يواجه العراق تحديًا في تحويل عائداته النفطية إلى اقتصاد منتج يوفر العمل والخدمات ويحد من الاعتماد على الدولة. وتعرقل المحسوبية وضعف المنافسة والتوسع في التوظيف الحكومي نمو القطاع الخاص، فيما تزيد الضغوط السكانية وتقلبات الطاقة هشاشة المالية العامة. ويتطلب التحول تحسين الإنفاق والمؤسسات، وحماية الفئات المتضررة، وتوسيع الفرص الإنتاجية...
يمتلك العراق موردًا نفطيًا يستطيع أن يمول بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على توفير العمل والخدمات، لكنه يواجه صعوبة مستمرة في تحويل هذا المورد إلى قاعدة إنتاجية واسعة. فالعائدات التي تدعم الموازنة وتؤمن دخول ملايين المواطنين تعيد، في الوقت نفسه، إنتاج اعتماد المجتمع على الدولة، بينما يظل نمو القطاع الخاص وقدرته على استيعاب الشباب مقيدين بضعف المنافسة وتشابك المصالح السياسية والاقتصادية.
وتتناول دراسة «أفول عصر النفط في زمن اللايقين: الانتقال من الحلقة المفرغة إلى الحلقة المثمرة»، التي وأصدرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في تشرين الأول 2026، الحالة العراقية ضمن الاقتصادات المتوسطة الدخل المصدرة للنفط والغاز. وتربط تعثر التحول فيها بطريقة استخدام الإيرادات، وشبكات المحسوبية، وضغوط التوظيف العام، وضعف المؤسسات، إلى جانب انكشافها على تقلبات الطاقة والصراعات الإقليمية.
ومن خلال ما تعرضه الدراسة عن العراق، وما تقترحه لهذه الفئة من الاقتصادات، تتضح معضلة مترابطة: النفط يمنح الدولة القدرة على الإنفاق، لكن توجيه موارده نحو الاستهلاك وتوزيع المنافع يحد من بناء مصادر بديلة للدخل والعمل. ومع نمو السكان وارتفاع توقعات الشباب، تصبح المحافظة على الترتيبات القائمة أكثر كلفة، بينما يزداد الانتقال إلى اقتصاد منتج إلحاحًا وصعوبة.
موارد كبيرة وقاعدة إنتاج محدودة
تبدأ المشكلة العراقية من الفجوة بين أهمية النفط في الاقتصاد وقدرة القطاعات الأخرى على إنتاج الثروة. فالدراسة تشير إلى أن نصيب الفرد من الإيرادات النفطية في العراق متواضع نسبيًا مقارنة بالاقتصادات النفطية الأعلى دخلًا، مع بقاء هذه الإيرادات ذات وزن كبير داخل الناتج المحلي. ويعود ذلك إلى محدودية الإنتاج الوطني خارج القطاع الهيدروكربوني، بما يجعل الاقتصاد شديد الارتباط بمورد لا يتحكم منفردًا في سعره أو اتجاه الطلب العالمي عليه.
ويكتسب هذا التمييز أهمية عند تقييم الثروة المتاحة. فوجود احتياطيات وإيرادات كبيرة لا يعني تلقائيًا أن الموارد القابلة للتوزيع تكفي لتلبية حاجات السكان المتزايدة، وتمويل الخدمات والبنية التحتية، وتوفير الوظائف، وبناء اقتصاد جديد في آن واحد. وكلما اتسعت الالتزامات الجارية، ضاق الجزء الذي يمكن تخصيصه لاستثمارات ترفع القدرة الإنتاجية وتخفف الحاجة المستقبلية إلى تمويل الدولة.
وتضع الدراسة العراق ضمن الدول التي تقارب فيها مساهمة النفط والغاز عتبة 80 في المئة أو تتجاوزها في مؤشري إيرادات الموازنة والصادرات. ويكشف هذا الاعتماد عن انكشاف مزدوج؛ فالعوائد النفطية تمول الجانب الأكبر من موارد الدولة، وتؤمن كذلك الجزء الرئيس من العملات الأجنبية. ولذلك يمتد أثر اضطرابها إلى الإنفاق العام والقدرة على تمويل المستوردات والنشاط الاقتصادي المرتبط بهما.
