يتناول البحث مصدرية القرآن الكريم في بناء المعرفة الإسلامية، موضحًا خصائصه المرجعية وعلاقته بتعدد التفسيرات والنتائج بين المدارس الإسلامية. ويميز بين قداسة النص وثبوته وبين الفهم البشري القابل للمراجعة، ويحلل أثر المقدمات العقدية والمناهج التفسيرية في اختلاف القراءات. كما يعرض معايير علمية لتقويم الاستدلال القرآني، وسبل تجديد المعرفة مع...
مقدمة
يحتل القرآن الكريم موقعًا مركزيًا في البناء المعرفي للفكر الإسلامي؛ إذ تستند إليه المدارس والاتجاهات والمذاهب الإسلامية في تأسيس تصوراتها العقدية والتشريعية والأخلاقية، وفي تحديد مواقفها من الإنسان والكون والحياة. وتنبع هذه المكانة من الاعتقاد الإسلامي بأن القرآن كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأنه يمثل مرجعية إلهية عليا في شؤون العقيدة والهداية والتشريع والقيم. غير أن الاشتراك في هذه المرجعية لم يؤدِّ إلى وحدة النتائج التي انتهت إليها المدارس الإسلامية، بل شهد تاريخ الفكر الإسلامي اختلافات واسعة في مسائل العقيدة والفقه والتفسير والفلسفة والرؤية الكونية، الأمر الذي يثير إشكالية معرفية تتعلق بطبيعة العلاقة بين وحدة المصدر وتعدد الفهم والنتائج المترتبة عليهما.
وتقتضي معالجة هذه الإشكالية الانتقال من بيان مكانة القرآن الكريم وخصائصه المرجعية إلى تحليل الكيفية التي يتحول من خلالها النص القرآني إلى معرفة بشرية، والكشف عن العوامل التي تؤثر في فهمه وتفسيره واستنباط دلالاته. فالإقرار بقداسة النص وحجيته لا يحسم جميع المسائل المتعلقة بفهم دلالاته، كما أن اتفاق المدارس الإسلامية على مرجعيته لا يعني اتفاقها على المناهج والقواعد التي تعتمدها في تفسيره.
وعلى هذا الأساس، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن تعدد النتائج المعرفية في الفكر الإسلامي يرتبط في جانب مهم منه بتعدد البنى المعرفية والمقدمات العقدية والمناهج التأويلية التي تتوسط بين النص القرآني والنتائج المستنبطة منه. وسوف نسعى إلى تحليل مصدرية القرآن الكريم وخصائصها، وبيان أثر هذه الخصائص في بناء المعرفة، ثم نوضح الفارق بين قداسة النص وقابلية الفهم البشري للخطأ والمراجعة.
أولًا: القرآن الكريم ومفهوم المصدرية المعرفية
تشير المصدرية المعرفية إلى المكانة التي يحتلها مصدر معين في تأسيس المعرفة وتوجيهها وتحديد الأصول التي تنطلق منها عملية الفهم والاستدلال. وفي الفكر الإسلامي، يحتل القرآن الكريم مرتبة مرجعية أساسية؛ إذ يستمد منه التصور الإسلامي أصولًا تتعلق بالله تعالى والإنسان والكون والحياة، فضلًا عن المبادئ التشريعية والأخلاقية التي تنظم علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبالمجتمع.
وتتجاوز الوظيفة المعرفية للقرآن الكريم تحديد جملة من المعتقدات والأحكام إلى الإسهام في تشكيل الرؤية التي يفهم الإنسان من خلالها الوجود وغاياته ومسؤوليته. فالقرآن يدعو إلى التفكر والتدبر والنظر في الآفاق والأنفس، ويؤكد أهمية العلم والبرهان والتثبت من الأخبار، الأمر الذي يجعل المرجعية القرآنية ذات أبعاد عقدية وتشريعية وقيمية ومنهجية.
قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36). وتكشف هذه النصوص عن أهمية طلب المعرفة والتحرز من الأحكام التي لا تستند إلى علم، بما يتيح تأسيس علاقة بين المرجعية الدينية وممارسة التفكير المنضبط.
