشاف هذا الاضطراب أصعب في بعض الأحيان لأن وزن المصاب قد يبقى ضمن النطاق المعتاد.
أما اضطراب نهم الطعام فيتضمن نوبات متكررة من الإفراط في الأكل وفقدان السيطرة دون النمط التعويضي نفسه، ولذلك يمكن أن يرتبط بزيادة الوزن والسمنة.
ويؤكد الفصل أن اضطرابات الأكل أقل انتشارًا من السمنة لكنها شديدة الخطورة، وأن أعراض الأكل غير المنظم أوسع من الحالات التي تصل إلى مستوى التشخيص الكامل.
عندما تصبح صورة الجسد خطرًا على الصحة
ينبه الفصل إلى أن اضطرابات الأكل ليست مجرد اهتمام زائد بالمظهر؛ فهي قد تؤدي إلى أضرار صحية خطيرة وربما الوفاة.
يمكن لفقدان الشهية العصبي أن يرتبط بانخفاض ضغط الدم واضطراب القلب وفقدان العظام ومشكلات الخصوبة ومضاعفات ناتجة عن سوء التغذية. كما يمكن للنهام العصبي أن يسبب أضرارًا في الجهاز الهضمي والفم والأسنان، واضطرابًا في توازن العناصر الغذائية، ومشكلات صحية أخرى تنتج من تكرار السلوك المضطرب.
أما نوبات النهم فقد تؤثر في الجهاز الهضمي وتنظيم السكر والطاقة، فضلًا عن آثارها النفسية المرتبطة بالشعور بفقدان السيطرة والذنب والعار.
ويورد الفصل أن معدلات الوفاة أعلى لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات الأكل مقارنة بغيرهم، وأن الوفاة قد تنجم عن مضاعفات أعضاء الجسم أو القلب أو الانتحار. ولذلك فإن اضطرابات الأكل ليست «حمية خرجت عن السيطرة»، بل حالات صحية ونفسية يمكن أن تصل إلى مستوى يهدد الحياة.
ويكتسب هذا التنبيه أهمية خاصة لأن الأشخاص المصابين بهذه الاضطرابات قد لا يطلبون العلاج مبكرًا، إما بسبب الخجل، أو إنكار المشكلة، أو اعتقاد أن السلوك ما زال تحت السيطرة، أو الخوف من زيادة الوزن إذا بدأ العلاج.
الجينات وكيمياء الدماغ واضطرابات الأكل
مثلما يفعل الفصل في السمنة، يبحث عن دور العوامل البيولوجية في اضطرابات الأكل دون أن يجعلها التفسير الوحيد.
وتشير الدراسات العائلية ودراسات التوائم إلى وجود مكون وراثي محتمل؛ فالنساء اللاتي لديهن قريب يعاني اضطراب أكل يكون خطر الإصابة لديهن أعلى، كما يظهر التشابه بين التوائم المتطابقة بدرجة أكبر من التوائم غير المتطابقة في بعض الدراسات.
ويتناول الفصل أيضًا دور المواد الكيميائية في الدماغ، وخاصة السيروتونين، المرتبط بالشعور بالشبع والمزاج، إضافة إلى اللبتين الذي يرتبط بتنظيم الشهية والطاقة.
لكن الكاتبة تحذر من مشكلة السبب والنتيجة. فإذا وُجد اضطراب في مستوى مادة كيميائية لدى شخص يعاني اضطراب أكل، فهل تسبب الاختلال في السلوك الغذائي، أم أن التجويع أو الإفراط في الطعام هو الذي غير الكيمياء الحيوية للجسم؟
ومن الاحتمالات التي يعرضها الفصل أن السلوك الغذائي غير المنتظم قد يبدأ لأسباب نفسية أو اجتماعية، ثم يؤدي إلى تغيرات بيولوجية تجعل الاضطراب أكثر قدرة على الاستمرار. وبذلك قد يتحول ما بدأ كسلوك إلى حلقة تتداخل فيها النفس والبيولوجيا.
وهذا أحد أكثر أفكار الفصل اتساقًا مع منهج علم نفس الصحة: لا توجد حدود صلبة تفصل النفسي عن الجسدي، بل يمكن لكل منهما أن يؤثر في الآخر ويعيد تعزيز المشكلة.
