يتناول المقال أهمية التوافق بين القول والفعل في بناء الشخصية الناجحة وتحقيق الإصلاح الاجتماعي، موضحًا أن قيمة التعلم تتجسد في تغيير السلوك وتزكية النفس قبل توجيه الآخرين. ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث عن أمير المؤمنين وأهل البيت لتأكيد خطورة النفاق وازدواجية الشخصية، وأهمية القدوة العملية في التربية الأسرية والمجتمعية...

﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾

النَّاجحُ هو الذي يقرأُ ويتعلَّمُ ويدرسُ ويبحثُ ويُثقِّفُ نفسَه ليكونَ شخصًا أفضلَ مختلفًا، من خلال إحداثِ تغييرٍ في شخصيَّته بمهاراتٍ أحسنَ، ووعيٍ متقدِّمٍ، وسلوكيَّاتٍ متميِّزةٍ، ورضًا عن النَّفس أعمقَ، وقدرةٍ أكبرَ وأوسعَ على الإنجاز وتحقيق النَّجاحات، ولتحسينِ فهمه وتطويرِ طريقة تحليله واستيعابه للأمور، وقدراته على مواجهة التحدِّيات.

أمَّا الفاشلُ فهو الذي يتعلَّم ويحفظ ليستعرضَ عضلاته [الفكريَّة]، ويجادلُ في المجالس، أو ليُقوِّمَ سلوكَ الآخرين ويعظهم ويراقبهم ويحاسبهم، وربَّما يوبِّخهم، وكأنَّه مسؤولٌ عن غيره قبل نفسه وسلوكها! ولذلك فالتعلُّمُ في المجتمع الفاشل لا يصنع نماذجَ وقدواتٍ ورموزًا يُقتدى بها، وإنَّما يصنع معلِّمين ومراقبين وخطباءَ ومتحدِّثين تتناقضُ سلوكيَّاتهم مع أقوالهم، وأفعالهم مع خطاباتهم.

لذلك فالنَّاجحُ تظهرُ عليه علاماتُ الإضافات الفكريَّة والثقافيَّة كلَّ يومٍ، إمَّا بسلوكٍ حسنٍ جديدٍ، أو التزامٍ بأخلاقيَّاتٍ كان يغفل عنها، أو بنموذجٍ آخر لم يكن المجتمع يراه فيه.

أمَّا الفاشلُ فلا ترى في شخصيَّته أيَّ تغييرٍ مهما تعلَّم ودرس وبحث؛ لأنَّه بالأساس لم يفعل ذلك ليتغيَّر شيءٌ في سلوكه، أو ليُحسِّنَ من أدائه.

في هذه اللَّحظة الفارقة تحديدًا تبدأُ ظاهرةُ ازدواج الشخصيَّة وبذرةُ مرض النِّفاق بالنموِّ، وهو واحدٌ من أشدِّ أنواع الأمراض الاجتماعيَّة التي يُبتلى بها مجتمعٌ من المجتمعات. ولذلك هاجمها القرآن الكريم بقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.

فالتَّناقضُ بين القول والفعل، أو بين الكلام والسُّلوك، يعتبره القرآن الكريم مقتًا، وهو البُغضُ الشَّديدُ للشَّيء، ليس بموازين الإنسان الاجتماعيَّة، وإنَّما عند الله تعالى، ولك أن تتخيَّل عِظَمَ المقت في عقلك.

يقول أمير المؤمنين (ع) في التفاتةٍ عظيمةٍ يُميِّز فيها بين النَّاجح الذي يتعلَّم ليُقوِّمَ نفسه، والفاشل الذي يتعلَّم لتقويم غيره، بقوله: «فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الأَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ»، وقوله (ع): «أَيُّهَا النَّاسُ، تَوَلَّوْا مِنْ أَنْفُسِكُمْ تَأْدِيبَهَا، وَاعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضَرَاوَةِ عَادَاتِهَا».

ولقد رسم أمير المؤمنين (ع) قاعدةَ التَّغيير الذَّاتي بقوله: «مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ».

لماذا؟!

- إنَّ القدرةَ على تزكية النَّفس وتقويمها تمنحُ صاحبها الثِّقةَ في ممارسة تعليم الآخرين وتزكيتهم وتربيتهم، فالقادرُ على تقويم ذاته معلِّمٌ واثقٌ من نفسه عندما يباشرُ عمليَّة تقويم الآخرين، أمَّا الفاشلُ مع ذاته فلا يتمتَّع بالثِّقة التي تؤهِّله لممارسة عمليَّة تربية الآخرين.