وتتحدد مصدرية القرآن، في هذا الإطار، من خلال مستويين متكاملين: مستوى مرجعي يتعلق بمكانته في الاعتقاد الإسلامي، ومستوى معرفي يتعلق بطرائق فهمه وتفسيره والاستدلال به في بناء التصورات والأحكام. ويقتضي التمييز بين هذين المستويين عدم الخلط بين حجية النص والكيفية التي يدرك بها الإنسان دلالاته.
ثانيًا: الخصائص المعرفية لمصدرية القرآن الكريم
تستند مركزية القرآن الكريم في الفكر الإسلامي إلى مجموعة من الخصائص التي تسهم في تحديد مكانته المرجعية وطبيعة المعرفة المستمدة منه.
1. القدسية والمصدرية الإلهية
تُعد القدسية من أهم خصائص المصدرية القرآنية؛ إذ يؤمن المسلمون بأن القرآن وحي إلهي، وأن صدقه لا يتوقف على موافقة البشر له أو اختلافهم في تفسيره. قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42).
وتمنح هذه الخاصية القرآن منزلة مرجعية متميزة في البناء المعرفي الإسلامي، بحيث تُعرض التصورات والاجتهادات البشرية على أصوله ودلالاته وفق قواعد الاستدلال المعتمدة. غير أن قداسة النص لا تنتقل تلقائيًا إلى تفسير الإنسان له؛ لأن التفسير فعل معرفي يقوم به المفسر من خلال أدواته ومقدماته، ويظل قابلًا للفحص والنقد والتصحيح.
2. يقينية المصدر وثبوت النص
تتصل هذه الخاصية بالاعتقاد بأن القرآن وحي إلهي، وبثبوت النص القرآني المتداول بالتواتر. غير أن البحث المعرفي يقتضي التمييز بين ثبوت النص ودرجة دلالته على معنى معين. فثبوت النص لا يعني بالضرورة أن جميع دلالاته التفصيلية قطعية، إذ تتفاوت النصوص من حيث الوضوح والاحتمال، وقد تختلف اجتهادات العلماء في تحديد المعنى الراجح.
وعليه، توفر يقينية المصدر وثبوت النص أساسًا مرجعيًا مستقرًا، بينما يحتاج الانتقال من النص إلى النتائج التفصيلية إلى دراسة لغوية وتفسيرية وأصولية تراعي طبيعة الدلالة وقوة الأدلة.
3. الشمولية واتساع المجال المرجعي
يتناول القرآن الكريم موضوعات متعددة تتصل بالعقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع والعلاقات الاجتماعية والإنسان والكون والتاريخ. وتتيح هذه السعة بناء رؤية مترابطة للحياة الإنسانية، تتداخل فيها الأسئلة الدينية والأخلاقية والاجتماعية.
ولا تعني الشمولية أن القرآن يقدم التفاصيل الفنية لجميع العلوم والتخصصات – بحسب الظاهر من القرآن، وإلا فإن للباطن، بل البطون المختلفة، حديثًا آخر –، وإنما تعني أنه يؤسس إطارًا دينيًا وقيميًا واسعًا تتحدد في ضوئه غايات الإنسان ومسؤولياته ومواقفه من قضايا الحياة. ومن ثم، يمكن الاستفادة من المبادئ القرآنية في تقويم الممارسات الاقتصادية والسياسية والتقنية، مع الرجوع إلى المناهج العلمية المتخصصة في تشخيص الوقائع وتفسير آلياتها.
4. الهداية والتوجيه المعياري
يمتاز الخطاب القرآني باقترانه بالهداية والتوجيه الأخلاقي؛ فهو لا يقتصر على الإخبار، بل يتضمن أوامر ونواهي ومبادئ تتعلق بالعدل والأمانة والرحمة والوفاء والمسؤولية.
وتؤثر هذه الخاصية في طبيعة المعرفة المستمدة من القرآن؛ إذ تربط إنتاج المعرفة واستخدامها بالغايات الأخلاقية. فالسؤال في المنظور الإسلامي لا يتعلق بصحة المعرفة أو كفاءتها العملية وحدهما، بل يتناول أيضًا الغايات التي توظف فيها والآثار التي تترتب عليها.
