تملّك العقار السكني لغير العراقيين

وأثره في التوازن الديمغرافي، والحماية الدستورية للعراقي في حق السكن

يناقش المقال قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قرار سابق قيّد تملك غير العراقيين للعقارات، ويبحث انعكاساته المحتملة على حق المواطنين في السكن وأسعار العقارات والتوازن الديمغرافي. ويعرض الكاتب موقفه من الحماية الدستورية للملكية والاستثمار، مستشهداً بالتجربة الإماراتية والتاريخ الفلسطيني، ومحذراً من اتساع المنافسة على السكن والتحولات السكانية...

أعلنت المحكمة الاتحادية العليا الموقرة، وعبر موقعها الإلكتروني الرسمي، عن إصدار قرارها في الدعوى ذات العدد 231/اتحادية/2026، الذي قضت فيه بعدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 23 لسنة 1994. وجاء في البيان الصادر بأن المحكمة الاتحادية العليا، وفي يوم الثلاثاء الموافق (27/10/2026)، قضت بعدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة (المنحل) أعلاه، المتضمن إيقاف العمل بالقوانين والقرارات التي توقف تملّك غير العراقي واستثمار أمواله في الشركات داخل العراق، بناءً على دعوى أقامها رئيس مجلس الوزراء، إضافةً لوظيفته، على رئيس مجلس النواب، إضافةً لوظيفته.

 وإن الدعوى انصبّت على طلب الحكم بعدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (23) لسنة 1994. ويُذكر بأن القرار المطعون فيه تضمن إيقاف العمل بموجب القوانين والقرارات التي تجيز تملّك غير العراقي واستثمار أمواله في الشركات داخل العراق، وكل ما من شأنه التملّك أو الاستثمار في أي وجه كان، واستند الحكم الصادر بعدم دستورية القرار المطعون فيه إلى مخالفته أحكام المواد (23/ثالثاً/أ) و(25) و(26) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، وعلى وفق ما ورد في بيان المحكمة الاتحادية العليا.

وحيث إن الحكم بعدم الدستورية يؤدي إلى تعطيل أحكام التشريع وسلب قوته التنفيذية، فإن القرار 23 لسنة 1994 قد تضمن حكماً يمنع تملّك الأجنبي للعقار في العراق بالمطلق، وعلى وفق نص الفقرة (1) من القرار أعلاه التي جاء فيها: «يوقف العمل بالقوانين والقرارات التي تجيز تملك غير العراقي العقار او استثمار امواله في الشركات داخل العراق وكل ما من شانه التملك او الاستثمار في اي وجه كان». لذلك فإن التعليق على ما ورد في بيان المحكمة الاتحادية العليا لا يكون من ناحية نفاذ الحكم الصادر؛ لأنه ملزم للسلطات كافة، وواجب الاحترام والتنفيذ استناداً لأحكام المادة (94) من الدستور.

لكن لا بد من مناقشة واستشراف الآثار التي تنتج عن تعطيل العمل بالقرار ذي العدد 23 لسنة 1994، وهل في التعطيل تأثير على الحقوق الدستورية للمواطن العراقي؟ وهل له انعكاسات مستقبلية على الاستقرار المجتمعي والتغيير السكاني في العراق؟ لذلك سأعرض الموضوع على وفق الآتي:

أولاً: هل أثّر الحكم بعدم الدستورية على حق العراقي الدستوري في توفير السكن؟

إن المادة (30/أولاً) من الدستور أكدت على أن للمواطن الحق في توفير السكن الملائم والعيش بكرامة، وألزمت الدولة بذلك، وأصبح من أهم واجباتها الدستورية، وعلى وفق النص الآتي: «تكفل الدولة للفرد وللأسرة، وبخاصة الطفل والمرأة، الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الاساسية للعيش في حياة كريمة، تؤمّن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم». لذلك فإن الحكم بعدم دستورية التشريع أعلاه سوف لن يقتصر أثره على تمكين المستثمر الأجنبي من تملّك العقارات لأغراض استثمارية محددة؛ لأن قانون الاستثمار عالج هذه الحالة أصلاً على سبيل الاستثناء وفي نطاق ضيق، وعلى وفق أحكام المادة (10/ثانياً/أ) من قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 التي جاء فيها: «يجوز تمليك المستثمر العراقي او الأجنبي الأراضي المخصصة للمشاريع السكنية و العائدة للدولة و القطاع العام، و للمستثمر العراقي او الأجنبي شراء الأرض العائدة للقطاع الخاص او المختلط لإقامة مشاريع الإسكان حصرا شريطة عدم تعارضها مع استعمالات التصميم الأساسي».

وإنما تعطيل هذا التشريع سيفتح الباب أمام تملّك غير العراقيين للشقق والدور السكنية والعقارات المعدة للسكن بصورة عامة، وسيؤدي حتماً إلى دخول منافس جديد إلى السوق العقارية في العراق، التي تعاني أصلاً من اختلالات هيكلية وارتفاع في الأسعار ونقص كبير في المعروض السكني والوحدات السكنية، وهذا ما أعلن عنه مجلس الوزراء في أكثر من مبادرة لسد هذا النقص.

