تظهر المفارقة عند البحث عن منزل أقل سعرًا. قد تعثر الأسرة على ضالتها في أطراف المدينة، وتحسب الفرق مكسبًا يساعدها على تدبير الشهر. ثم تبدأ المسافات بإعادة توزيع ذلك المكسب: سيارة لنقل الأطفال، وأجور إضافية للوصول إلى العمل، ورحلة أطول لزيارة الطبيب أو إنجاز معاملة، وخدمات تحتاج إلى بدائل مدفوعة...
يدفع الساكن إيجار بيته، ثم يبدأ بدفع ثمن الوصول إليه والاحتمال داخله. أجرة الطريق إلى العمل، واشتراك المولدة، ومياه يشتريها للاطمئنان إلى جودتها، وتبريد يطول تشغيله كلما اشتد الحر، وساعات تتوزع بين ازدحام الصباح وانتظار العودة. تحمل هذه المصروفات أسماء مختلفة، لكنها تلتقي في ميزانية واحدة، وتكشف أن كلفة العنوان الذي نسكنه أكبر من الرقم المكتوب في عقد الإيجار.
تظهر المفارقة عند البحث عن منزل أقل سعرًا. قد تعثر الأسرة على ضالتها في أطراف المدينة، وتحسب الفرق مكسبًا يساعدها على تدبير الشهر. ثم تبدأ المسافات بإعادة توزيع ذلك المكسب: سيارة لنقل الأطفال، وأجور إضافية للوصول إلى العمل، ورحلة أطول لزيارة الطبيب أو إنجاز معاملة، وخدمات تحتاج إلى بدائل مدفوعة. ومع تكرار هذه الالتزامات، يصبح السؤال عن السكن مرتبطًا بكلفة الحياة التي يفرضها موقعه.
يفتح اليوم العالمي للمدن، الموافق الحادي والثلاثين من تشرين الأول، مساحة للنظر إلى هذه الفاتورة. وبحسب المذكرة المفاهيمية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية «موئل الأمم المتحدة»، تحمل مناسبة عام ٢٠٢٦ موضوع «تجديد المدينة: السكن اللائق للجميع»، مع التركيز على تحسين الأحياء وربط الإسكان بالبنية التحتية والخدمات والفضاءات العامة. ومن هذا المدخل، يمكن قراءة المدينة من داخل يوم عادي لأسرة تحاول الوصول إلى عملها ومدرستها ومركزها الصحي، ثم العودة إلى بيت تستطيع تحمل نفقاته.
تحتاج هذه القراءة إلى توسيع وحدة القياس. فعدد الوحدات السكنية ومساحات الشوارع وأطوال الشبكات تكشف جانبًا من العمران، فيما تكشف مصروفات الأسرة وزمن تنقلها وانتظام الخدمات جانبًا آخر من أثره. وقد يفيدنا السؤال عن مقدار ما يوفره المشروع على السكان بقدر ما يفيدنا السؤال عن كلفة إنشائه؛ لأن نجاح المدينة يظهر أيضًا في المال والوقت اللذين تتركهما لأهلها.
رخصٌ مكلف
تتسع أهمية هذا السؤال مع استمرار التحول الحضري عالميًا. ووفق تقرير «آفاق التحضر العالمي ٢٠٢٥»، الصادر عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، تضم المدن نحو ٤٥ في المئة من سكان العالم، وفق تصنيف يميزها عن البلدات والمناطق الريفية. وارتفع عدد المدن العملاقة التي يسكن كلًا منها عشرة ملايين نسمة فأكثر إلى ٣٣ مدينة، مقابل ثماني مدن عام ١٩٧٥. ويعني هذا التجمع المتزايد للبشر أن تنظيم السكن والخدمات والتنقل يمس تفاصيل حياة أعداد هائلة يوميًا.
