ضيفنا الدكتور صاحب كريم صاحب الخاقاني، التدريسي في قسم اللغة العربية بكلية العلوم الإسلامية في جامعة كربلاء، الذي نال شهادة الدكتوراه من القسم نفسه عن أطروحته «قراءة النص القرآني وتأويله عند عبد الكريم سروش: دراسة في نقد النقد». نفتح معه ملف القراءة التي تصبح هي نفسها موضوعاً للقراءة والمساءلة...

نفتح المصحف، ونبدأ القراءة، وتحضر معنا أشياء كثيرة: ما تعلّمناه، وما ألفناه من تفسير، وما يشغلنا من أسئلة الحياة. وبين الآية التي نقرؤها والمعنى الذي نستخلصه، يعمل فهمنا بكل ما يحمله من معرفة وتجربة وحدود. من هذه المسافة الدقيقة يتسع النقاش حول قراءة النص القرآني وتأويله، وصولاً إلى سؤال يمسّ مسؤولية القارئ: كيف نعرف أننا نستضيء بالنص، ونحن نحمل إليه أفكارنا؟

هذا السؤال يضعنا أمام قضايا شغلت الفكر الديني المعاصر، تتصل بحدود التأويل، وأثر التاريخ واللغة في الفهم، والضوابط التي يستند إليها تجديد المعرفة الدينية. وتتيح مناقشة مشروع عبد الكريم سروش الاقتراب من هذه القضايا، وفحص الأسس التي بنى عليها قراءاته، ومدى اتساق أدواته مع النتائج التي انتهى إليها.

ضيفنا الدكتور صاحب كريم صاحب الخاقاني، التدريسي في قسم اللغة العربية بكلية العلوم الإسلامية في جامعة كربلاء، الذي نال شهادة الدكتوراه من القسم نفسه عن أطروحته «قراءة النص القرآني وتأويله عند عبد الكريم سروش: دراسة في نقد النقد». نفتح معه ملف القراءة التي تصبح هي نفسها موضوعاً للقراءة والمساءلة، ونتتبّع حجج سروش ومواطن الاعتراض عليها، بحثاً عن فهم أوضح لما يحدث عندما يجتمع النص المقدّس والعقل المؤوِّل وأسئلة العصر على طاولة واحدة.

ومن الأسس التي أقام عليها سروش مشروعه، نبدأ حوارنا:

بدايةً دكتور، بأي مسوغ منهجي يجعل سروش من التعددية الدينية حجر الزاوية الذي تبنى عليه كافة استنتاجاته قبل شروعه في التحليل؟

المسوغ المنهجي عند سروش يقوم على التفريق بين النص الديني المقدس والثابت، وبين المعرفة الدينية البشرية التي تتطور وتتغير بتغير العصور والثقافات.

ولما كان الفهم البشري للنص متنوعاً بطبعه ومتأثراً بالسياقات الخارجية، فإن تعدد التأويلات يصبح أمراً حتمياً، مما يدفعه لجعل التعددية الدينية حجر زاوية في فلسفته.

لماذا يرى سروش أن التمييز بين وحيانية المضمون وتاريخانية الشكل هو المخرج الوحيد لتجديد الخطاب الديني؟

 يرى سروش أن هذا التمييز هو المخرج الوحيد، لأن الشكل التاريخي للدين، من لغة وثقافة وأحكام، كان مرتبطاً ببيئة وزمان معينين أي إنه مرتبط بزمن نزول القران الكريم.

أما المضمون الوحياني فهو ثابت ومطلق، وبالتالي فإن فصلهما يسمح بتجلي القيم الأبدية في قوالب جديدة تواكب العصر، فأن معظم الأحكام الشرعية هي معرفة بشرية تاريخية، وليست جزءاً من المضمون الوحياني المطلق ولذا يمكن إعادة صياغتها أو تغيرها لتوافق متطلبات العصر وقيمه، باستثناء بعض العبادات الجوهرية.

 كيف استطاع سروش تطويع أدوات النقد الألسني لتحويل النص من ثابتٍ مقدس إلى كيانٍ معرفي متحرك؟

استعمل سروش أدوات النقد اللسني والهرمنيوطيقي ليوضح أن المعرفة الدينية هي منتج بشري تاريخي متطور. ويرى أن النص نفسه صامت، وأن فهم البشر له يتوسع وينقبض بحسب معارف عصرهم، مما يجعل الفهم حيوياً ومتغيراً دائماً.

بمعنى أخر أن الإنسان عندما يقرأ النص الديني، فإنه يفعل ذلك من طريق خلفية معرفية وثقافية معينة، وهذه الخلفية تتطور مع الزمن، ولذا فهم النص يتغير ويتطور ليواكب هذه التحولات المعرفية.