5. الثبات وإمكان التجديد
يتميز النص القرآني بالثبات، في حين تتغير الوقائع الإنسانية وتتجدد الأسئلة التي تواجه الفكر الإسلامي. وينشأ عن ذلك مجال للاجتهاد في فهم النصوص وتطبيق مبادئها على المستجدات، مع المحافظة على المرجعية القرآنية.
ويتطلب هذا الأمر التمييز بين النص ودلالاته، وبين الأصول والاجتهادات، وبين المبادئ العامة والوسائل التطبيقية. فالتجديد لا يعني تغيير النص، وإنما قد يتصل بمراجعة التفسيرات البشرية وتطوير أدوات الاستدلال وتحسين فهم الواقع الذي يراد تطبيق الأحكام والمبادئ عليه.
6. تحفيز العقل والتدبر والاستدلال
يدعو القرآن الكريم إلى التدبر والنظر والاعتبار وإقامة البرهان، وينهى عن اتباع ما لا يستند إلى علم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).
وتكشف هذه الدعوة عن أهمية العقل في فهم النصوص ومناقشة الحجج واستنباط الدلالات. كما تتيح تأسيس موقف معرفي يرفض التسليم غير الواعي، ويشجع على التثبت والتحليل والنقد.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى التفكير لا تلغي الحاجة إلى المناهج المتخصصة في دراسة الظواهر الطبيعية والتاريخية والاجتماعية، بل تقتضي تحديد مجالات الاستدلال وأدواته، والتمييز بين المسائل التي يحسمها الدليل النصي والمسائل التي تحتاج إلى البحث التجريبي أو التحليل التاريخي والاجتماعي.
ثالثًا: التمييز بين قداسة النص وبشرية التفسير
يمثل التمييز بين النص القرآني والفهم البشري له نقطة محورية في دراسة مصدرية القرآن الكريم. فالنص، وفق الاعتقاد الإسلامي، كلام الله ومرجعية إلهية مقدسة، أما التفسير فهو نشاط معرفي يمارسه الإنسان بهدف الكشف عن دلالات النص وفهم مقاصده واستنباط أحكامه.
ويخضع هذا النشاط لجملة من العوامل، منها المعرفة باللغة العربية، والمناهج التفسيرية، والمقدمات العقدية، والأصول الكلامية، ومصادر الرواية، والسياقات التاريخية والثقافية التي يعمل المفسر ضمنها.
ومن ثم، لا يصح إضفاء العصمة على تفسير معين بسبب استناده إلى القرآن؛ لأن الاستناد إلى النص لا يضمن وحده صحة الفهم أو سلامة الاستدلال. فقد يوافق التفسير مراد النص، وقد يبتعد عنه نتيجة خطأ لغوي أو خلل استدلالي أو مقدمة غير صحيحة أو إغفال قرائن ذات صلة.
ويقتضي هذا التمييز الفصل بين ثلاثة مستويات:
النص القرآني: المرجعية المقدسة التي ينطلق منها الاعتقاد والفقه الإسلامي.
دلالة النص: المعنى الذي يدل عليه النص وفق اللغة والسياق والقرائن.
الفهم البشري: النتيجة التي يتوصل إليها المفسر من خلال أدواته ومقدماته المنهجية.
ولا تتطابق هذه المستويات بالضرورة في كل قراءة تفسيرية؛ إذ قد تكون دلالة النص واضحة في موضع، وقد تتعدد الاحتمالات التفسيرية في موضع آخر، وقد يختلف المفسرون في ترجيح أحد الاحتمالات أو في تحديد العلاقة بين الآية وغيرها من النصوص.
وعلى هذا الأساس، فإن الاعتراف بقداسة النص لا يقتضي التسليم بصحة جميع القراءات المنسوبة إليه، كما أن قابلية التفسير للخطأ لا تعني استحالة الوصول إلى فهم راجح أو أقرب إلى مراد النص.
رابعًا: أثر المعتقدات المسبقة في تشكيل القراءة القرآنية
لا تبدأ عملية التفسير من فراغ معرفي؛ فالمفسر يدخل إلى النص حاملًا تصورات سابقة عن العقيدة والعقل والنقل والإنسان والوجود، فضلًا عن قواعده في قبول الروايات وتحديد الأدلة وترتيبها. وقد تؤثر هذه المقدمات في توجيه القراءة وفي اختيار المعاني التي يراها المفسر أقرب إلى الصواب.