أما في العراق، فقد أعلنت وزارة التخطيط، في تشرين الثاني ٢٠٢٥، أن النتائج النهائية لتعداد ٢٠٢٤ سجلت ٤٦ مليونًا و١١٨ ألفًا و٧٩٣ نسمة، وأكثر من ثمانية ملايين أسرة، وبلغت نسبة السكن بالإيجار الخاص ١٩٫٤١ في المئة. وتضع هذه المؤشرات الوطنية سؤال القدرة على تحمل السكن ضمن قضية أوسع، تتعلق بما يتبقى من دخل الأسرة بعد تأمين المأوى والخدمات المرتبطة به.
وتقدّر وثيقة «السياسة الوطنية للإسكان في العراق ٢٠٢٥–٢٠٣٠» الحاجة إلى نحو ٢٫٣ مليون مسكن جديد لتلبية الطلب، استنادًا إلى حسابات مبنية على تعداد ٢٠٢٤. وتناقش الوثيقة ارتفاع أسعار الأراضي والبناء، وصعوبة وصول الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل إلى السكن المناسب، وارتفاع الإيجارات مقارنة بالدخل. ويعكس ذلك تحديًا يجمع بين زيادة المعروض وتحديد موقعه ومستوى خدماته وقدرة السكان على تحمل كلفته.
قد توفر وحدة سكنية جديدة سقفًا آمنًا ومساحة مناسبة، لكن موقعها يحدد جزءًا كبيرًا من الالتزامات التالية. فالقرب من فرصة العمل يخفف نفقات التنقل، ووجود مدرسة يمكن الوصول إليها بأمان يقلل الحاجة إلى النقل المدفوع، وانتظام الماء والكهرباء يحد من مصروفات التعويض. وهكذا تتشكل القدرة على تحمل السكن عبر علاقة بين البيت والحي والمدينة، وتتغير قيمتها كلما تغيرت هذه العلاقة.
ولهذا تحتاج المقارنة بين منزلين إلى حساب يتجاوز الإيجار. يمكن للأسرة أن تجمع نفقات السكن والنقل والطاقة والمياه والخدمات الضرورية، ثم تضع إلى جانبها الوقت الذي تستهلكه الرحلات المتكررة. وقد تكشف المقارنة أن منزلًا أعلى إيجارًا يوفر جزءًا من كلفته بقربه من الاحتياجات اليومية، أو أن منزلًا أقل سعرًا يظل خيارًا مناسبًا إذا توافرت له شبكة نقل وخدمات جيدة. الحسم هنا يحتاج إلى معلومات واضحة عن الحياة المحيطة بالمنزل.
وتقود هذه المسألة إلى تفاوت الأحياء داخل المدينة الواحدة. فالأسرة التي تستطيع شراء موقع أفضل قد تحصل معه على قرب الخدمات واستقرارها، بينما تواجه أسرة محدودة الدخل مسافة أطول وخيارات أقل. وعندما يصبح تعويض النقص مسؤولية فردية متكررة، يتحول ضعف الخدمة العامة إلى عبء يُقتطع من موازنات الأسر، ويتفاوت ثقله بحسب مواردها وحاجاتها.
خدمات بالتقسيط
تبدو الكهرباء من أكثر الأمثلة وضوحًا في السياق العراقي. فقد أورد تحقيق لوكالة رويترز نُشر في آب ٢٠٢٥ عن الموصل ونينوى أن اشتراك المولد الاحتياطي لبعض الأسر الحضرية يتراوح بين خمسين ألفًا ومئة ألف دينار شهريًا، وأن منظومة شمسية بقدرة خمسة إلى ستة كيلوواط تكلف نحو خمسة ملايين دينار. وتوضح هذه الأسعار الواردة في التحقيق حجم بعض خيارات التعويض، مع اختلافها بحسب المكان والتجهيز والخدمة.
تفتح الطاقة الشمسية بابًا لتقليل النفقات المتكررة لدى بعض المستخدمين، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال القدرة على دفع الكلفة الأولية. فالأسرة التي تواجه صعوبة في تدبير اشتراك شهري قد تواجه صعوبة أكبر في تمويل منظومة كاملة، حتى عندما تبدو مجدية على المدى الطويل. وهنا تصبح شروط التمويل وجودة التجهيز والصيانة وحماية المستهلك أجزاء من سياسة السكن، لأن أثرها يصل مباشرة إلى استقرار الحياة داخل المنزل.