وفي هذا السياق، يصبح تنويع الناتج المحلي خطوة تحتاج إلى استكمال بتنويع الإيرادات والصادرات. فقد تنمو التجارة والخدمات والبناء اعتمادًا على الطلب الذي تموله الدولة، بينما يبقى مصدر التمويل النهائي نفطيًا. ومن ثم فإن توسيع الأنشطة غير النفطية داخل العراق يكتسب قيمة أكثر استدامة عندما يترافق مع زيادة إنتاجيتها وقدرتها على الوصول إلى أسواق أوسع وتوليد دخل يتجاوز دورة الإنفاق الحكومي.
الوظيفة العامة في قلب العلاقة بين المواطن والدولة
توضح الدراسة أن الدولة العراقية توظف نحو 4.5 ملايين شخص، وهو رقم يعكس الموقع المركزي للقطاع العام في تأمين الدخل وتنظيم العلاقة بين المواطن والمؤسسات. فالوظيفة الحكومية توفر للأسر موردًا منتظمًا، وتصبح في بيئة محدودة البدائل مطلبًا اقتصاديًا واجتماعيًا أساسيًا، يمتد أثره إلى الاستقرار الأسري وتصورات الشباب عن المستقبل.
لكن هذا الدور يضع الموازنة أمام التزامات متزايدة. فالتوسع في التعيين يضيف إنفاقًا متكررًا يحتاج إلى تمويل مستمر، بينما تبقى الإيرادات عرضة لتقلبات النفط. ومع زيادة أعداد الداخلين إلى سوق العمل، يصعب أن يظل الجهاز الحكومي المسار الرئيس لاستيعابهم، خصوصًا إذا لم تتوسع الأنشطة الإنتاجية بالسرعة الكافية لتوفير فرص أخرى مقنعة.
وتشير الدراسة إلى أن الوصول الفردي إلى الوظائف العامة يمر عبر شبكات المحسوبية الحزبية والطائفية، بما يربط الحصول على مورد اقتصادي بالاصطفاف السياسي. وتصبح الوظيفة، في هذه العلاقة، إحدى قنوات توزيع المنافع وتعزيز النفوذ، فتتجاوز آثارها حدود الإدارة العامة إلى طريقة تشكيل المطالب الشعبية والحوافز الانتخابية.
وتلاحظ الدراسة أن الحركات الإصلاحية التي انبثقت عن احتجاجات تشرين الأول 2019 واجهت صعوبة في تجاوز هذا المنطق؛ فقواعدها الاجتماعية تطالب هي الأخرى بالتوظيف الحكومي، بينما تدفع الحوافز الانتخابية حتى بعض المرشحين المستقلين إلى الاستجابة عبر القنوات القائمة. وتكشف هذه الملاحظة عمق ارتباط الإصلاح الاقتصادي بتوفير بدائل واقعية، لأن المطالبة بتغيير طريقة التوزيع تبقى صعبة ما دام الأمن المعيشي مرتبطًا بها.
ومن هنا، فإن معالجة التوسع في التوظيف العام تحتاج إلى مسار يوفر العمل والحماية خارج الجهاز الحكومي. فالشباب لا يستطيعون التخلي عن مصدر الأمان المتاح مقابل وعود عامة. ويتطلب تغيير هذه العلاقة أن تصبح الوظيفة المنتجة قابلة للاستمرار، وأن توفر دخلًا وحماية وفرص تقدم تجعلها خيارًا اجتماعيًا واقتصاديًا مقبولًا.
المحسوبية تقيد المنافسة وتضعف الإنتاجية
تربط الدراسة تعثر القطاع الخاص العراقي بالتشرذم السياسي وبشبكة علاقات زبائنية قائمة على المحسوبية، لا تساعد على تنشيط الشركات أو تحقيق مكاسب في الإنتاجية. ويفسر هذا التشخيص جانبًا من استمرار الضعف الاقتصادي رغم توافر الإيرادات؛ إذ تتحدد فرص الوصول إلى الموارد والأسواق بعوامل تتجاوز كفاءة المشروع وقدرته على إنتاج قيمة حقيقية.