 مَن الذي يملك السلطة المعرفية في نظر سروش لتحديد الحدود الفاصلة بين ما هو بشري وما هو إلهي في النص؟ 

يرى سروش أن السلطة المعرفية لتحديد هذه الحدود تقع على عاتق النخبة المثقفة وخبراء الهرمنيوطيقا والعلوم الدينية المستقلين، وليس المؤسسة الدينية التقليدية التي تحتكر التفسير.

أي أن سروش يمنح الحق في التفسير والنقد لمن يمتلكون أدوات معرفية حديثة، من فلاسفة وعلماء اجتماع ومؤرخين، وليس فقط المتخصصين في العلوم الدينية التراثية.

 ماذا لو فقد مشروع سروش أدواته المستمدة من العلوم الإنسانية الغربية، هل يظل قادراً على الصمود أمام النص؟

لو فقد مشروع سروش هذه الأدوات، فإنه سيفقد الأسس المنهجية التي يقوم عليها النقد والتفكيك، ولن يعود قادراً على طرح قراءات جديدة للنص وسيتراجع المشروع إلى الفلسفة التقليدية.

بمعنى إذا غابت تلك الأدوات التحليلية، فلن يجد الباحث طريقة لتشريح النص وفصله عن سياقه التاريخي، مما يجعل قراءاته تعود إلى الأساليب التراثية في التفسير.

أين يكمن جوهر التعارض بين القراءة العقلية الأرسطية التي يتبناها سروش وبين المقاصد التعبدية للنص؟

جوهر التعارض يكمن في تغليب القراءة العقلية للبحث عن العلل والحكم الكلية، بينما المقاصد التعبدية تقوم على التسليم المطلق للنص والامتثال لأوامر الله دون إخضاعها بالضرورة لمعايير العقل البشري.

فالمقاربة العقلية تسعى لفهم الحكمة والعلل الكلية خلف التشريعات، بينما المقاصد التعبدية تركز على الانقياد والامتثال لأوامر الله كفعل طاعة قائم على التسليم المطلق، بغض النظر عن إدراك العقل لحكمتها.

 كيف تُسهم القراءة التقويضية في زعزعة اليقين الديني، ولماذا يعتبرها سروش ضرورة معرفية؟

القراءة التقويضية تساهم في زعزعة اليقين الديني عبر التشكيك في الثوابت والمطلقات التي بُنيت عليها المعرفة التراثية، ويعدها سروش ضرورة معرفية لأنها تفتح الباب للنقد المستمر والتطوير المعرفي، مما يمنع الجمود ويشجع على التفكير الحر.

فالقراءة التقويضية تمنع تحول الفهم البشري للنص إلى دوغما مقدسة؛ فهي تجبر العقل على التساؤل المستمر وتطوير معارفه بما يتناسب مع تطور الزمن والعلم، مما يحمي التفكير من الجمود.

 بأي معيار يُرجح سروش القراءة التاريخية على غيرها عند محاولة إثبات بشرية النص؟

سروش يرجح القراءة التاريخية بناءً على معيار التطور المعرفي؛ فهو يعتبر أن المعرفة الدينية تتوسع وتتغير مع تقدم العلوم الإنسانية، مما يجعل الحصر في قراءة تراثية واحدة أمراً يعيق فهم النص.

المعنى هو أن فهم النص يتطور مع تقدم الفكر البشري، مما يزيل الجمود ويسمح برؤية النص من زوايا جديدة ومتنوعة.

 لماذا يعتبر سروش القراءة الحجاجية سلاحاً لا غنى عنه في تفنيد رؤى الخصوم؟

يعد سروش القراءة الحجاجية سلاحاً لا غنى عنه لأنها تمكنه من تفكيك حجج الخصوم منطقياً وفلسفياً، مما ينقل النقاش من التشنج العاطفي إلى الحوار المعرفي الرصين.

فسروش يرى أن أي طرح فكري لا يمكن قبوله بمجرد الادعاء أو السلطة، بل يجب إخضاعه لمنطق الحجاج. من طريق بناء حجج منطقية رصينة، يستطيع تفكيك دعاوى الخصوم وكشف التناقضات فيها، مما يجعل النقد موجهاً للأفكار نفسها وليس للأشخاص.

 متى يتحول الفهم البشري من أداة للإدراك إلى حاجز يحول دون الوصول إلى مراد النص عند سروش؟

عندما يكون الفهم البشري للنص الديني مقدساً، يتوقف العقل عن محاولة تجديد القراءات، مما يحول دون الوصول إلى المعاني المتجددة التي تواكب تطورات الزمان والفكر الإنساني.

فتحول الفهم البشري عند سروش إلى حاجز عندما يتم تقديس هذا الفهم وتحويله إلى حقيقة مطلقة، مما يجعله يحجب المعنى المتجدد للنص ويمنع استيعاب أبعاده التاريخية والمعاصرة.