وتحضر المياه في الحساب نفسه. ففي بيان صدر في تشرين الثاني ٢٠٢٥، أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» إلى انخفاض الاحتياطيات المائية العراقية إلى نحو أربعة مليارات متر مكعب، ووصفت المستوى بأنه الأدنى خلال ثمانين عامًا. ويخص هذا الرقم تاريخ البيان، لكنه يوضح شدة الضغط الذي واجه الموارد المائية، وما يفرضه من اهتمام باستمرارية الإمداد وحماية المصادر وجودة الخدمة.
يفيد التمييز هنا بين الاتصال بشبكة المياه والحصول على مياه مأمونة ومتاحة عند الحاجة. فالتقرير المشترك لمنظمة الصحة العالمية واليونيسف، المنشور عام ٢٠٢٥ عن التقدم في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة حتى عام ٢٠٢٤، يقدّر عدد المحرومين من مياه شرب مُدارة بأمان بنحو ٢٫١ مليار إنسان، ومن الصرف الصحي المُدار بأمان بنحو ٣٫٤ مليارات. وبلغت تغطية الصرف الصحي المُدار بأمان في المناطق الحضرية ٦٦ في المئة.
تعني هذه الفجوات أن جودة السكن ترتبط بما يحدث خارج جدرانه أيضًا: مصدر الماء، وحالة الشبكة، وتصريف المياه المستعملة، وقدرة المؤسسات على التشغيل والصيانة. وكل تعطل طويل في هذه السلسلة يمكن أن يضيف مهمة جديدة إلى يوم الأسرة، أو نفقة جديدة إلى ميزانيتها، أو قلقًا بشأن النظافة والسلامة.
وفي بغداد، يعرض البنك الدولي، ضمن بيانات نتائج مشروعات المياه والصرف الصحي للسنة المالية ٢٠٢٦، خزان «R2» بسعة ١٣٥ ألف متر مكعب، المصمم لتحسين استمرارية الإمداد واستقرار الضغط لخدمة أكثر من مليون مواطن في شرق العاصمة. وتتيح مثل هذه المشروعات طرح أسئلة عن الأثر الملموس: انتظام وصول الماء، وعدد الانقطاعات، وتحسن الضغط، وما إذا كانت الأسر قد خفّضت اعتمادها على بدائل أخرى. أما السعة التصميمية وعدد المستفيدين المستهدفين، فيحتاجان إلى متابعة تشغيلية لقياس ما تحقق منهما.
وفي البصرة، أعلنت وزارة التخطيط في تشرين الثاني ٢٠٢٥ متابعة مشروع محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي بطاقة تصميمية تبلغ ١٥٧ ألفًا و٥٠٠ متر مكعب يوميًا، تستهدف خدمة نحو ٤٥٠ ألف نسمة. وكانت نسبة الإنجاز المعلنة آنذاك ١١ في المئة، مع توقع الإكمال بداية ٢٠٢٨. وفي الفلوجة، عرضت الوزارة خلال ٢٠٢٥ مشروعًا يشمل شبكات بطول ٣٢٢ كيلومترًا ووحدة معالجة بطاقة ٣٥ ألف متر مكعب يوميًا، بلغت نسبة إنجازه المعلنة وقتها ٩٢ في المئة.
توضح هذه المشروعات حجم العمل المطلوب لتجهيز المدن، وتفتح مجالًا لمساءلة النتائج بعد التنفيذ: انتظام التشغيل، وكفاءة المعالجة، وسرعة التعامل مع الأعطال، وقدرة الأحياء على تصريف المياه. وتزداد قيمة المعلومات حين تتاح على مستوى المنطقة المخدومة، كي يستطيع السكان مقارنة الوعود بتغيرات يلمسونها في شوارعهم وبيوتهم.