أما المستثمر الأجنبي، فإن القانون النافذ رقم 13 لسنة 2006 وفّر كامل الحماية له وفتح له الباب في التملّك، وجاء في الأسباب الموجبة للقانون بأن السماح للمستثمر الأجنبي بالدخول إلى السوق العراقية من أجل تحقيق التنمية للعراقي، بمعنى أنه وسيلة لتحقيق كامل المنافع له بموجب الحقوق الدستورية، حيث جاء في الأسباب الموجبة لقانون الاستثمار الآتي: «من اجل دفع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتطويرها وجلب الخبرات التقنية والعملية وتنمية الموارد البشرية».

ثانياً: هل القرار 23 لسنة 1994 يشكّل مخالفة للمبادئ الدستورية في الدستور النافذ؟

إن القرار 23 لسنة 1994 لم يكن يمثل قيداً على الحقوق الدستورية للتملّك والسكن للعراقيين، بل كان يوفر الوسيلة لحمايتها؛ لأن نص المادة (30/أولاً) قد أكد على الدولة بأن تكفل للفرد وللأسرة مقومات العيش الكريم وتعمل على توفير السكن الملائم، وهو تقرير لالتزام الدولة نحو المواطن العراقي وأسرته.

ومن ثم فإن أية سياسة تشريعية تؤدي إلى زيادة المنافسة على الوحدات السكنية المحدودة أصلاً من قبل غير العراقيين قد تنعكس سلباً على قدرة المواطن على الحصول على سكن ملائم، وهو الحق الذي ألزم الدستور الدولة بالسعي إلى تحقيقه.

وحيث إن العراق حالياً يعاني من أزمة سكن واضحة، فإن الأولوية الدستورية والمنطقية ينبغي أن تتجه نحو توسيع نطاق تمكين العراقي من الحصول على السكن، وليس من خلال فتح سوق العقار السكني أمام فئات جديدة من غير المواطنين، بما قد يؤدي إلى زيادة الطلب وارتفاع الأسعار وتقليص فرص التملّك أمام العراقيين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود والمتوسط.

فضلاً عن ذلك، فإن المواد (23/أولاً) و(25) و(26) من الدستور لا يمكن تفسيرها بمعزل عن الهدف الذي وُضعت من أجله، فهي لم تُشرّع لحماية المصالح الاقتصادية للأجانب، وإنما لحماية الملكية الخاصة والاقتصاد الوطني والاستثمار الذي يخدم التنمية في العراق، وما ورد فيها يتعلق بالمواطن العراقي وليس الأجنبي إطلاقاً. وما يُستدل به على ذلك ما جاء في ديباجة الدستور التي تُعد جزءاً منه، فإنها تضمنت الخطاب بالتعبير عن إرادة العراقيين فقط، وأن الدستور لهم وليس لغيرهم، حيث وردت عبارة «نحن شعب العراق». والمواد الدستورية أعلاه، المادة (23/أولاً) من الدستور، جاء فيها حماية الملكية الخاصة للمواطنين وتنظيمها بقانون، أما المادة (25) من الدستور فإنها تستهدف إصلاح الاقتصاد العراقي بما يحقق أقصى منفعة للشعب العراقي، والمادة (26) من الدستور توجب تشجيع الاستثمار بما ينسجم مع المصلحة العامة التي يحددها المشرع الوطني. وفعلاً أصدر المشرع العراقي قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006، ومنح المستثمر الأجنبي الحقوق والامتيازات بما يحقق له الربح، وللعراقي الحصول على التنمية وتوفير السكن الملائم والمناسب.

لذلك لا أرى في هذه المواد ما يفرض على الدولة التزاماً دستورياً بفتح باب الملكية العقارية السكنية لغير العراقيين، بل على العكس من ذلك، إن المشرع يجب أن يقرر حماية السوق العقارية الوطنية وتحقيق الأمن السكني للعراقيين، مما يقتضي قصر الملكية العقارية السكنية على العراقي فقط دون غيره. كذلك لا يوجد تعارض بينه وبين قانون الاستثمار؛ لأن الخاص يقيّد العام.

ثالثاً: هل يتأثر البعد الديمغرافي والسيادي ويؤثر على الاستقرار المجتمعي والتغيير السكاني في العراق؟

من خلال العرض أعلاه، تظهر لنا مسألة أخرى لا تقل أهمية عن البعد الاقتصادي، وهي البعد الديمغرافي والسيادي، وأثره على توفير الأمن المجتمعي والسكاني؛ لأن الإبقاء على القيود المفروضة على تملّك غير العراقيين للعقار يُعدّ من الأدوات القانونية التي تحافظ على التركيبة السكانية للدولة وتمنع حدوث تغيّرات ديمغرافية واسعة النطاق نتيجة انتقال الملكية العقارية إلى أعداد كبيرة من غير العراقيين.