ويتجلى هذا التأثير من خلال عدة آليات. فقد يركز القارئ على آيات تتوافق مع تصوره السابق، أو يرجح معنى لغويًا لأنه ينسجم مع مذهبه، أو يفسر النصوص الجزئية في ضوء منظومة عقدية يتبناها. كما قد يؤدي الاختلاف في تقويم الروايات أو في تحديد حجية بعض مصادر المعرفة إلى اختلاف النتائج، حتى عند الاستناد إلى الآيات نفسها.
وتتضح أهمية هذه المسألة عندما تتحول المقدمات المسبقة إلى إطار مغلق لا يسمح بمراجعة الذات أو اختبار الافتراضات. ففي هذه الحالة، قد يصبح التفسير وسيلة لتأكيد المعتقد السابق بدل أن يكون مجالًا لفحصه وتقويمه.
غير أن أثر المعتقدات السابقة لا يعني أن كل تفسير تحكمه الأهواء أو أن الوصول إلى معرفة موضوعية أمر متعذر. فالمعرفة السابقة قد تساعد على فهم النص، كما يمكن للمفسر مراجعة مقدماته عندما يواجه أدلة أقوى أو يكتشف خللًا في استدلاله. ولذلك ينبغي دراسة أثر المعتقدات المسبقة باعتباره عاملًا معرفيًا قابلًا للتحليل، لا حكمًا مسبقًا على جميع المفسرين.
خامسًا: وحدة المصدر وتعدد النتائج في الفكر الإسلامي
تشترك المدارس الإسلامية في الاعتراف بمركزية القرآن الكريم، لكنها تختلف في عدد من النتائج العقدية والفقهية والفلسفية. ويكشف هذا التباين عن أن وحدة المصدر لا تكفي وحدها لضمان وحدة الفهم أو وحدة النتائج.
ويمكن تفسير جانب مهم من هذا الاختلاف من خلال تفاعل خمسة عوامل رئيسية:
أولها: الاختلاف في الدلالات اللغوية المحتملة للألفاظ والتراكيب.
وثانيها: الاختلاف في المناهج التفسيرية وقواعد الترجيح.
وثالثها: التباين في التعامل مع مصادر المعرفة المساندة، وفي مقدمتها السنة النبوية والروايات والإجماع والاستدلال العقلي.
ورابعها: اختلاف المقدمات الكلامية والفلسفية التي تنطلق منها المدارس.
وخامسها: اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية التي أسهمت في نشأة الاتجاهات الفكرية وتطورها.
ولا تعمل هذه العوامل منفصلة دائمًا، بل تتفاعل فيما بينها. فقد تؤثر المقدمة العقدية في اختيار المنهج التفسيري، ويؤثر المنهج في تحديد دلالة الآية، ثم تُستخدم الدلالة المستنبطة في تأييد التصور العقدي السابق. وقد تتشكل بذلك علاقة متبادلة بين المعتقد والتفسير، تجعل مراجعة المقدمات شرطًا مهمًا لتقويم النتائج.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين وحدة المصدر، ووحدة المرجعية، ووحدة المنهج، ووحدة النتائج. فالاتفاق على القرآن لا يستلزم الاتفاق على جميع قواعد فهمه، والاشتراك في بعض القواعد لا يضمن بالضرورة تطابق النتائج؛ لأن الباحثين قد يختلفون في تقدير الأدلة أو في تطبيقها على الوقائع.
ولا يعني ذلك أن جميع القراءات متساوية في القوة أو أن الحقيقة غائبة عن عملية التفسير. بل يقتضي أن تخضع القراءات المتنافسة لمعايير علمية تسمح بمقارنة أدلتها ومقدماتها ومدى اتساقها مع النص والسياق وسائر الشواهد ذات الصلة.
سادسًا: العلاقة بين المرجعية القرآنية والبنية المعرفية للمذهب
لا تعمل المرجعية القرآنية في الفكر الإسلامي بمعزل عن بقية عناصر البناء المعرفي لكل مدرسة. فالقرآن يحتل موقعًا مركزيًا، لكن فهمه يجري ضمن منظومة تتضمن تصورات عن حجية العقل، ومكانة السنة، وقواعد قبول الروايات، وأصول الاستدلال، ومناهج تفسير اللغة والنصوص.