ويمتد العبء إلى تمويل الخدمة وإدارتها. فقد أظهرت نتائج تقرير الأمم المتحدة للتحليل والتقييم العالميين لخدمات الصرف الصحي ومياه الشرب «GLAAS»، التي عرضتها منظمة الصحة العالمية في كانون الثاني ٢٠٢٦، فجوة تمويل قدرها ٤٦ في المئة بين الاحتياجات والموارد المتاحة لتحقيق الأهداف الوطنية في عشرين دولة مشاركة. وبلغ متوسط المياه غير المدرة للإيرادات ٣٩ في المئة بين البلدان المبلغة. وتبين هذه النتائج، ضمن نطاقها المحدد، أهمية كفاءة التشغيل وتقليل الفاقد إلى جانب بناء منشآت جديدة.
الطريق يأكل اليوم
تستوفي المدينة جزءًا آخر من كلفتها عبر الوقت. يتكرر الطريق إلى العمل مئات المرات خلال العام، وتتراكم الدقائق التي تبدو صغيرة في رحلة واحدة. ويشمل أثرها وقت الراحة ومرافقة الأطفال وإنجاز حاجات المنزل، فضلًا عن القدرة على الالتزام بمواعيد ثابتة أو قبول عمل يقع في منطقة بعيدة.
تكشف بيانات الهدف الحادي عشر في تقرير أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام ٢٠٢٦ أن الوصول الميسّر إلى النقل العام ارتفع من ٥٣٫٢ في المئة عام ٢٠٢٠ إلى ٦١٫٥ في المئة عام ٢٠٢٥، ضمن عينة من ٤١٢ مدينة في ١٢٧ دولة. ومع هذا التحسن، تبقى أسئلة الانتظام والسعة والأمان والقدرة على تحمل الأجرة حاسمة في جعل الخدمة نافعة خلال اليوم الفعلي للسكان.
وفي بغداد، يقدم تقرير نشرته جريدة الصباح في تشرين الثاني ٢٠٢٣ خلفية تاريخية لضغط المركبات؛ إذ نقل عن مديرية المرور العامة وجود نحو سبعة ملايين سيارة في العراق باستثناء إقليم كردستان، منها أربعة ملايين في العاصمة. ويظل هذا الرقم مرتبطًا بزمن التصريح، لكنه يوضح حجم التحدي الذي كانت تواجهه المدينة، ويجعل تحديث بيانات الحركة والنقل ضرورة لفهم أثر أي معالجة لاحقة.
يساعد تحسين التقاطعات والطرق على معالجة مواضع من الاختناق، فيما يتطلب تخفيف اعتماد الأسر على السيارة خيارات يومية موثوقة. وتدخل ضمن هذه الخيارات خدمة نقل منتظمة، وأرصفة متصلة، وعبور آمن، وتوزيع للخدمات يقلل الرحلات الطويلة. فالمدينة التي تقرب احتياجات السكان تمنحهم وقتًا يمكن استخدامه في العمل والتعلم والراحة والعلاقات العائلية.
ويظل الأمان شرطًا في قيمة هذا القرب. فقد تكون المدرسة قريبة على الخريطة، لكن طريق الوصول إليها يمر بشارع يصعب عبوره، فتضطر الأسرة إلى ترتيب نقل مدفوع. وتقدّر منظمة الصحة العالمية، في تحديث صحيفة «إصابات المرور» الصادر في تموز ٢٠٢٦، الوفيات السنوية الناجمة عن حوادث المرور بنحو ١٫١٦ مليون وفاة عالميًا، يقع أكثر من نصفها بين المشاة وراكبي الدراجات والدراجات النارية وغيرهم من مستخدمي الطرق الأكثر عرضة للخطر.
وتختلف كلفة الطريق بين أفراد الأسرة الواحدة. فشخص يستطيع القيادة يمتلك خيارات تختلف عمن يعتمد على المشي أو النقل العام، وامرأة ترافق طفلًا تحتاج إلى مسار يمكن استخدامه بأمان، ومسن أو شخص ذو إعاقة قد يجد في رصيف متقطع أو معبر غير مناسب عائقًا يمنعه من الوصول. وبذلك يدخل تصميم الشارع في تحديد مقدار الاستقلال الذي يحصل عليه السكان، ومقدار المساعدة أو الإنفاق الذي يحتاجونه.