ومن الناحية القانونية والسياسية، فإن فتح باب التملّك السكني لغير العراقيين على نطاق واسع قد يثير مخاوف تتعلق بإمكانية استخدام القدرة المالية الخارجية للتأثير في حركة التملّك العقاري داخل البلاد، ولهذا السبب تتبنى دول عديدة في العالم قيوداً متفاوتة على تملّك الأجانب للأراضي والعقارات، ولا يُعدّ ذلك خروجاً على المبادئ الدستورية أو الاقتصادية، بل تعبيراً عن حق الدولة في حماية مصالحها العليا وتنظيم ملكية العقار داخل إقليمها.

وتُعدّ الإمارات من الدول القريبة من العراق، التي فيها انفتاح نحو تمكين الأجنبي من التملّك فيها، وتبنّيها سياسة اقتصادية منفتحة واستقطابها الواسع للاستثمارات الأجنبية، إلا أنها لم تجعل تملّك الأجنبي للعقار حقاً مطلقاً في جميع أراضي الدولة، بل قيّدته بمناطق وضوابط وتنظيمات خاصة تراعي المصلحة الوطنية ومتطلبات التخطيط والسياسات السكانية والعقارية.

لذلك فإن النقاش لا يتعلق بحرمان الأجنبي من حق دستوري مقرر له؛ لأن الدستور لم يمنحه هذا الحق أصلاً، وإنما يتعلق بحق العراق في تنظيم الملكية العقارية بما يحقق حماية مواطنيه ويحافظ على استقراره الاجتماعي والاقتصادي والديمغرافي. ولا بد من حماية الثروة العقارية الوطنية باعتبار الأرض مورداً استراتيجياً يرتبط بالسيادة والإقليم والمصلحة العامة.

ومن التجارب التي ما زال أثرها واضحاً ما حصل في فلسطين المحتلة، وفي أواخر العهد العثماني ثم في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، شهدت فلسطين موجات هجرة يهودية متعاقبة رافقها شراء أراضٍ وعقارات من ملاك فلسطينيين، وأحياناً من ملاك كبار كانوا يقيمون خارج فلسطين، وقد قامت مؤسسات استيطانية وصناديق مالية صهيونية بتمويل عمليات شراء الأراضي بصورة منظمة بهدف إنشاء تجمعات سكانية يهودية دائمة، مما أدى تراكم عمليات الهجرة والاستيطان وشراء الأراضي عبر عقود إلى زيادة نسبة السكان اليهود مقارنة بما كانت عليه في أواخر القرن التاسع عشر، الأمر الذي انعكس على التركيبة السكانية وواقع الملكية العقارية في فلسطين.

لذلك فإن التاريخ المعاصر يقدم نماذج متعددة أفرزت فيها حركة انتقال ملكية الأراضي والعقارات إلى غير السكان الأصليين آثاراً ديمغرافية وسياسية بعيدة المدى، الأمر الذي دفع كثيراً من الدول إلى اعتبار تنظيم تملّك الأجانب للعقار جزءاً من سياساتها السيادية المرتبطة بحماية التوازن السكاني والأمن المجتمعي، فضلاً عن حماية حق مواطنيها في السكن والملكية العقارية. ومن ثم فإن القيود التي تفرضها التشريعات على تملّك غير المواطنين للعقارات لا يُنظر إليها دائماً بوصفها قيوداً اقتصادية، بل بوصفها وسائل قانونية لحماية المصالح الوطنية العليا والمحافظة على الاستقرار السكاني والاجتماعي للدولة.

وما يُخشى منه دخول أقوام من جنسيات دول لها مطامع في العراق، تؤثر في ديمغرافية المدن، والتخوف الأكبر من أن يكون ذلك مدخلاً لتوطين بعض المبعدين من بلدانهم لأسباب سياسية وخطط صهيونية وتكفيرية وغيرها، والأحداث التي تمر بها المنطقة خير شاهد على ذلك، وما مشروع ترامب في غزة إلا سبب وافٍ وكافٍ للتخوف والحذر، والمشروع يُبنى أساساً على تهجير أهالي غزة وتوطينهم خارجها، وقد يفتح الباب لهم في العراق لتنفيذ سياسة الصهاينة من أمثال ترامب ونتنياهو وغيرهم.

ونخلص مما تقدم إلى أن قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (23) لسنة 1994 كان منسجماً مع فلسفة الدستور التي جعلت من العراقي محور الحماية الدستورية والاقتصادية والاجتماعية، وحماية فرص العراقيين في الحصول على السكن، بما يعزز تنفيذ الالتزام الدستوري الوارد في المادة (30/أولاً) من الدستور بشأن توفير العيش الكريم والسكن الملائم للمواطن، ويحافظ على استقرار السوق العقارية والاعتبارات الديمغرافية والسيادية للدولة. ويجوز أن نوصف القرار المطعون فيه بأنه أحد التشريعات الحمائية التي شُرّعت أساساً لصيانة المصلحة الوطنية وحماية المواطن العراقي، ولا يمكن اعتباره قيداً على حقوقه أو مخالفة لمبادئ الدستور.

* قاضٍ متقاعد

اضف تعليق