عندما يتسنم وزير جديد مهامه، تتجه الأنظار إلى قراراته الأولى والتغييرات الإدارية التي يجريها بوصفها مؤشراً على الإرادة الإصلاحية. غير أن القيمة الحقيقية للقرارات لا تُقاس بكثرتها أو سرعة صدورها، بل بمدى استنادها إلى حاجة فعلية تتجاوز المشهد الإعلامي إلى معالجة جذرية للمشكلات...

عندما يتسنم وزير جديد مسؤولية إحدى الوزارات، تتجه الأنظار إلى قراراته الأولى، وما يصدره من توجيهات، وما يجريه من تغييرات في المواقع الإدارية، وغالبا ما تُقدم هذه الخطوات بوصفها مؤشرا على بداية مرحلة جديدة، ودليلاً على وجود إرادة للتغيير والإصلاح.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تعكس هذه القرارات حاجة حقيقية إلى تطوير العمل، أم أنها مجرد إجراءات شكلية تهدف إلى إثبات الحضور وإظهار الاختلاف عن الإدارة السابقة؟

لا شك أن وصول مسؤول جديد يمثل فرصة لمراجعة الأداء وتشخيص مكامن الخلل ومعالجة المشكلات المتراكمة، فالوزير مسؤول عن تطوير مؤسسته وتحسين خدماتها ورفع كفاءة العاملين فيها، ومن الطبيعي أن يبدأ بمراجعة أساليب العمل وتقييم النتائج السابقة.

غير أن قيمة هذه الخطوات لا تُقاس بسرعة صدورها أو كثرتها، وإنما بمدى استنادها إلى دراسة واقعية وحاجة فعلية، وبقدرتها على إحداث تغيير ملموس.

وتكمن المشكلة عندما تتحول القرارات الأولى إلى وسيلة لإظهار النشاط أكثر من كونها أدوات لمعالجة المشكلات، فقد نشهد تغييرات في المناصب الإدارية، وتشكيل لجان جديدة، وعقد اجتماعات متكررة، وإصدار توجيهات بشأن تطوير الأداء ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات، من دون أن ينعكس ذلك على واقع العمل، وفي مثل هذه الحالات، تصبح القرارات جزءا من المشهد الإعلامي، فيما تبقى المشكلات الأساسية قائمة.

كما أن تغيير المسؤولين لا يعني بالضرورة إصلاح المؤسسة؛ فقد يتغير المدير ويبقى الروتين، وتتبدل الأسماء وتستمر الإجراءات المعقدة، ويأتي فريق جديد ليواجه التحديات ذاتها التي أخفقت الإدارة السابقة في معالجتها، لذلك فإن التغيير الحقيقي لا يتعلق بالأشخاص وحدهم، وإنما يشمل تطوير الأنظمة والإجراءات وتعزيز الرقابة، وتكريس الكفاءة والنزاهة، ووضع معايير واضحة للمحاسبة.

وفي المقابل، ليس من الإنصاف اعتبار كل قرار يصدر في بداية المسؤولية إجراء شكليا، فبعض القرارات تكون ضرورية وعاجلة، وقد تمثل خطوة أولى في معالجة اختلالات مزمنة، غير أن الحكم على جدية الوزير يحتاج إلى وقت، وإلى متابعة ما إذا كانت قراراته قد تحولت إلى خطط قابلة للتنفيذ وأهداف واضحة، ونتائج يمكن قياسها.

المواطن لا يقيس نجاح الوزير بعدد الاجتماعات التي يعقدها، أو المسؤولين الذين يغيرهم، أو التصريحات التي يطلقها، وإنما بما يلمسه من تحسن في الخدمات، واختصار للوقت والجهد، وتراجع للروتين، وتعامل أكثر شفافية وعدالة مع المراجعين. وهذه النتائج هي التي تمنح القرارات قيمتها الحقيقية، وتثبت أن التغيير تجاوز حدود الإعلان إلى واقع ملموس.

ومن الضروري أيضا أن يدرك الوزير الجديد أن الإصلاح لا يعني إلغاء كل ما أنجزته الإدارة السابقة، فقد تكون هناك برامج ناجحة تستحق الاستمرار والتطوير، فالوزارة مؤسسة عامة لا ترتبط بشخص المسؤول، واستمرارية العمل الناجح تمثل علامة على نضج الإدارة، لا انتقاصا من دور القيادة الجديدة.

الإدارة الجادة تبدأ بتشخيص المشكلات قبل إصدار الأحكام، وتضع الأولويات قبل توسيع دائرة التغييرات، وتتابع التنفيذ بدلا من الاكتفاء بالتوجيهات، كما أنها تعترف بالعقبات وتعمل على تجاوزها، ولا تعلن النجاح قبل ظهور نتائجه، أما القرارات التي لا تتبعها متابعة أو محاسبة، فإنها تفقد أثرها تدريجيا، وتتحول إلى تعليمات تتكرر من دون أن تغير شيئا في واقع المؤسسة.

اضف تعليق