ويظهر أثر التنظيم المكاني أيضًا في توزيع فرص العمل. فكلما ابتعد السكن عن مواقع الرزق، ازدادت أهمية النقل الموثوق والميسور. وقد تتحول كلفة الرحلة إلى عامل حاسم في قبول وظيفة أو تركها، خصوصًا عندما يكون الأجر محدودًا. ومن هنا يصبح تقريب السكن والعمل والخدمات وسيلة لتوسيع الفرص الاقتصادية، وتخفيف العبء عن موازنة الأسرة في الوقت نفسه.
ثمن الظل
يضيف الصيف العراقي طبقة أخرى إلى معنى الوصول. فالطريق القصير المكشوف للشمس قد يصبح مرهقًا لطفل أو مسن، ومحطة الانتظار غير المظللة تفرض تجربة مختلفة عن محطة توفر الحماية والجلوس. ومن هنا يمكن النظر إلى الظل باعتباره عنصرًا من عناصر الخدمة، يتصل بإمكان استخدام الشارع والمشي فيه وانتظار وسائل النقل.
يشير «تقرير المدن العالمي ٢٠٢٤»، الصادر عن موئل الأمم المتحدة، إلى تراجع متوسط حصة المساحات الخضراء في المناطق الحضرية عالميًا من ١٩٫٥ في المئة عام ١٩٩٠ إلى ١٣٫٩ في المئة عام ٢٠٢٠. ويطرح هذا التراجع سؤالًا عن مكان الخضرة في المدن المتوسعة، وعن توزيعها بين الأحياء ومدى وصول السكان إليها. فحديقة بعيدة تحتاج إلى سيارة وكلفة انتقال تقدم منفعة مختلفة عن مساحة عامة قريبة ومفتوحة.
وتزداد الحاجة إلى هذا النقاش مع توقعات الطلب على التبريد. فتقرير «مراقبة التبريد العالمي ٢٠٢٥»، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يتوقع، ضمن مسار استمرار الأوضاع المعتادة، أن يرتفع الطلب إلى أكثر من ثلاثة أمثاله بحلول ٢٠٥٠. ويضع ذلك تصميم المباني والعزل والتظليل والتهوية ضمن الأدوات التي تؤثر في استهلاك الطاقة، وفي مقدار ما تحتاجه الأسرة للحفاظ على بيئة داخلية محتملة.
وتختلف القدرة على مواجهة الحر باختلاف الدخل والعمر والعمل. فأسرة تملك منزلًا جيد العزل وتجهيزًا مستقرًا للكهرباء تواجه الصيف بموارد تختلف عن أسرة تسكن بناء ضعيف التجهيز. والعامل الذي يؤدي مهمته في شارع مكشوف يتحمل تعرضًا مختلفًا عن العامل داخل مكان مكيّف.
وتقدّر وثيقة منظمة العمل الدولية عن السلامة والصحة المهنية في الظواهر الجوية المتطرفة، الصادرة عام ٢٠٢٦، أن ما لا يقل عن ٢٫٤١ مليار عامل، أي ٧١ في المئة من السكان العاملين، يتعرضون للحرارة المفرطة، مع نحو ٢٢٫٨٥ مليون إصابة مهنية سنويًا مرتبطة بها عالميًا. وتمنح هذه التقديرات أهمية لتوفير الحماية والراحة والمياه وتنظيم أوقات العمل، خصوصًا في المهن التي تُمارس في الفضاءات المكشوفة.
ويستحق الأطفال موقعًا واضحًا في تخطيط الاستجابة. فقد أظهر تحليل لليونيسف نُشر في آب ٢٠٢٤ أن ٤٦٦ مليون طفل يعيشون في مناطق تشهد ضعف عدد الأيام شديدة الحرارة على الأقل مقارنة بستينيات القرن الماضي، باعتماد تجاوز ٣٥ درجة مئوية تعريفًا لهذه الأيام. وفي العراق، يذكر تقرير اليونيسف السنوي لعام ٢٠٢٥ أن ٩٩ في المئة من الأطفال معرضون للحرارة الشديدة؛ وهو مؤشر تعرض للمخاطر، وليس نسبة إصابات مرضية.