- إنَّ تأديبَ النَّفس وتعليمها وإصلاحها وتغييرها أصعبُ بكثيرٍ من تغيير الآخرين وإصلاحهم، ولذلك فالذي يقدر على إصلاح نفسه سيقدر على إصلاح الآخرين بسهولةٍ ويُسرٍ، والعكسُ هو الصَّحيح، فالذي يفشل في تزكية ذاته وتقويم سلوكه سيفشل بالتَّأكيد في تزكية غيره.

ولذلك خاطب ربُّ الجلالة رسوله الكريم (ص) بقوله: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وكرَّرها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، ثمَّ أضاف عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ لأنَّ استقامةَ الأتباع نتيجةٌ طبيعيَّةٌ، وربَّما حتميَّةٌ، لاستقامة الذَّات!

الزَّعيمُ الذي لا يستقيمُ، كيف له أن يدعو أتباعه ليستقيموا؟!

ولا نجانبُ الحقيقةَ هنا إذا قلنا بأنَّ تأديب النَّفس، وهي أولويَّةُ كلِّ إنسانٍ بالمطلق، يبدأُ من تجنُّبه ما لا يحبُّه في شخصيَّة الآخرين، فذلك مقياسٌ رائعٌ وسهلٌ في آنٍ؛ لأنَّه مقياسٌ منظورٌ لا نحتاج للكشف عنه!

يقول أمير المؤمنين (ع): «وَكَفَى أَدَبًا لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ»، فإذا حصل ذلك تشخصُ المعادلةُ الرَّائعةُ الأخرى التي وردت في وصيَّته (ع) لولده الحسن السِّبط (ع): «يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانًا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ».

- التَّغييرُ والإصلاحُ في المجتمعات لا يتحقَّقُ بالخطابات والشِّعارات، وإنَّما بالنَّموذج: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، فخطيبٌ واحدٌ نموذجٌ وأُسوةٌ وقُدوةٌ يؤثِّرُ في عمليَّة الإصلاح أكثر من [١٠٠٠] خطيبٍ يقولُ ما لا يفعلُ، ويُناقضُ خطابُه سلوكَه اليومي، فلا يرى النَّاسُ انعكاسًا لكلامه على أفعاله. ولقد عرَّف أمير المؤمنين (ع) معنى الإيمان بقوله: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وَأَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ».

ففضلٌ قليلٌ لحديث الخطيب على عمله وسلوكه يحوِّله إلى آلة تسجيلٍ صمَّاءَ لا تتركُ أثرًا يُذكر في المجتمع.

تُشيرُ أبحاثُ علماء النَّفس والتَّربية إلى حقيقةٍ في غاية الأهميَّة، ألا وهي أنَّ التَّربية بالسُّلوك أفضلُ من التَّربية بالكلام، ليس على مستوى المجتمع فقط، وإنَّما على مستوى الأسرة كذلك، فالأبُ الذي يُربِّي أولاده بسلوكه تكونُ نتائجُ التَّربية أفضلَ بكثيرٍ جدًّا من التَّربية بالكلام؛ لأنَّ الأولاد في الأسرة يُراقبون سلوكيَّات الأبوين أكثرَ من اهتمامهم بكلامهما معهم، حتى إذا لم ينبِّهوهما إلى ذلك أو يعترضوا عليهما!

فمثلًا، لقد حثَّ أهلُ البيت (ع) على تعليم الأطفال الإنفاق في سبيل الله تعالى، ليس بالكلام والتَّحريض الشَّفهي فحسب، وإنَّما بتشجيعهم على الإنفاق برعاية الوالدين، فالتَّمرينُ العمليُّ يُرسِّخُ السُّلوكَ عند الطِّفل أكثر من الحديث والكلام معه! فعن الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (ع): «مُرْ صَبِيَّكَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِيَدِهِ بِالْكِسْرَةِ وَالْقَبْضَةِ وَالشَّيْءِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُرَادُ بِهِ اللَّهُ وَإِنْ قَلَّ بَعْدَ أَنْ تَصْدُقَ النِّيَّةُ فِيهِ عَظِيمٌ».

لا أقولُ إنَّ السَّعيَ لتماثل القول مع السُّلوك أمرٌ سهلٌ أبدًا، وإنَّما هو مجاهدةٌ للنَّفس وتحدٍّ للهوى والرَّغبات ليستقيمَ الأمران، ولقد قال أمير المؤمنين (ع): «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ»، وإلَّا فالنِّفاقُ سيتحكَّم في شخصيَّة المرء شاء أم أبى.

اضف تعليق