مثالية النحافة وصناعة عدم الرضا عن الجسد
يولي الفصل مساحة كبيرة لمعيار النحافة في الثقافة والإعلام، خصوصًا فيما يتعلق بصورة المرأة. فالصور الإعلامية التي تعرض أجسادًا شديدة النحافة يمكن أن تقدم للمرأة معيارًا يصعب الوصول إليه، ثم يتحول هذا المعيار إلى أساس للمقارنة الذاتية.
ويشير الكتاب إلى أن صورة الجسد المثالية تغيرت تاريخيًا، وأن الأجساد النسائية التي قدمتها المسابقات والمجلات ووسائل الإعلام أصبحت أنحف عبر الزمن. كما تزايد المحتوى الذي يتناول الحميات وإنقاص الوزن، بما يعزز الرسالة التي تربط الجاذبية والنجاح بالنحافة.
لكن الفصل يؤكد أن مثالية النحافة ليست عالمية. فقد وجدت دراسة شملت آلاف المشاركين في مناطق مختلفة من العالم اختلافًا كبيرًا في الجسد المفضل، وكانت بعض المجتمعات أقل ميلًا إلى تفضيل النحافة الشديدة. كما ارتبط ارتفاع التعرض للإعلام الغربي بتفضيل أجساد أكثر نحافة وبمزيد من عدم الرضا عن الجسد.
ويتضح من ذلك أن تصور الإنسان للجسد «الجميل» ليس معيارًا بيولوجيًا ثابتًا، بل يتغير بتغير الثقافة والاقتصاد ووفرة الغذاء والمعايير الاجتماعية.
وهذا يعني أن الشخص قد يشعر بعدم الرضا عن جسم طبيعي لا بسبب مشكلة في الجسد نفسه، وإنما لأن المعيار الذي يقارن نفسه به صار شديد الضيق وغير واقعي.
الإعلام والمقارنة الاجتماعية وتضخم الفجوة مع الذات
تعرض الكاتبة دراسات تشير إلى أن مشاهدة صور النساء شديدات النحافة يمكن أن تزيد عدم الرضا عن الجسد لدى النساء اللواتي لديهن أصلًا مشاعر سلبية تجاه أجسامهن. وهي نقطة مهمة لأنها تعني أن تأثير الإعلام ليس متساويًا لدى الجميع؛ فالشخص الذي يعاني هشاشة سابقة في صورة الجسد قد يكون أكثر عرضة للتأثير.
ويشير الفصل كذلك إلى أن مثالية النحافة تبدأ في الظهور في أعمار مبكرة جدًا، حيث أظهرت دراسات على طفلات صغيرات تفضيلًا للشخصيات النحيفة مقارنة بالأجساد الأكبر.
كما أن النساء قد يبالغن في تقدير مقدار النحافة التي يفضلها الرجال أو التي تتوقعها النساء الأخريات، فتتشكل مشكلة إضافية: ليست المعايير الاجتماعية وحدها ضيقة، بل قد يعتقد الشخص أنها أكثر صرامة مما هي عليه في الواقع.
وبذلك يمكن أن تتكون دائرة من المقارنة: ترى المرأة صورًا مثالية، ثم تقارن نفسها بها، ثم تعتقد أن الآخرين يطالبونها أيضًا بتحقيق هذا الشكل، ثم يزداد عدم رضاها عن جسدها، وقد تبدأ في تطبيق قيود غذائية أكثر شدة.
ويعرض الفصل أيضًا أن الرجال ليسوا خارج ضغط صورة الجسد، لكن المعيار الموجه إليهم يختلف غالبًا، إذ يركز على الجسد العضلي بصورة قد تكون بدورها غير واقعية.
وتكشف هذه النتائج أن مشكلة صورة الجسد لا تتعلق فقط بالطعام، بل بثقافة كاملة تحدد ما الذي يجب أن يبدو عليه الإنسان لكي يشعر بأنه مقبول وجذاب وناجح.
الأسرة.. بين الحماية وإعادة إنتاج القلق حول الوزن
تلعب الأسرة دورًا مهمًا في تشكيل العلاقة بالطعام والجسد. فالطفل يتعلم من طريقة والديه في الحديث عن الوزن، ومن ممارساتهما الغذائية، ومن مقدار الاهتمام الذي يمنحانه للمظهر.