تمنح هذه البيانات تفاصيل مثل مظلة المدرسة، وساحة اللعب، ومياه الشرب، وموعد النشاط الخارجي، قيمة تتجاوز شكل المكان. ويصبح السؤال عن صلاحية الحي للأطفال جزءًا من تقييم السكن نفسه، لأن المنزل يقع ضمن مجال يومي يستخدمه الطفل للوصول والتعلم واللعب، وتؤثر ظروفه في ما تستطيع الأسرة إتاحته له.
وتحتاج استعادة الظل إلى تخطيط يضمن استمراره. فاختيار الأشجار، ومواقع زراعتها، وحاجتها إلى الماء، وحماية جذورها، وصيانة الأرصفة المحيطة بها، تحدد قدرة التشجير على أداء وظيفته. كما يمكن للمظلات وتصميم الواجهات ومواقف النقل أن تسهم في تحسين الاستخدام اليومي للأماكن، وتوسيع المساحة التي يستطيع السكان التحرك فيها خلال الحر.
فواتير بلا إيصال
يشمل المجال المحيط بالمنزل الهواء الذي يتنفسه السكان. ففي صحيفة «الصحة الحضرية» المنشورة في آذار ٢٠٢٥، تقدّر منظمة الصحة العالمية أن ٩١ في المئة من سكان المناطق الحضرية يتنفسون هواءً ملوثًا، وتربط سوء تصميم النقل بتلوث الهواء والضوضاء والإصابات والعوائق أمام النشاط البدني الآمن.
وفي صحيفة أخرى عن تلوث الهواء الخارجي، حُدّثت في تشرين الأول ٢٠٢٤، تقدّر المنظمة أن هذا التلوث تسبب في ٤٫٢ ملايين وفاة مبكرة عالميًا عام ٢٠١٩، ووقعت ٨٩ في المئة منها في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. ويكشف الفصل بين سنة التقدير وسنة النشر ضرورة التعامل الدقيق مع الأرقام، مع بقاء دلالتها واضحة بشأن حجم العبء المرتبط بنوعية البيئة التي يعيش فيها الناس.
وتوضح هذه العلاقة أن اختيار وسائل النقل والطاقة وإدارة النفايات يحمل آثارًا صحية تتوزع على السكان. ومع تراكم الأضرار، قد تظهر تكاليف في العلاج والغياب عن العمل والرعاية داخل الأسرة. ولهذا فإن تقييم الخدمة العامة يحتاج إلى احتساب ما تمنعه من أعباء، إلى جانب ما تقدمه مباشرة.
تقدم النفايات مثالًا رقميًا على هذا الاتساع في الكلفة. فوفق تقرير «توقعات إدارة النفايات العالمية ٢٠٢٤»، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة بالشراكة مع الرابطة الدولية للنفايات الصلبة، بلغت الكلفة المباشرة لإدارتها عالميًا نحو ٢٥٢ مليار دولار عام ٢٠٢٠، وترتفع إلى ٣٦١ مليار دولار عند إدخال التكاليف المرتبطة بالتلوث والصحة والمناخ. ويكشف الفرق حجم ما قد يبقى خارج الحساب المالي المباشر للمرفق الخدمي، بينما تتحمله المجتمعات والبيئة.
وفي العراق، تُظهر مؤشرات هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية لعام ٢٠٢٥ أن نسبة السكان المخدومين بجمع النفايات في الحضر بلغت ٩٣٫٥ في المئة ضمن نطاق البيانات الذي يستثني إقليم كردستان، وأن كمية النفايات الاعتيادية المرفوعة بلغت ١٣٫٦ مليون طن سنويًا. ويوفر هذا مؤشرًا على اتساع الجمع، فيما تبقى طرق المعالجة والتخلص ومواقع الطمر وانتظام الخدمة داخل الأحياء مسائل تحتاج إلى قياس مستقل.
تبدأ الخدمة بجمع النفايات، وتمتد مسؤوليتها إلى المسار الذي تسلكه بعد ذلك. فسلامة النقل والمعالجة والتخلص تؤثر في مناطق أخرى وسكان آخرين، وقد تنتقل الأعباء من حي إلى محيطه إذا غابت الإدارة المتكاملة. ويحتاج تقييم الأداء إلى متابعة هذه السلسلة، كي يكون تحسن المشهد في شارع معين جزءًا من تحسن بيئي أوسع.