فعندما تصبح العلاقة بدوائر النفوذ مؤثرة في فرص النشاط الاقتصادي، تضعف الحوافز للاستثمار في التطوير والابتكار. وتجد الشركات المستقلة صعوبة في المنافسة، بينما تستطيع المنشآت المحمية المحافظة على مواقعها دون أن تواجه الضغوط نفسها لتحسين الأداء. وبهذا تتراجع قدرة السوق على توجيه العمل ورأس المال نحو الاستخدامات الأعلى إنتاجية.
وتناقش الدراسة، في إطارها العام، أهمية السماح للشركات الأكثر كفاءة بالنمو، وخروج الأنشطة الأضعف أو إعادة هيكلتها. وتكتسب هذه الفكرة دلالة مباشرة في قراءة الحالة العراقية: بناء قطاع خاص منتج يحتاج إلى بيئة تتيح النجاح على أساس الأداء، وتقلص المزايا التي تمنحها الحماية السياسية، وتوفر قواعد يمكن للمستثمر الاعتماد عليها عند اتخاذ قرارات طويلة الأجل.
ولذلك فإن زيادة عدد الشركات أو العقود لا تكفي وحدها لقياس التحول. فالنشاط الخاص قد يظل امتدادًا لتوزيع الإيرادات العامة إذا ارتبط نموه بالمنافع والامتيازات أكثر من ارتباطه بتطوير الإنتاج. ويصبح المعيار الأعمق قدرة المؤسسات الاقتصادية على تحسين الجودة والكلفة، وتوسيع فرص العمل، وبناء روابط إنتاجية تتجاوز اعتمادها المباشر على الدولة.
وتقود هذه المعالجة إلى أن التنويع في العراق يتصل بتوزيع الفرص والقوة الاقتصادية. فتحسين المنافسة وحوكمة التعاقد والدعم وإتاحة الدخول إلى الأسواق يساعد على توجيه الموارد نحو المبادرات القادرة على الإنتاج. كما أن وضوح القواعد واستقرارها يمنح الشركات حافزًا للاستثمار في المهارات والمعدات والمعرفة، وهي عناصر يصعب تراكمها حين تبقى فرص العمل الاقتصادي رهينة العلاقات المتغيرة.
استهلاك الإيرادات يؤجل التحول
تصنف الدراسة العراق ضمن الاقتصادات التي يطغى فيها استهلاك الريع على استثماره في التنويع. ويعني ذلك أن الإيرادات تساعد على تمويل استمرار النموذج القائم أكثر مما تساعد على بناء اقتصاد يستطيع الاستغناء تدريجيًا عن الاعتماد المفرط عليها. وتظهر المشكلة بوضوح عندما ترتفع الموارد مؤقتًا فتتوسع الالتزامات، ثم تتراجع الأسعار وتبقى النفقات بحاجة إلى التمويل.
وتوضح الدراسة أن الارتفاع المفاجئ في الإيرادات الهيدروكربونية بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا منح هذه الفئة من الدول متنفسًا، وأتاح استئناف توزيع الريع وتدعيم ترتيبات سياسية هشة. لكن ضعف التنويع والانكشاف على الأسعار وبطالة الشباب ظلت قائمة. وتبرز هنا أهمية التمييز بين تحسن السيولة المالية وتحسن البنية الاقتصادية؛ فقد يتحقق الأول دون أن يرافقه تقدم ملموس في الثاني.
وبالنسبة إلى العراق، تعني هذه القراءة أن فترات ارتفاع الإيرادات تمثل فرصة لإعادة توجيه الموارد نحو استثمارات تزيد الإنتاجية. أما استخدامها في إضافة التزامات دائمة دون توسيع مصادر الدخل، فيرفع حساسية الاقتصاد لانخفاض العوائد لاحقًا. وكل دورة من هذا النوع تجعل الحاجة إلى الإصلاح أكبر، بينما تقل القدرة على تمويل انتقال مريح اجتماعيًا.