ويترتب على ذلك أن دراسة مصدرية القرآن في مذهب معين لا تكتمل من خلال بيان الآيات التي يستند إليها فقط، بل تحتاج إلى تحليل الإطار المعرفي الذي يحدد كيفية توظيف تلك الآيات.
ويشمل هذا التحليل تحديد المقدمات العقدية التي يعتمدها المذهب، وقواعده في التفسير، وموقفه من الأدلة المساندة، وطريقته في معالجة التعارض الظاهري بين النصوص، ومعاييره في ترجيح الاحتمالات.
ومن خلال هذه الدراسة يمكن الكشف عن الكيفية التي تتحول بها المرجعية المشتركة إلى نتائج مختلفة، وعن العوامل التي تجعل تفسيرًا معينًا أكثر اتساقًا مع أدلته أو أقل قدرة على تبرير استنتاجاته.
وتتطلب هذه المقاربة قدرًا من الحياد المنهجي؛ إذ ينبغي تطبيق معايير النقد على مختلف المدارس، وعدم افتراض أن المذهب الذي ينتمي إليه الباحث يمتلك تلقائيًا القراءة الأكثر موضوعية. فالمعيار هو قوة الدليل وسلامة المنهج، لا الانتماء المذهبي وحده.
سابعًا: معايير تقويم النتائج المعرفية المستندة إلى القرآن
إذا كانت التفسيرات البشرية قابلة للخطأ والمراجعة، فإن ذلك يستلزم تحديد معايير يمكن من خلالها تقويم النتائج المستندة إلى القرآن الكريم. ولا يكفي في هذا المجال الاستناد إلى مكانة النص أو إلى شيوع تفسير معين داخل مدرسة ما.
ويمكن اعتماد مجموعة من المعايير المتكاملة:
1. المعيار اللغوي: فحص مدى توافق التفسير مع دلالات اللغة العربية وتراكيبها وأساليبها، وعدم تحميل الألفاظ معاني لا يسندها الاستعمال اللغوي.
2. المعيار السياقي: دراسة موقع الآية في السورة وعلاقتها بما يسبقها وما يليها، ومراعاة السياق الموضوعي والقرائن المتصلة بالنص.
3. المعيار القرآني الداخلي: جمع الآيات ذات الصلة بالموضوع ودراسة العلاقات بينها، لتجنب بناء النتائج على قراءة جزئية تهمل النصوص الأخرى.
4. المعيار الروائي والأصولي: فحص الأدلة المساندة، والتحقق من الروايات، وتوضيح القواعد التي اعتمدها الباحث في قبول الأدلة وترجيحها.
5. المعيار الاستدلالي: الكشف عن المقدمات التي يقوم عليها التفسير، وفحص سلامة الانتقال من الدليل إلى النتيجة، وتجنب الدور المنطقي أو المصادرة على المطلوب.
6. المعيار النقدي: إخضاع التفسير للفحص والمقارنة، والنظر في الاعتراضات التي يمكن أن ترد عليه، والاستعداد لمراجعته عند ظهور دليل أقوى.
7. المعيار الواقعي والتخصصي: في القضايا التي تتصل بالعلوم الطبيعية أو الاجتماعية أو الوقائع التاريخية، ينبغي الاستفادة من الأدلة والمناهج المناسبة لتلك المجالات، وعدم استبدالها بتأويلات غير مدعومة للنصوص.
ولا تعني هذه المعايير أن جميع المدارس الإسلامية تتفق على ترتيبها أو على حدود تطبيقها، لكنها توفر إطارًا تحليليًا يمكن استخدامه في المقارنة العلمية بين القراءات.
ثامنًا: القرآن الكريم وإنتاج المعرفة في الفكر الإسلامي المعاصر
تزداد أهمية هذه الإشكالية في العصر المعاصر بسبب التحولات العلمية والاجتماعية والتقنية، وظهور قضايا تتطلب الجمع بين المرجعية الدينية والمعرفة المتخصصة. فالموقف من الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والعدالة الاقتصادية، والخصوصية الرقمية، والتغيرات السياسية، لا يتحدد بالاستشهاد بنص قرآني فحسب، بل يحتاج إلى فهم دلالات النصوص ذات الصلة، وتحديد المبادئ الأخلاقية الحاكمة، ودراسة الوقائع والنتائج المحتملة.