وتتصل هذه المسألة بعدالة توزيع الخدمات. فالحي الذي يحصل على جمع منتظم وتنظيف وصيانة يتيح لسكانه ظروفًا تختلف عن حي تتكرر فيه الانقطاعات والتراكمات. ومع أن المتوسط العام يساعد في معرفة الاتجاه، فإن الكشف عن الفجوات داخل المدينة يحتاج إلى بيانات أكثر تفصيلًا، تُظهر أين تستقر المشكلات، وكم تستمر، ومن يتحملها.
أحياء تحت الضغط
تواجه الأحياء ضغوطًا إضافية حين تستقبل أسرًا نزحت بحثًا عن الأمان أو الرزق أو الماء. فقد رصد تقرير المنظمة الدولية للهجرة عن النزوح المرتبط بالمناخ في وسط العراق وجنوبه، الصادر عن أيلول ٢٠٢٥، استمرار نزوح ٣١ ألفًا وأسرة واحدة، تضم ١٨٦ ألفًا وستة أفراد، بسبب عوامل مناخية عبر اثنتي عشرة محافظة.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع النازحين اتجهوا إلى المدن، لكنها تبيّن حجم حركة سكانية تستدعي معرفة وجهاتها واحتياجات مناطق استقبالها. فزيادة عدد الأسر في منطقة معينة تتطلب متابعة قدرة المدارس والمراكز الصحية وشبكات الماء والسكن والنقل على الاستجابة، مع توفير فرص تساعد الوافدين والسكان المقيمين على الاستقرار.
وفي الموصل، أظهر تقرير لموئل الأمم المتحدة نُشر في كانون الثاني ٢٠٢٥ بعنوان «كيف يدفع الإسكان التعافي في الموصل؟» كيف يمكن أن يرتبط السكن بالتعافي والعمل، من خلال قصة عودة أسرة وإسهام أحد أفرادها في إعادة البناء. وأورد التقرير أن محافظة نينوى كانت تستضيف نحو ٢٤٠ ألف نازح من أصل نحو ١٫١ مليون نازح داخل العراق وقت إعداد المادة.
تكشف هذه التجربة أهمية الجمع بين تأمين البيت واستعادة القدرة على كسب الرزق والاندماج في حياة المدينة. فالسكن المستقر يمنح الأسرة نقطة بداية، وتساعد فرص العمل والخدمات والروابط الاجتماعية على تثبيت هذه البداية وتحويلها إلى حياة قابلة للاستمرار.
وعلى المستوى العالمي، يقدّر تقرير أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام ٢٠٢٦ عدد سكان الأحياء الفقيرة بنحو ١٫١٦ مليار نسمة في ٢٠٢٤، بما يعادل ٢٤٫٨ في المئة من سكان الحضر. ويعطي هذا الحجم معنى عمليًا لتجديد الأحياء القائمة، وتحسين خدماتها، وتوسيع الوصول إلى السكن المناسب. كما يضع حقوق السكان وقدرتهم على البقاء والاستفادة من التحسين ضمن صلب أي سياسة للتجديد.
ويثير تجديد الأحياء سؤالًا حساسًا عن الجهة التي تحصل على ثماره. فتحسين الشوارع والخدمات قد يرفع جاذبية المنطقة وأسعارها، وهو ما يستدعي الانتباه إلى قدرة الأسر المستأجرة ومحدودة الدخل على البقاء فيها. وتحتاج سياسات التطوير إلى أدوات تحمي الاستقرار السكني وتتيح للسكان المشاركة في تحديد الأولويات، حتى تصل منافع التحسين إلى من عاشوا طويلًا مع النقص.