ويعرض الفصل دراسات وجدت أن الفتيات اللواتي يعتقدن أن آباءهن يريدون منهن أن يكنّ نحيفات يزداد لديهن الانشغال بالوزن والحمية. كما أن الأمهات المنشغلات بأوزانهن واللاتي يمارسن الحميات بصورة متكررة يمكن أن ينقلن هذه الاتجاهات إلى بناتهن من خلال النموذج، حتى عندما لا يطلبن منهن بصورة مباشرة اتباع السلوك نفسه.
وفي المقابل، يشير الفصل إلى أن انتظام الوجبات الأسرية في أجواء إيجابية يرتبط بانخفاض بعض السلوكيات الغذائية غير الصحية لدى المراهقين. وهنا تصبح الأسرة عامل حماية عندما تقدم الطعام باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة والعلاقة الاجتماعية، لا ساحة دائمة لمراقبة الوزن والمظهر.
ويناقش الكتاب أيضًا أن بعض الأسر التي يوجد فيها مصاب بفقدان الشهية العصبي أو النهام العصبي قد تظهر مشكلات في الاتصال أو الصراع أو الدعم. لكنه يحذر بوضوح من الاستنتاج السببي البسيط؛ فربما تكون هذه التوترات سببًا في الاضطراب، وربما تكون نتيجة للضغط الشديد الذي يسببه وجود مرض مزمن وخطير داخل الأسرة.
ولهذا ينبغي عدم تحويل الأسرة إلى متهم، بل النظر إليها كجزء من النظام الذي يمكن أن يؤثر في المرض ويتأثر به في الوقت نفسه.
الشخصية بين السيطرة المفرطة وفقدان السيطرة
يعرض الفصل اختلافًا لافتًا في بعض السمات النفسية المرتبطة بفقدان الشهية العصبي والنهام العصبي.
فالأشخاص المصابون بفقدان الشهية العصبي يظهرون في بعض الدراسات قدرًا أكبر من الصرامة والقلق والكمالية والانشغال بالنظام والدقة، وقد يضعون لأنفسهم معايير مرتفعة جدًا، ليس في الوزن فقط بل في مجالات أخرى من الحياة. ويستطيع المحيطون بهم أحيانًا رؤيتهم باعتبارهم «مثاليين» أو شديدي الإنجاز، بينما تتحول الحاجة إلى السيطرة إلى نمط قاسٍ في العلاقة بالطعام والجسد.
أما المصابون بالنهام العصبي فتظهر لديهم صورة مختلفة في الدراسات التي يناقشها الفصل، إذ ترتبط الحالة بدرجات أعلى من القلق والاكتئاب، وصورة ذاتية سلبية، والشعور بفقدان السيطرة أثناء نوبات النهم، ثم الشعور بالذنب واحتقار الذات بعدها.
وهنا يبدو الفارق النفسي واضحًا: فقدان الشهية يرتبط في بعض الحالات بمحاولة ممارسة سيطرة شديدة على الجسد والطعام، بينما يرتبط النهام بخبرة متكررة من فقدان السيطرة ثم محاولة استعادتها.
لكن هذه الفروق ليست قواعد تنطبق على كل شخص، ولا يمكن استخدامها لتشخيص الاضطراب من الشخصية وحدها. إنها أنماط ظهرت في الدراسات التي يستعرضها الفصل وتساعد على فهم الكيفية التي يمكن أن تتداخل بها الشخصية مع الضغوط الاجتماعية وصورة الجسد.
الوقاية من اضطرابات الأكل.. لماذا قد تفشل التوعية التقليدية؟
من أكثر النتائج إثارة في الفصل أن تقديم المعلومات عن أخطار اضطرابات الأكل لا يضمن منعها. فقد نفذت مدارس وجامعات برامج تثقيفية تشرح النمو الطبيعي وأضرار الحميات غير الصحية وتأثير الإعلام والغذاء المتوازن، لكن بعض الدراسات وجدت أن ارتفاع المعرفة لم يؤد بالضرورة إلى انخفاض الانشغال بالوزن.
والأكثر أهمية أن بعض البرامج قد تحقق نتائج غير مقصودة إذا قدمت معلومات تفصيلية بطريقة تجعل المشاركين يتعرفون إلى سلوكيات غير صحية لم يكونوا يعرفونها من قبل. ولذلك يؤكد الفصل ضرورة تصميم الوقاية بعناية، بحيث لا تتحول التوعية إلى تعليم غير مباشر للسلوك الضار.