ولا تقتضي إعادة التوجيه تقليص الحماية المعيشية للمواطنين بصورة مفاجئة؛ فالدراسة تربط الإصلاح بالحفاظ على القدرة الاجتماعية على تحمله. لكنها تؤكد أهمية انتقال الإنفاق نحو البنية التحتية الإنتاجية ورأس المال البشري، وتحسين كفاءة استخدام الموارد. وبذلك تصبح الأولوية بناء قدرة اقتصادية تخفف الحاجة المتكررة إلى توسيع التوزيع الحكومي لتلبية مطالب العمل والدخل.
ضغوط السكان وتحولات الطاقة
تمنح الدراسة الضغوط السكانية وزنًا أساسيًا في تفسير حدود النموذج الريعي. فحتى إذا استمرت الإيرادات النفطية كبيرة على المدى المتوسط، فإن زيادة السكان واتساع الاحتياجات يقللان القدرة على المحافظة على مستويات التوزيع نفسها. ويصبح المطلوب من المورد الواحد تمويل عدد أكبر من الوظائف والخدمات والمستفيدين، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تخصيص موارد إضافية للاستثمار والتحديث.
وتتعاظم هذه الضغوط مع ارتفاع مستويات التعليم وتطلعات الشباب. فالتعليم يوسع التوقعات بشأن العمل والدخل والمكانة، لكنه يحتاج إلى اقتصاد يوفر فرصًا تستثمر المهارات المكتسبة. وإذا بقيت الوظائف المنتجة محدودة، تتحول الفجوة بين التأهيل والفرص إلى مصدر إحباط، وتستمر الضغوط باتجاه التوظيف العام باعتباره القناة الأكثر وضوحًا للأمان الاقتصادي.
ويتزامن ذلك مع تغيرات في أسواق الطاقة العالمية تناقشها الدراسة، تشمل تطور المركبات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة، والسياسات المرتبطة بخفض الانبعاثات. وتختلف سرعة هذه التحولات بين السيناريوهات؛ فلا تقدم الدراسة موعدًا واحدًا محسومًا لتراجع النفط، لكنها توضح أن استمرار الاعتماد عليه يعرض الاقتصادات المصدرة لمخاطر متزايدة في الطلب والأسعار والعوائد.
وفي قراءة الحالة العراقية، تكتسب هذه المخاطر معناها من ضعف البدائل المالية والإنتاجية. فالمشكلة تتمثل في اتساع الفجوة المحتملة بين الالتزامات الداخلية وقدرة العوائد على تغطيتها. ولذلك فإن الاستعداد المبكر يتيح استخدام الموارد النفطية في تمويل التحول، بينما قد يجعل التأجيل عملية التكيف أكثر كلفة إذا فرضتها ظروف مالية ضاغطة.
كما أن السعي إلى زيادة العائدات عبر رفع الإنتاج يظل مرتبطًا بوضع السوق العالمي. وتناقش الدراسة احتمال أن تؤدي محاولات متزامنة من المنتجين لتعظيم الإيرادات إلى زيادة المعروض والضغط على الأسعار. ولهذا فإن إدارة المورد النفطي تحتاج إلى رؤية تتصل ببناء البدائل، حتى تتوسع قدرة الاقتصاد العراقي على التعامل مع تغيرات لا يستطيع التحكم فيها بمفرده.
إصلاح يحمي المجتمع ويوسع فرص العمل
تضع الدراسة أمام الاقتصادات المتوسطة الدخل المصدرة للطاقة مجموعة أولويات تشمل تعزيز الصمود، وتحسين الادخار والمشاركة الاقتصادية، وتشجيع الابتكار، وتوفير الإرادة السياسية للإصلاح. وعند تطبيق هذه المعالجة على العراق، تتقدم الحاجة إلى تقليل هشاشة العلاقة بين الموازنة وسوق النفط، مع المحافظة على الخدمات والحماية التي تمنع الأزمات من التحول إلى خسائر اجتماعية طويلة الأجل.