وتزداد أهمية المشاركة حين تتعارض أولويات التصميم مع احتياجات الاستخدام اليومي. فقد ترى الأسرة أن طريقًا آمنًا إلى المدرسة أولى من إضافة تجميلية، ويحتاج كبار السن إلى مقاعد ومسارات ميسرة، ويهتم أصحاب الأعمال الصغيرة باستمرار الوصول إلى محالهم خلال التنفيذ. وتساعد معرفة هذه التفاصيل على توجيه الموارد نحو ما يُحدث فرقًا مباشرًا في حياة الحي.
مدينة تردّ الوقت
تحتاج المدينة إلى معرفة أدق بما تفرضه على أهلها من نفقات. ويمكن للمسوحات المحلية أن تجمع بصورة دورية كلفة السكن والنقل والطاقة والمياه، وزمن الوصول إلى الخدمات، مع توزيع النتائج بحسب الأحياء والدخل وحجم الأسرة. وتساعد هذه المعلومات على توجيه الاستثمار إلى المواضع التي يخفف فيها أكبر عبء يومي، وعلى إظهار الفروق التي تخفيها المتوسطات العامة.
ويمكن للإعلام أن يقترب من المسألة عبر تتبع موازنات أسر متطوعة، وتوثيق رحلاتها المعتادة، ومقارنة الخدمات المتاحة في أحيائها. يحتاج هذا العمل إلى فواتير وتوقيتات وملاحظات ميدانية ومقابلات مع الجهات المعنية، مع توضيح حدود العينة. ومن خلاله يمكن تحويل الحديث الواسع عن تحسين الخدمات إلى أسئلة قابلة للفحص: كم وفرت الأسرة؟ كم دقيقة استعادت؟ وما المصروف الذي استغنت عنه؟
وتستطيع المؤسسات بدورها إعلان مؤشرات يفهمها السكان بسهولة: انتظام الماء، وساعات تجهيز الكهرباء، وتواتر النقل، وزمن الاستجابة للأعطال، وقرب المرافق الأساسية، واستمرارية الأرصفة ومسارات العبور. وعندما تقترن هذه المؤشرات ببيانات الإنفاق والإنجاز، يصبح تقييم المشروعات أقرب إلى الحياة التي أُنشئت لخدمتها.
ويتيح ذلك تغيير طريقة ترتيب الأولويات. فإصلاح خلل متكرر في شبكة، أو توفير خط نقل منتظم، أو استكمال رصيف يصل مدرسة بحي سكني، قد يخفف عبئًا يوميًا عن عدد كبير من الأسر. ويظهر أثر هذه التدخلات في انتظام الحياة وسهولة الحركة وتراجع الحاجة إلى البدائل، وهي نتائج يمكن متابعتها وقياسها.
كما تحتاج المشروعات الجديدة إلى النظر في كلفة تشغيلها وصيانتها منذ التخطيط. فاستمرار الخدمة يتطلب موارد وكفاءات وإدارة ومراقبة، ويؤثر إهمال هذه المتطلبات في قدرة المرفق على أداء وظيفته بعد افتتاحه. وتمنح الصيانة المنتظمة الاستثمار عمرًا أطول، وتحمي السكان من العودة إلى نفقات التعويض والانتظار.
يحمل اليوم العالمي للمدن فرصة لوضع هذه الحياة في مقدمة النقاش. فالسكن اللائق يحتاج إلى بيت يمكن تحمل ثمنه، وإلى محيط يجعل الاستقرار فيه ممكنًا. وتكتسب المدينة قيمتها اليومية من قدرتها على تقليل المسافات المرهقة، وتوفير الخدمات بانتظام، وحماية مستخدمي شوارعها، وإتاحة فضاء يستطيع الطفل والمسن والعامل استخدامه بأمان.
وفي نهاية الشهر، يمكن قراءة جانب من نجاحها في دفتر مصروفات أسرة: مبلغ بقي للتعليم، ونفقة تراجعت لأن الماء وصل، واشتراك استُغني عنه لأن الكهرباء استقرت، وأجرة نقل انخفضت لأن الخدمة اقتربت. ويمكن قراءة جانب آخر على ساعة العودة إلى البيت؛ حيث تستعيد الأسرة وقتًا كان يذهب إلى الطريق، وتجد متسعًا لحياة كانت تؤجلها كل يوم.



اضف تعليق