يبدأ بناء الإنسان من مرحلة الطفولة التي تتشكل فيها أطر الرؤية لذاته والعالم. ويمثل الخوف ميكانزماً نمائياً يخوض من خلاله الطفل صراعاً غير مرئي للحدود بين الأمان والتهديد، وهو يختلف عن الكبار لاعتماده على مستوى النضج الفكري والعصبي. إن استيعاب مخاوف الطفولة واحتواءها بروية تربوية ونفسية هو بناء حقيقي لدرع نفسي يرافق الإنسان طوال حياته...
بناء الانسان يبدأ من مرحلة الطفولة التي تعد الأساس لشخصيته، ففي هذه المرحلة تتشكل أطر الرؤية لذاته وللعالم المحيط به، وخلالها يخوض الطفل الكثير من التجارب التي يجب عل الاهل ان يتفهموا الطرق الصحيحة من ردود افعالهم حيال مواجهة هذه التجارب للمرة الأولى في حياتهم والحرص على التعامل معها بطريقة صحية لئلا تسيطر على سلوكه وتصبح أسلوب حياة فيما بعد وهذا الذي نخشاه.
ومن أكثر التجارب المرهقة للطفل نفسياً هو تعامله مع تجربة الخوف الذي يعده علم نفس الطفل من أكثر التجارب الانفعالية تجذراً وأثراً في هذه المرحلة النمائية، فالخوف ليس مجرد استجابة عابرة لظاهرة طارئة، بل هو ميكانزيم نمائي ونفسي يخوض من خلاله الطفل صراعاً غير مرئي للتعرف على الحدود الفاصلة بين الأمان والتهديد، وبين الذات والآخر، وبين الواقع والخيالات التي يختلقها ذهنه الغض.
إن الخوف عند الطفل يختلف اختلافاً كبيراً عن الخوف عند الكبار، حيث أنه يعتمد بشكل أساسي على مستوى النضج الفكري والعصبي الذي وصل إليه، فالطفل في سنواته الأولى لا يملك البنية المعرفية التي تمكنه من تمييز الخيال عن الواقع بدقة، كما أن قدرته على توقع الأحداث وتقييم المخاطر ما زالت في مراحل تشكيلها.
تشير الدراسات النفسية والعصبية الحديثة إلى وجود اختلافات ملموسة بين الذكور والإناث في استجابة الخوف والتعبير عنه خلال مرحلة الطفولة، وهي اختلافات لا تعود إلى سبب واحد، بل تتداخل فيها العوامل البيولوجية (النضج العصبي والهرموني) مع لعوامل التنشئة والعوامل الثقافية والاقتصادية وغيرها من العوامل التي تؤثر بشكل او بآخر في تشكيل شخصية الطفل.
ماهي أبرز مخاوف الأطفال؟
عبر الملاحظة يمكن إحصاء عدد من المخاوف لدى الأطفال، ابرزها مايلي:
من أكثر المخاوف التي تحاصر الطفل وترهقه نفسياً هو خوفه من الانفصال عن والديه، اذ يتجاوز هذا الخوف التعلق الطبيعي بالوالدين ليتحول إلى فزع يعطل حياة الطفل، فيرفض الذهاب إلى الروضة أو المدرسة، أو يمتنع عن النوم بمفرده، ويبدي ألماً جسدياً كالمغص أو الصداع كلما شعر بقرب غياب أحدهما.
ويتطلب علاج قلق الانفصال الشديد لدى الطفل خطة عمل متكاملة تجمع بين الدعم الأسري السلوكي والتهيئة المعرفية، مثلاً ابتكار طقس وداع سريع ومحبب مثل ضمة سريعة، أو مصافحة خاصة، مع إخبار الطفل بعبارة جازمة ومطمئنة عن موعد العودة ثم المغادرة فوراً دون تردد حتى لو بكى.
ومن أبرز مخاوف الطفولة لدى الطفل ايضاً هو الفشل والسعي للكمال المفرط الذي ينشأ من الضغوط البيئية، حيث يصاب الطفل بقلق عارم من الخطأ أو عدم تحقيق التوقعات العالية، مما يدفعه إما للتسويف وتجنب المحاولة نهائياً، أو المرور بحالة من التوتر العصبي المستمر عند مواجهة أي اختبار أو مهمة جديدة.
وهنا يجب على الوالدين ان يكفان عن ارغام الطفل على تحقيق الحالة المثالية وعدم محاسبته او معاقبته عند الإخفاق وهو ما يجعله سليماً ومعافى نفسياً وهذا هو المراد ضمانه بالنسبة للطفل.
ومن مخاوف الطفل هي المخاوف الاقتصادية والمالية، اذ يتأثر الطفل الذي يعيش في بيئة ضعيفة اقتصادياً سلباً مما يجعله يخشى ان لا تتوفر له متطلباته اليومية التي يريدها من والديه وغيابها يعني غياب الامن المعيشي بالنسبة اليه.
وهنا على الوالدين عدم الإفصاح عن الوضع المالي لهم حتى مع كونهم يمرون بمشكلات او أزمات مالية لكون ذلك يجعلهم قلقين على مستقبلهم وهذا القلق قد يدفعهم الى السير في طرق ملتوية في محاولة منهم لتأمين ما يبعدهم عن الخوف من هذه النقطة تحديداً.
في الختام نقول: إن استيعاب مخاوف الطفولة واحتواءها بروية تربوية ونفسية هو بناء حقيقي لدرع نفسي يرافق الإنسان طوال حياته، فحين نمنح أطفالنا بيئة تفهم قلقهم دون قمع أو استخفاف، فإننا نحول الخوف من عائق يكبل خطواتهم إلى تحدٍ يمكن تجاوزه، لنصنع بذلك أرواحاً مطمئنة قادرة على مواجهة العالم بثبات وامان.



اضف تعليق