وتشدد الدراسة على أن إصلاح الدعم يحتاج إلى عدالة واستهداف وشفافية. فالدعم الشامل قد يستنزف موارد كبيرة ويمنح الأعلى استهلاكًا منافع أكبر، بينما تستطيع شبكات الأمان الموجهة تحسين وصول المساندة إلى المحتاجين. لكن نجاح الانتقال يتوقف على قدرة المؤسسات على تحديد المستحقين وتوسيع التغطية ومنع المحسوبية، وعلى تكامل المساندة مع الصحة والتعليم والتقاعد.
وتساعد هذه المقاربة على فهم حساسية الإصلاح في العراق. فالأسر التي تعتمد على راتب حكومي أو منفعة عامة لا تستطيع تحمل فقدانها دون بديل. كما أن ضعف الثقة يجعل المطالبة بالتضحية أكثر صعوبة عندما لا يرى المواطن عدالة في توزيع الأعباء. ولذلك ينبغي أن تقترن إجراءات التحول بحماية واضحة للفئات المتضررة، وبخطوات ملموسة لتقليص الامتيازات وفتح الفرص.
ويحتاج تطوير القطاع الخاص إلى دور حكومي قادر على توفير البنية التحتية والتدريب والتنظيم والتنسيق. فالدراسة تقر بأهمية الدولة في إطلاق الأنشطة الجديدة ومعالجة العقبات التي تعجز الشركات عن تجاوزها منفردة. لكنها تربط هذا الدور بآليات تقييم ومراجعة تمنع تحول الدعم إلى امتياز دائم، وتتيح تعديل السياسات عندما لا تحقق النتائج المنتظرة.
وتتمثل أهمية هذا التوازن للعراق في الجمع بين بناء قدرة الدولة وإتاحة المبادرة المستقلة. فالدولة تحتاج إلى مؤسسات أكثر فاعلية في التخطيط والخدمات والرقابة، بينما يحتاج النشاط الاقتصادي إلى منافسة وقواعد عادلة. ومن شأن تقدم المسارين معًا أن يوفر أساسًا لفرص عمل تستند إلى الإنتاج، ويخفف اعتماد المواطنين على الوساطة بوصفها مدخلًا للدخل والاستقرار.
المشاركة والثقة شرط لاستمرار التحول
تفسر الدراسة صعوبة الإصلاح بأن خسائره المباشرة تظهر سريعًا لدى فئات معروفة، بينما تتوزع فوائده تدريجيًا وتحتاج إلى وقت حتى تتحقق. وتستفيد شبكات المصالح من هذا التفاوت في مقاومة التغيير، كما تتردد الأسر العادية في تأييد سياسات قد تمس دخلها. لذلك يحتاج التحول إلى تحالف اجتماعي يرى في نتائجه مصلحة مشتركة ويملك وسائل للمشاركة في توجيهه.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في العراق، حيث تتداخل المطالب المعيشية مع الاعتراض على المحسوبية وضعف المؤسسات. فإعادة بناء الثقة تتطلب إظهار الصلة بين الإصلاح وتوسيع فرص المواطنين، وتوضيح ما يتحمله كل طرف وما يحصل عليه. كما تحتاج إلى قدرة على الاستماع إلى الشكاوى وتصحيح التنفيذ، حتى تتحول المشاركة إلى أداة لتحسين السياسات وكشف مواطن الخلل مبكرًا.
وتورد الدراسة ما تعرض له ناشطون منذ احتجاجات تشرين الأول 2019 من قتل واختطاف وترهيب، ضمن مناقشتها لإغلاق قنوات الاعتراض في المنطقة. وتربط معالجتها العامة بين التضييق على التعبير وبين إضعاف التحالفات الضرورية للتحول. فالمجتمع الذي لا يستطيع عرض مظالمه ومراقبة استخدام الموارد يجد صعوبة أكبر في الوثوق بوعود الإصلاح وتحمل كلفته.
ومن ثم، فإن المسار الإنتاجي يحتاج إلى قواعد موثوقة ومؤسسات قابلة للمساءلة، وإلى إتاحة دور للمواطنين والعمال ورواد الأعمال في تحديد الأولويات. ويساعد ذلك على جعل الإصلاح مشروعًا وطنيًا قابلًا للتقييم، تتحدد شرعيته بقدرته على تحسين الفرص والخدمات والعدالة، وتتوافر له إمكانية التعلم والتصحيح بدل تراكم الأخطاء تحت ضغط المصالح القائمة.
