بات من المؤكد أن الفساد هو المحرك الأول في تفسير عدم معالجة أزمات البنية التحتية والخدمات، نتيجة نظام المحاصصة الذي استغلته الكتل السياسية لتقاسم المناصب وتوزيع المؤسسات على أساس حزبي وطائفي، مما أدى إلى غياب الرقابة وتفشي المحسوبية. إن الأزمة تحولت من أزمة سلطة إلى أزمة مجتمع عندما أصبح الولاء الحزبي بديلاً عن المواطنة...
بات من المؤكد أن الفساد هو المحرك الأول في تفسير عدم معالجة أزمات الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية، رغم الإنفاق المقدر بمئات المليارات من الدولارات، التي تبخرت بصرفها دون جدوى تذكر، وبالتالي تمخضت هذه الحالة عن بناء دولة ضعيفة بمؤسسات شبه معطلة، وحتى تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أكدت أن الفساد وسوء الحوكمة كانا من أبرز معوقات التنمية والاستثمار وبناء المؤسسات، أما نحن المراقبين لحركة التغيير في داخل بلادنا العراق فنعزو الأمر لأسباب جعلت الفساد يكون بهذا الحجم هي: نظام المحاصصة حيث كانت الغاية منه إشراك مكونات المجتمع العراقي في السلطة استناداً للدستور، لكن الأحزاب والكتل السياسية استغلت هذا وتقاسمت السلطات ووزعت المناصب والمؤسسات على أساس حزبي وطائفي.
وهنا غابت الرقابة والمساءلة وضعف الأداء الإداري والتشريعي وغابت معها الكفاءة وتفشت المحسوبية والوساطة، وخلال هذه الفترات تم تشخيص هذا الخلل وعرفنا المسؤول الفاسد وغير الكفء، إلا أنه بعدما فقد المواطن ثقته بالمؤسسات وتحول الحصول على الوظيفة أو العلاج أو الأمن أو حتى إنجاز معاملة بسيطة إلى أمر لا يتحقق، إلا عبر الحزب أو الزعيم أو العشيرة، ومن المؤسف أصبح الولاء الشخصي بديلاً عن المواطنة، وبعيداً عن علاقة الحقوق والواجبات، التي نص عليها الدستور العراقي لسنة 2005، ومن المؤسف أيضاً أن هذه الولاءات الحزبية والطائفية أدت إلى تطبيع الفساد اجتماعياً، كون مرتكب جريمة الفساد ينتمي إلى الحزب أو الطائفة أو العشيرة أو الجماعة التي ننتمي إليها، وهنا تتحول المشكلة من أزمة سلطة إلى أزمة مجتمع، حيث بقي المواطن مصاباً بالحيرة أثناء الانتخابات بين معرفته للمسؤول الفاسد وبين الولاء أو الانتماء أو المصلحة، ولهذا تؤول به الحال ويعيد انتخاب الفاسد، مما أدى إلى تأصيل الفساد وتطبيعه اجتماعياً بعيداً عن الهوية الوطنية، لكننا في نفس الوقت نسجل معارضات جماهيرية كان أشدها احتجاجات تشرين، حيث قدم صحفيون وقضاة وموظفون ونشطاء تضحيات كبيرة في هذه المواجهة، ودفع بعضهم حياته ثمناً لذلك، ناهيك عن أن ملايين المواطنين كانوا ضحايا لظروف اقتصادية وأمنية وسياسية قلصت قدرتهم على التأثير.
والحل الناجع هو مواصلة صولة الفجر بقيادة السيد علي فالح الزيدي وتفعيل القانون أولاً، وثانياً وبعد تأصيل القانون بالعقاب الصارم تبدأ عملية تغيير الثقافة السياسية باتجاه غضب الناخب على المسؤول بعد كشف الحقائق، وبطبيعة الحال يدخل هنا المواطن في معادلة محاربة الفساد بحيث يكون جزءاً من البيئة التي تصنع الحكم، كون الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل ثقافة مساءلة، ورفض للمحاباة، وإيمان بأن المسؤول موظف لدى الشعب، لا زعيم فوق المحاسبة، وهكذا نقضي على الزعامات الكارتونية الفاسدة ومن ثم القضاء على حواشيها، ليكون الفيصل هو القانون والكفاءة وإعطاء كل مواطن حقه وفقاً لمبدأ الحقوق والواجبات، وهنا نعيد علاقة المجتمع بالدولة على أساس المواطنة.



اضف تعليق