وفي هذا السياق، يؤدي القرآن دورًا مرجعيًا في تحديد القيم والغايات، بينما يتطلب فهم التطبيقات المعاصرة اجتهادًا يراعي الأدلة الشرعية والواقع العلمي والاجتماعي. ويستدعي ذلك التمييز بين المبادئ القرآنية وبين الاجتهادات البشرية التي تُبنى على فهم تلك المبادئ.
كما تبرز الحاجة إلى مراجعة بعض القراءات الموروثة عندما تكون مرتبطة بمقدمات تاريخية أو تصورات لم تعد صالحة لتفسير الواقع، شريطة أن تتم المراجعة وفق قواعد علمية واضحة، لا من خلال إسقاط الرغبات المعاصرة على النص.
وبذلك يصبح التجديد الفكري عملية نقدية مزدوجة: نقدًا للمقدمات البشرية التي تؤثر في فهم النص، ونقدًا للواقع الذي يراد تطبيق المبادئ عليه، مع المحافظة على المرجعية القرآنية واحترام الضوابط العلمية للتفسير.
خاتمة
من خلال ما تقدم يتضح أن القرآن الكريم يمثل مرتكزًا معرفيًا أساسيًا للفكر الإسلامي، وتنبع مكانته من المصدرية الإلهية والقدسية والثبوت والشمولية والهداية والتوجيه القيمي. وتسهم هذه الخصائص في تأسيس المرجعية التي تنطلق منها التصورات الإسلامية للإنسان والكون والحياة، وتُقوَّم في ضوئها الأفكار والممارسات والغايات.
غير أن تحليل هذه المصدرية يقتضي التمييز بين قداسة النص وبشرية تفسيره؛ فالنص القرآني، وفق الاعتقاد الإسلامي، حق إلهي، بينما يظل فهم الإنسان له فعلًا معرفيًا يتأثر بالمقدمات العقدية والمناهج التفسيرية والأدلة المساندة والسياقات التاريخية. ومن ثم، فإن الاشتراك في القرآن الكريم لا يستلزم تطابق النتائج المعرفية، كما أن تعدد التفسيرات لا يعني استحالة الوصول إلى فهم راجح أو أقرب إلى مراد النص.
وتكشف هذه النتيجة أن دراسة القرآن باعتباره مرتكزًا معرفيًا لا ينبغي أن تقتصر على بيان خصائصه المرجعية، بل يجب أن تشمل تحليل الوسائط التي تنتقل من خلالها دلالاته إلى المعرفة البشرية، والكشف عن أثر المعتقدات المسبقة في توجيه القراءة، ووضع معايير لتقويم النتائج المستندة إليه.
وعليه، فإن الإشكالية المركزية لا تكمن في تعدد القراءات في حد ذاته، بل في كيفية تفسير هذا التعدد، وتحديد أسبابه، والتمييز بين الاختلاف المقبول الذي تسنده أدلة معتبرة، والاختلاف الذي ينشأ عن خلل في المقدمات أو المناهج أو الاستدلال. ومن هنا، يتطلب تطوير الفكر الإسلامي المعاصر الجمع بين احترام المرجعية القرآنية والنقد العلمي للفهم البشري، بما يحقق توازنًا بين ثبات النص وإمكان تجدد المعرفة، وبين أصالة المرجعية وضرورة مراجعة الاجتهادات.
وبذلك يمكن النظر إلى مصدرية القرآن الكريم باعتبارها مسألة تتضمن بُعدين متكاملين: بُعدًا مرجعيًا يتعلق بمكانة النص في الاعتقاد الإسلامي، وبُعدًا إبستمولوجيًا يتعلق بآليات فهمه وإنتاج المعرفة من خلاله. ويسمح الجمع بين هذين البعدين بتفسير أعمق لتعدد النتائج المعرفية في المدارس الإسلامية، ويفتح المجال أمام دراسة نقدية مقارنة تسعى إلى تقويم القراءات وفق الأدلة والمناهج، بعيدًا عن افتراض العصمة للتفسيرات البشرية أو التسوية بين جميع النتائج.



اضف تعليق