تحييد الصراعات وفتح مجال للتكامل
تشير الدراسة إلى محاولة العراق تحييد نفسه عن التنافسات والصراعات الإقليمية التي تنخرط فيها إيران وإسرائيل ودول الخليج. ويكتسب هذا التوجه بعدًا اقتصاديًا مباشرًا، لأن الاستثمار طويل الأجل يحتاج إلى استقرار يمكن توقعه، ولأن تعطل التجارة والإمدادات وارتفاع المخاطر يضيق قدرة الشركات والدولة على التخطيط والتمويل وتنفيذ المشروعات.
وتؤكد المعالجة العامة للدراسة أن الإقليم الأكثر استقرارًا يوسع فرص التحول الاقتصادي. وبالنسبة إلى العراق، فإن تقليل تعرضه لتجاذبات المحاور يساعد على حماية الموارد المتاحة للتنمية، ويمنح المبادرات الإنتاجية مجالًا أوسع للنمو. كما أن استقرار العلاقات يخفف المخاطر التي تنعكس على ثقة المستثمرين وكلفة النشاط الاقتصادي واستمرار الروابط التجارية.
وتطرح الدراسة التكامل الإقليمي وسيلة للجمع بين التمويل والأسواق والقدرات الصناعية والبشرية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم التعاون بوصفه فرصة للعراق لتوسيع المجال المتاح أمام الإنتاج والاستثمار، شرط ربطه ببناء القدرات المحلية. فزيادة التدفقات التجارية وحدها قد توسع الواردات، بينما يحتاج التحول إلى روابط تساعد الشركات والعمال على اكتساب الخبرة والمشاركة في سلاسل قيمة أوسع.
ويستلزم ذلك تحسين الإجراءات والبنية التحتية والخدمات اللوجستية وبيئة الأعمال، إلى جانب التنسيق مع الشركاء. وتبقى هذه متطلبات للتحول كما ترسمها الدراسة، وليست قائمة بمشروعات عراقية محددة أو بنتائج متحققة. وتكمن قيمتها في توضيح أن الانفتاح يدعم التنويع حين يقترن باستراتيجية إنتاجية، وبمؤسسات تضمن أن تنتقل المنافع إلى الاقتصاد والمجتمع.
النفط مورد لتمويل اقتصاد أوسع
تقدم الدراسة قراءة للعراق تتمحور حول قدرة الدولة على تغيير طريقة استخدام الثروة. فالإيرادات تستطيع المحافظة مؤقتًا على آليات التوزيع، لكنها تستطيع أيضًا تمويل مؤسسات ومهارات وبنية إنتاجية توسع مصادر الدخل. ويتوقف المسار على الحوافز التي تحكم القرار، وعلى مقدار ما يتاح للمنافسة والمبادرة والكفاءة من فرص داخل الاقتصاد.
ويبدأ الانتقال من إدراك ترابط المشكلات: التوظيف العام يرتبط بضعف البدائل، وضعف البدائل يرتبط بالمحسوبية وقصور الاستثمار، واستمرار هذه الأوضاع يزيد اعتماد المجتمع على التوزيع الحكومي. وكسر هذه الحلقة يحتاج إلى تقدم متزامن في حماية المواطنين، وتحسين الإنفاق والمؤسسات، وفتح الأسواق أمام النشاط المنتج، بما يمنح الإصلاح قاعدة اجتماعية ومصلحة قابلة للاستمرار.
ويمتلك العراق، في حدود ما توضحه الدراسة، فرصة لاستخدام موارده النفطية في تمويل هذا الانتقال قبل أن تضيق هوامشه. فكل استثمار يرفع الإنتاجية، وكل إجراء يعزز عدالة الفرص، وكل تحسن في الاستقرار والثقة، يساعد على بناء اقتصاد أكثر قدرة على توليد العمل والدخل. ومن هذا المسار تتشكل علاقة أكثر استدامة بين المواطن والدولة، تقوم على اتساع المشاركة في إنتاج الثروة والانتفاع بها.
...............................................



اضف تعليق