في طبيعتنا البشرية نفضل السير في الطرق المعتادة ونتجنب المجازفة رغم أن الطرق غير المكتشفة قد تكون أقصر وأسهل لبلوغ أهدافنا. إن الميل نحو السهل والميسر يمثل استراتيجية بقاء تاريخية ضمنت توفير الطاقة وتجنب المخاطر، لكنه تحول في عصرنا إلى تحدٍ يقود للركود. وحين نهرب من التوتر واحتمالات الفشل ونستقر في منطقة الراحة، فإننا نفقد مكسب التعلم والتطور...

في طبيعتنا البشرية وبصورة لا ارادية نفضل السير في الطرق التي اعتدنا عليها، ولا نفضل المجازفة في تجريب طرق أخرى رغم ان الكثير من الطرق التي لم نكتشفها تكون أقصر وأسهل في بلوغ اهدافنا، وهذا ما يجعلنا نفقد بعض المكتسبات لكوننا لا نفضل الخوض في مهام جديدة، فماهي دواعي تفضيلنا للسهل؟، وماهي انعكاسات الامر على واقعنا الإنساني، وكيف نكسر هذا الطوق النفسي المزعج؟

يمثل الميل نحو السهل والميسر ظاهرة متجذرة في البناء النفسي والعصبي للإنسان، وليست مجرد سلوك عابر أو صفة طارئة مرتبطة بالكسل. فعلى مدار تاريخ التطور البشري، كان البحث عن المسار الأقل مقاومة استراتيجية بقاء حاسمة ضمنت للإنسان توفير طاقته وتجنب المخاطر غير المضمونة.

الميل الفطري في الأصل يؤدي مهمة تكيفية نفسية تقي الانسان خطر المبهم مما لم يتم التعرف عليه، لكنه في عصرنا تحول إلى تحدٍ وجودي ومعرفي يواجه الأفراد والمجتمعات على حد سواء وبالتالي يصبح احدى المشكلات التي تقود الانسان الى الركود والرضا بالممكن البسيط بعيداً عن الرغبة الإنسانية الجامحة للتعلم ورؤية الحياة من جوانب مختلفة لا الجوانب الكلاسيكية التي اعتاد الجميع على رؤيتها.

وبحسب الدراسات النفسية فأن هناك فروق في نسب الميل بين الذكور والاناث، فعند يكون الميل إلى إظهار قدر أعلى من تجنب المجازفة لا سيما في القرارات المالية والأمنية، فقد تفضل الأنثى المسار الأكثر أماناً وموثوقية وضماناً حتى لو كانت مكافأته أقل، وتعتبر هذا المسار الآمن هو الخيار السهل لأنه يجنبها التوتر وقلق الغموض.

اما الذكور فقد يظهرون ميلاً أعلى للمخاطرة في المجالات المادية أو التنافسية، ولكنهم في المقابل يميلون أكثر من الإناث إلى اختيار الطرائق المختصرة أو الحلول السريعة في المهام الإدارية والتنظيمية الروتينية لتقليل الجهد المبذول وتجنب التفاصيل المعقدة.

لماذا نفضل السهل؟

لعدة دواعي اغلبها نفسية نفضل السهل والابتعاد عن الصعب او غير المجرب، ومن اهم هذه الأسباب مايلي: 

 اول الأسباب التي تدفعنا الى اختيار السهل هو الهروب من التوتر واحتمالات الفشل، فالتعقيدات والتحديات الكبيرة تأتي معها أمور جانبية معقدة مثل الغموض في المستقبل وخطر الفشل واحتمال التعرض للنقد والاصابة بالإحباط وخيبة الامل، فعندما يفكر الانسان في ان يسلك طرق غير مسبوق له السير فيها يشعر الانسان بالتوتر نتيجة للتنبيه الصادر من الجهاز العصبي لإيقاف الامر لكون ذلك يحمل تهديد محتمل لتقدير الذات ومكانتها. يعني الشخص يصبح خائف على صورته امام نفسه وامام الناس.

والسبب الثاني هو تفضيل منطقة الراحة، اذ يميل السلوك البشري بطبيعته إلى الاستقرار وتكوين العادات الثابتة التي تقلل من الحاجة لاتخاذ قرارات جديدة في كل لحظة فيما يتوافق فيه مهارات الفرد الحالية مع المتطلبات المعتادة لبيئته، بحيث لا يشعر بأي ضغط خارجي يستدعي التكيف أو التعلم الجديد الذي يذهب براحته النفسية.

كيف نعالج هذا الامر؟

لكي نتخطى ازمة التمسك بالسهل علينا ان نحول بوصلة تفكيرنا من ثقافة الجهد الى ثقافة النتيجة، بمعنى اننا يجب ان ننظر الى النتائج قبل الخوف من الجهد، فلا نتائج عظيمة بلا جهود استثنائية، وحينها يتحول تركيز الفرد للاستمتاع بجودة العمل اليومي المنتظم والرضا عن الانضباط بغض النظر عن حجم الإنجاز السريع، وتتراجع مشاعر القلق والتوتر ويهدأ الجهاز العصبي.

 والاستراتيجية الثانية هي التعريض التدريجي لمهمات الاصعب وبناء الصلابة النفسية، فمثلما تبنى العضلات عبر المقاومة التدريجية للأوزان، وهكذا تبنى الصلابة العقلية والنفسية عبر تعريض النفس بوعي ومخاطبة هادئة لمواقف تتطلب جهداً وتحملاً، بدءاً من المهام الصغيرة وصولاً إلى التحديات الكبرى وهذا ما يدفعنا لتجريب المهام الأصعب ذات النتائج النافعة. 

اضف تعليق