في المقابل، تظهر نتائج أفضل للبرامج التي تركز على الصحة الإيجابية بدل التركيز على تفاصيل المرض: غذاء متوازن، نشاط بدني مناسب، صورة جسد أكثر واقعية، وتطوير مهارات لمواجهة الضغوط والمعايير غير الواقعية.
ويعرض الفصل دراسة وجدت أن برنامجًا يركز على الوزن الصحي أدى بعد عام إلى انخفاض أعراض النهام مقارنة بالمجموعة الأخرى، كما ارتبط بانخفاض احتمال تطور السمنة.
وبهذا يتحول هدف الوقاية من تخويف الإنسان من الطعام أو السمنة إلى مساعدته على بناء علاقة أكثر توازنًا مع جسده.
نقد مثالية النحافة بوصفه أداة وقائية
من أكثر برامج الوقاية التي يوليها الفصل اهتمامًا تلك التي لا تكتفي بإخبار المشاركات أن صور الإعلام غير واقعية، بل تدربهن على تفكيك مثالية النحافة ونقدها.
فبدل استقبال الصورة الإعلامية بوصفها حقيقة، تناقش المشاركات كيف نشأ معيار النحافة، ومن يستفيد من استمراره، وما تكلفته النفسية والجسدية، وكيف يمكن مقاومة الضغط الذي ينتجه.
وتعرض بعض البرامج صورًا واقعية عن الطرق التي تغير بها الملابس والمكياج والمعالجة البصرية مظهر الجسد، وتدرب المشاركات على الدفاع عن صورة جسدية أكثر واقعية، وكتابة رسائل تنتقد كلفة السعي وراء المثال المستحيل.
ويرى الفصل أن هذا النوع من التدخل يمكن أن يخفض التعلق بمثالية النحافة وعدم الرضا عن الجسد والحميات القاسية وبعض أعراض اضطرابات الأكل.
ولا تأتي أهمية هذه النتائج من مجرد زيادة المعرفة، بل من تغيير موقع الفرد من الثقافة المحيطة به؛ فبدل أن يكون متلقيًا للمعيار يصبح قادرًا على مساءلته.
ويتلاءم هذا مع ما يخلص إليه الفصل في توصياته النهائية: الصور الإعلامية للأجساد شديدة النحافة لا تعكس أجساد معظم الناس، كما أن كثيرًا من الصور نفسها يجري تعديلها، ولذلك لا ينبغي اتخاذها مقياسًا واقعيًا للحكم على الجسد.
العلاج.. لماذا يصعب طلب المساعدة؟
يشير الفصل إلى أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات الأكل قد يتأخرون في طلب العلاج. فالخجل والسرية جزء من المشكلة، وقد يعتقد الشخص أن الحالة ستختفي من تلقاء نفسها.
ويمثل فقدان الشهية العصبي تحديًا خاصًا؛ لأن المصاب قد يرى في قدرته على تقييد الطعام دليلًا على السيطرة والنجاح، فلا يشعر بأنه بحاجة إلى العلاج، وقد يخشى أن يؤدي طلب المساعدة إلى زيادة الوزن.
أما الشخص المصاب بالنهام العصبي فقد يشعر بدرجة أكبر من فقدان السيطرة والذنب والاكتئاب، ولذلك يكون أحيانًا أكثر استعدادًا للاعتراف بالمشكلة، لكنه يستطيع إخفاءها مدة طويلة لأن وزنه قد يبقى في نطاق يبدو طبيعيًا للآخرين.
ويعرض الفصل قصة واقعية لفتاة بدأ اضطرابها في سن مبكرة، واستطاعت إخفاء كثير من سلوكياته، وتأخر تشخيصها رغم تراجع حالتها النفسية والجسدية. وتستخدم الكاتبة القصة لتوضيح أن السرية والإنكار الاجتماعي والأسري قد يمنعان اكتشاف المرض مبكرًا.
ومن هنا تأتي أهمية التعامل مع اضطرابات الأكل بوصفها حالات تستحق العلاج المبكر، لا باعتبارها نزوة مرتبطة بالمظهر أو مرحلة عابرة من المراهقة.
العلاج الأسري وإعادة تنظيم البيئة المحيطة
يناقش الفصل العلاج القائم على الأسرة بوصفه أحد الأساليب المهمة، خصوصًا لدى المراهقين.