كيف يُبرر سروش انزياحه نحو التأويل الصوفي رغم ما فيه من غموض وتشظٍ للدلالة؟

يبرر سروش انزياحه نحو التأويل الصوفي بكونه وسيلة للوصول إلى التجربة الدينية الحية والروحية، متجاوزاً بذلك الجمود الفقهي، ومفسحاً المجال لتعددية المعاني والتجارب الفردية.

التأويل الصوفي عند سروش يقدم بعداً روحياً وتجربة ذاتية مباشرة مع المطلق، مما يسمح بتجاوز الحدود اللفظية الضيقة للنصوص ويمنح المعنى مرونة وقدرة على التطور.

فالتصوف يركز على الجوهر الروحي والتجربة الذاتية مع الله، مما يبعد النص عن التفسيرات الحرفية المحددة ويسمح بتعدد التأويلات الروحية العميقة.

 بأي منطق يقبل سروش بـالتأويل الانتقائي كخيار منهجي رغم افتقاره للقيد والشرط المعرفي؟

سروش يرى أن كل فهم بشري للنص هو منتج سياقي خاضع للمعرفة المسبقة والظروف التاريخية للمفسر، وبالتالي فإن الانتقاء يصبح طبيعياً كونه جزءاً من عملية التفاعل الذاتي مع النص.

سروش ينطلق من فلسفة تؤكد أن المعرفة البشرية نسبية بطبيعتها وتعتمد على أفق المفسر المعرفي. لذا، الانتقاء ليس ضعفاً، بل هو التعبير الطبيعي عن تفاعل الذات مع النص من منظورها الخاص.

 أين تتقاطع رؤية سروش للتأويل النبوي مع المفاهيم التراثية، وأين تنفصل عنها جذرياً؟

تقاطع رؤية سروش مع المفاهيم التراثية في التسجيل بوجود أصل إلهي للوحي، لكنها تنفصل عنها جذرياً باعتبار أن التعبير والفهم البشري لهذا الوحي يخضعان لسياقات تاريخية ومعرفية متطورة.

فسروش يتفق على قداسة النص الوحياني، لكنه يرى أن تجلي هذا الوحي في الواقع متأثر بالبنية المعرفية والثقافية للنبي، مما يجعل فهمه وتفسيره البشري مشروطاً بالسياق الوجودي.

 مَن يستطيع تفسير التناقض الذي يقع فيه سروش عندما ينسب الغفلة للأنبياء بينما يمارس هو ذات التناقض في قراءاته؟

يفسر البعض هذا التناقض بأن سروش يتعامل مع المفاهيم التاريخية كأدوات إجرائية لتحليل الفكر الديني، وليس كحقائق مطلقة؛ وبالتالي فإن نقده للنصوص يعترف ضمنياً بنسبيته هو الآخر.

المقصود أن سروش يعتبر أدواته التحليلية والنقدية نسبية هي الأخرى، وليست مطلقة، مما يعني أن استنتاجاته جزء من المسيرة المعرفية المتغيرة وليس نهاية المطاف.

 كيف يُمكننا تقييم مشروع سروش بعد كل هذا النقد؛ هل هو محاولة لإعادة قراءة الدين، أم هو إعادة صياغة له وفق أطر حداثية؟

مشروع سروش يمثل مزيجاً بين الأمرين؛ فهو محاولة لإعادة قراءة الدين إبستيمولوجياً من طريق فصل الثابت عن المتغير، وفي الوقت نفسه، هو إعادة صياغة للفهم الديني باستخدام أدوات الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

بمعنى أنه يعيد النظر في أسس المعرفة الدينية ليفصل بين المقدس البشري، وفي الوقت ذاته، يعيد تقديم هذه المعرفة بلغة فلسفية حديثة لتكون ذات معنى للمثقف المعاصر.

فالتفصيل يكمن في منهجه الذي يفرق بين الجوهري والدائم، وبين الفهم البشري النسبي؛ فهو يعيد فحص التراث الديني بعين نقدية حديثة، ليصوغ القيم الروحية في قالب مفاهيمي يتوافق مع الفلسفة المعاصرة.

وفي ختام حوارنا، تبقى قيمة هذه المناقشة في مساءلة الأدوات التي نقرأ بها، وفحص المسلّمات التي قد تقودنا إلى النتائج قبل اكتمال البحث. فقراءة النص القرآني تضع الباحث أمام مسؤولية علمية تتطلب دقة المنهج، وأمانة التأويل، والقدرة على إخضاع الرأي ونقده للتمحيص نفسه.

ونتقدّم بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتور صاحب كريم صاحب الخاقاني على ما قدّمه من إضاءات حول مشروع عبد الكريم سروش، ومشاركته نتائج اشتغاله البحثي في قضية تتصل بصلب العلاقة بين النص المقدّس والفهم البشري، متمنّين له مزيداً من التوفيق والعطاء العلمي.

اضف تعليق