السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل إصدار: ما الذي أضافه الإنسان الموقّع عليه؟ تستطيع التقنية أن تمنحنا صفحات أكثر، أما استحقاق صفة الكاتب فيرتبط بما يضعه صاحبها من معرفة وخبرة ومسؤولية. ومن يطالب القارئ بأن يثق باسمه، عليه أن يثبت حضوره في كتابه. فالتوقيع على الغلاف تعهّد بأنّ وراء الكلمات شخصًا يفهمها، ويتحملها...
قد يصل الكاتب إلى حفل توقيع كتابه قبل أن يمرّ بتجربة كتابته. يجلس خلف الطاولة، يبتسم للكاميرا، ويخطّ إهداءً شخصيًا على الصفحة الأولى، فيما تستطيع آلة أن تكون قد تولّت معظم الصفحات التالية. تختصر هذه الصورة المفارقة التي تضعها أدوات الذكاء الاصطناعي أمام الثقافة: سهولة الحصول على كتاب، وصعوبة التأكد من وجود مؤلف يستحق اسمه على الغلاف.
تثير المخاوف من استخدام هذه الأدوات في إنتاج الإصدارات الحديثة سؤالًا يتصل بأمانة التأليف ومكانة الكاتب. وتحتاج النسب المتداولة عن حجم استخدامها إلى توثيق قبل اعتمادها؛ فاتهام المشهد الثقافي بالتزييف مسؤولية ثقيلة أيضًا. غير أنّ غياب الإحصاء الدقيق يترك السؤال الأخلاقي قائمًا: ماذا يبيع الكاتب لقارئه عندما يقدّم نصًا مولّدًا بوصفه حصيلة بحثه وخياله وتجربته؟
يدفع القارئ ثمن الكتاب، ويمنحه ساعات من عمره، ويتيح لأفكاره أن تدخل ذاكرته وتؤثر في أحكامه. ولهذا فإنّ إخفاء المصدر الفعلي للنص يمسّ حقه في معرفة طبيعة ما يقرأ. وحين يستعير المؤلف جهد الآلة ثم ينسبه كاملًا إلى نفسه، فإنه يستولي على التقدير الذي يفترض أن يذهب إلى عمل أنجزه، ويطالب بمكانة ثقافية تتجاوز مقدار مساهمته الحقيقية.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الكاتب في تنظيم المادة ومراجعة اللغة واقتراح أسئلة تستحق البحث. وتبقى قيمة هذه المساعدة مرتبطة بعقل يختبرها، ومعرفة تصححها، وضمير يتحمل نتائج نشرها. أما تفويض بناء الفكرة وكتابة الفصول واستخلاص النتائج إلى الأداة، ثم إضافة اسم بشري إلى المنتج، فيحوّل التأليف إلى واجهة. يصبح الغلاف شهادة خبرة، بينما قد يعجز صاحبه عن الدفاع عن تفاصيل ما ورد بين دفتيه.
وتزداد خطورة المسألة عندما تدخل النصوص المولّدة مجالات التاريخ والفكر والاجتماع، حيث يمكن للمعلومة أن تتحول إلى مرجع، وللتفسير أن يستقر في وعي القارئ باعتباره حقيقة. فكل مصدر لم يُفحص، وكل اقتباس لم يُراجع، وكل استنتاج أُخذ لسلامة عبارته، يحمل احتمال تمرير خطأ إلى كتب لاحقة. وعندما تتداول النصوص أخطاء بعضها، تتسع دائرة الخلل ويصعب الوصول إلى بدايتها.
وثمة خسارة تصيب الكاتب نفسه. فالإنسان يتعلم الكتابة أثناء مواجهته صعوباتها: يكتشف هشاشة رأيه، ويعود إلى مصدر أهمله، ويحذف فقرة أحبها لأنها لا تخدم النص. هذه المشقة تبني قدرته على الحكم. ومن يتجاوزها باستمرار قد يراكم العناوين من دون أن تتراكم لديه خبرة توازيها، ويصبح مع الوقت أكثر اعتمادًا على الأداة التي تمنحه مظهر القدرة وتحجب عنه حاجته إلى تطويرها.
هنا تقع على دور النشر مسؤولية تتجاوز إخراج الكتاب وطرحه للبيع. فالدار التي تطبع اسمها على عمل تمنحه شيئًا من رصيدها، وتشارك في تقديمه إلى الجمهور. ومن واجبها أن تسأل عن مصادره، وأن تناقش صاحبه، وأن تعلن سياسة واضحة بشأن استخدام الأدوات التوليدية. أما الاكتفاء بتحصيل كلفة الطباعة، فيترك القارئ وحيدًا أمام سلعة تحمل هيئة المعرفة وتفتقر إلى ضماناتها.
ويحتاج الإفصاح إلى وضوح يتيح التمييز بين مراجعة لغوية عابرة وتوليد أجزاء أساسية من الكتاب. فعبارة فضفاضة مثل «الاستعانة بالتقنيات الحديثة» قد تستر أكثر مما تكشف. المطلوب بيان مفهوم لطبيعة المساهمة، مع بقاء المسؤولية كاملة على صاحب الاسم المنشور. وكذلك تحتاج لجان الجوائز والمؤسسات الثقافية إلى معايير تحمي قيمة الإنجاز الذي تحتفي به.
وفي المقابل، فإنّ اتهام الكتّاب اعتمادًا على تشابه الأساليب يفتح بابًا آخر للظلم. يستحق كل عمل أن يُفحص في حججه وشواهده وبنائه، وأن يُسأل صاحبه عما قدّمه. النقد الجاد قادر على كشف الفراغ خلف البلاغة، وعلى التمييز بين فكرة تتطور وصفحات تتكاثر. وتلك مهمة تتطلب قراءة يقظة وشجاعة في الحكم، خصوصًا عندما تحيط بالكتاب حملة ترويج واسعة.
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل إصدار: ما الذي أضافه الإنسان الموقّع عليه؟ تستطيع التقنية أن تمنحنا صفحات أكثر، أما استحقاق صفة الكاتب فيرتبط بما يضعه صاحبها من معرفة وخبرة ومسؤولية. ومن يطالب القارئ بأن يثق باسمه، عليه أن يثبت حضوره في كتابه. فالتوقيع على الغلاف تعهّد بأنّ وراء الكلمات شخصًا يفهمها، ويتحملها، وقد بذل من نفسه ما يبرّر نسبتها إليه.



اضف تعليق