فإذا كان الاضطراب يتشكل ويستمر داخل شبكة من العلاقات والضغوط والتوقعات، فإن علاج الفرد بمعزل عن بيئته قد لا يكون كافيًا. ويمكن للعلاج الأسري أن يساعد أفراد الأسرة على فهم المرض، وتغيير أنماط التواصل، ودعم التغذية المنتظمة، والفصل بين شخصية المراهق والاضطراب الذي يعانيه.
وتشير الدراسات التي يعرضها الكتاب إلى فاعلية العلاج الأسري لدى بعض حالات فقدان الشهية والنهام، ولا سيما لدى المراهقين. ويخلص الفصل نفسه إلى أن العلاج الفردي والأسري يمكن أن يعملا معًا، وأن العلاج القائم على الأسرة من الاتجاهات البارزة في هذا المجال.
وتكمن أهمية هذا النهج في أنه لا يجعل الأسرة سببًا وحيدًا للمرض، بل يحولها إلى جزء من العلاج. فالوالدان يستطيعان تعلم كيفية دعم الابن أو الابنة من دون تحويل كل وجبة إلى صراع، وكيفية تقليل الحديث المستمر عن الوزن، وكيفية توفير بيئة تشجع التعافي بدل تعزيز السلوك المرضي.
العلاج المعرفي السلوكي وتصحيح الأفكار عن الطعام والجسد
يقدم الفصل العلاج المعرفي السلوكي بوصفه من أبرز الأساليب المستخدمة في معالجة اضطرابات الأكل. وتقوم فكرته على أن السلوك الغذائي المضطرب يرتبط بأفكار وقواعد وتفسيرات غير واقعية يمكن التعرف إليها وتغييرها.
ويركز العلاج على إعادة تنظيم نمط الطعام، وتشجيع الوجبات المنتظمة، وتوسيع أنواع الغذاء المقبولة بدل تقسيم الأطعمة إلى مسموح وممنوع بصورة مطلقة، والعمل على الفصل بين قيمة الإنسان ووزنه أو شكل جسمه.
كما يساعد المعالج الشخص على مراقبة الأفكار والانفعالات والظروف التي تسبق نوبات الأكل المضطرب، ثم التعرف إلى المعتقدات المبالغ فيها، مثل الاعتقاد بأن زيادة بسيطة في الوزن ستؤدي حتمًا إلى زيادة غير محدودة، أو أن تناول نوع معين من الطعام يعني فقدان السيطرة بالكامل.
ويشمل العلاج كذلك تصحيح صورة الجسد وإيضاح أن كثيرًا من النماذج التي تقدمها وسائل الإعلام مصنوعة أو معدلة ولا تمثل معيارًا واقعيًا.
وتشير الدراسات التي يناقشها الفصل إلى أن العلاج المعرفي السلوكي يمكن أن يقلل بعض أعراض النهام، ويحسن تقدير الذات، ويخفض الاكتئاب لدى بعض المرضى، كما يمكن أن يُستخدم مع تدخلات علاجية أخرى وفق الحالة.
ويضيف الفصل العلاج بين الشخصي الذي يركز على المشكلات في العلاقات والضغوط الاجتماعية التي ترتبط بالسلوك الغذائي، مثل الكمالية أو صورة الذات السلبية أو النزاعات الشخصية.
التعافي عملية وليس حدثًا
ينتهي الفصل بنقطة بالغة الأهمية: علاج اضطرابات الأكل قد يكون طويلًا، والعودة إلى بعض الأعراض بعد التحسن ليست أمرًا نادرًا.
وتشير البيانات التي يعرضها الكتاب إلى أن نحو نصف المصابين بفقدان الشهية أو النهام في الدراسات المذكورة حققوا تعافيًا كاملًا، بينما حققت مجموعة أخرى تحسنًا جزئيًا وظلت مجموعة دون تحسن واضح. كما قد تحدث انتكاسة لدى بعض من تعافوا من النهام خلال السنوات التالية.
ولهذا تؤكد الكاتبة ضرورة النظر إلى التعافي بوصفه مسارًا وليس نتيجة فورية. فالشخص لا يعيد فقط كمية الطعام إلى وضعها الطبيعي، بل يحتاج إلى إعادة بناء طريقة تفكيره في الجسد والوزن، وتطوير مهارات جديدة لتنظيم الانفعال، ومعالجة مشكلات العلاقات، ومقاومة الضغوط الثقافية، واستعادة الثقة في إشارات الجوع والشبع.
وتوصي خلاصة الفصل بأن الشخص الذي يعاني اضطرابًا في الأكل، أو يلاحظ هذه العلامات لدى شخص قريب منه، يحتاج إلى طلب المساعدة بدل ترك المشكلة تتعمق، لأن التأخر قد يجعل السلوك أكثر رسوخًا.
خاتمة: علاقتنا بالطعام مرآة لعلاقة الجسد بالنفس والمجتمع
يكشف الفصل الثامن من كتاب «علم نفس الصحة» لكاثرين أ. ساندرسون أن السمنة واضطرابات الأكل تقعان عند نقطة التقاء معقدة بين الجسد والنفس والمجتمع. فالوزن لا تحدده الإرادة وحدها، كما لا تحدده الجينات وحدها. هناك استعدادات وراثية، واختلافات في الاستقلاب والشهية، وعوامل نفسية مثل الضغط وتنظيم المزاج والتقييد الغذائي، وعوامل اجتماعية مثل الأسرة والأصدقاء، وعوامل ثقافية مثل حجم الحصص والإعلان وصورة الجسد المثالي.
وتظهر السمنة في هذا السياق بوصفها نتيجة محتملة لتفاعل الاستعداد البيولوجي مع البيئة التي تجعل الطعام عالي الطاقة وفيرًا ومتاحًا ومثيرًا باستمرار، ومع عادات تقل فيها الحركة ويزداد فيها الأكل استجابة للمواقف والانفعالات. ولذلك فإن العلاج المستدام لا يقوم على حمية مؤقتة، بل على تغيير يمكن الاحتفاظ به: أهداف واقعية، ومراقبة للسلوك، ونشاط منتظم، وتعديل للبيئة، ودعم اجتماعي، وبناء شعور متدرج بالقدرة على النجاح.
وفي الاتجاه الآخر، تكشف اضطرابات الأكل كيف يمكن للسعي وراء التحكم في الوزن وصورة الجسد أن يتحول إلى تهديد للصحة نفسها. فحين يصبح الوزن معيارًا للقيمة الشخصية، وتتحول النحافة إلى شرط للجاذبية والنجاح، ويتخذ الإنسان صورًا إعلامية غير واقعية معيارًا لمقارنة جسده، قد تنشأ علاقة مرضية بالطعام والجسد.
كما يبين الفصل أن فقدان الشهية العصبي والنهام العصبي واضطراب نهم الطعام لا تنشأ من الثقافة وحدها، بل تتداخل فيها الوراثة وكيمياء الدماغ والشخصية والعائلة والانفعالات. ومن هنا فإن علاجها يحتاج هو الآخر إلى مقاربة متعددة المستويات تشمل الفرد والأسرة والأفكار والعلاقات والسلوك.
وتتجمع هذه النتائج في فكرة مركزية تتكرر في كتاب «علم نفس الصحة»: السلوك الصحي لا يصدر عن الجسد منفصلًا عن النفس، ولا عن الفرد منفصلًا عن بيئته. فالإنسان يأكل داخل ثقافة، ويكوّن صورة جسده من خلال المقارنة، ويتأثر بمن يعيش معهم وبما يشاهده وبما يشعر به، وفي الوقت نفسه يحمل استعدادات بيولوجية خاصة به.
لذلك فإن الطريق إلى علاقة صحية بالطعام لا يمر عبر الخوف الدائم من الوزن، ولا عبر الحرمان القاسي، ولا عبر مطاردة نموذج جسدي مثالي، بل عبر بناء توازن يستطيع فيه الإنسان أن يصغي إلى إشارات جسده، ويتعامل مع انفعالاته بوسائل لا تجعل الطعام الحل الوحيد، ويمارس النشاط بوصفه جزءًا من الصحة، ويقاوم المعايير غير الواقعية التي تختزل قيمة الإنسان في وزنه أو مظهره.
وبذلك يقدم الفصل الثامن قراءة تتجاوز ثنائية «الأكل الكثير» و«الأكل القليل»، ليضع أمامنا قضية أعمق: كيف تتشكل علاقتنا بالطعام والجسد، ومن الذي يحدد المعايير التي نقيس بها أنفسنا، وكيف يمكن تحويل هذه العلاقة من مصدر للمرض والضغط إلى أحد أسس الصحة النفسية والجسدية؟



اضف تعليق