أثبتت التجارب أن أولى علائم الهشاشة في أي تنظيم أو تيار ثقافي او فكري في الساحة، خشيته من تفرّق الافراد من حوله، لأنه يعتمد على الأسماء، والطاقات المتوفرة، قبل الاهتمام بالقاعدة الفكرية الرصينة التي يفترض أنها هي التي تخرج أولئك الأسماء، وتنمي الطاقات والمواهب وفق منظومتها الفكرية الخاصة...

لا تمحو من الذاكرة، اللحظات التي وضعوا أمامنا أوراق الانتماء الى "حزب البعث العربي الاشتراكي"، كنا حينها في الصف الأول المتوسط، وفي درس الرسم تحديداً، حيث كان المُدرس ضمن الكادر الحزبي في الثانوية.

السطر الوحيد العالق في الذاكرة في تلك الورقة، ما مضمونه: من يثبت عليه الانتماء الى حزب آخر يعرّض نفسه لعقوبة الإعدام! 

استفهمنا الموضوع من المدرس بلهجة تخفي الاستنكار والقلق، فيما حاول هو التخفيف من حّدة الصدمة بشيء من الطرفة بأن الأمر لا يعنيكم، والمهم هو التوقيع أسفل الورقة فقط!

رغم مرور حوالي ستة وأربعين عاماً على هذه الخاطرة، فإن وجود ذلك النفس الصنمي حتى اليوم يبعث الحياة في هذا الفايروس الأيديولوجي ليتجاوز على ثقافة الناس و على وعيهم وفهمهم للأمور بعد مرور جيلين على تلك الحقبة السوداء، و مرة أخرى يأتي الهاتف بأن "من كان معنا لحظة عليه المضي معنا طوال حياته وإلا..."!! ولعلها من "بركات الديمقراطية" في عراق اليوم، او نفحات الليبرالية المُبشرة بالحرية الفردية، والمتنكرة لكل أشكال الالتزام بقيم او مبادئ.

والمثال الأبرز على هذه الصنمية؛ الضجّة الفيسبوكية الأخيرة ضد الفنانة العراقية آلاء حسين لأنها تحولت من الانتماء الفني لمدرسة النظام السابق، الى الانتماء الى مدرسة تمثل غالبية المجتمع العراقي المعارض لذلك النظام، وهي مدرسة العقيدة والايمان بقيم السماء، ولإخفاء جوهر المرض الأيديولوجي (الفايروس)، تم طرح مقولة: "العقيدة أم الوطن"، بمعنى أن هذه الفنانة كانت تؤمن بالوطن فيما مضى من الزمن، ثم اتخذت مواقف معينة جعلتها تبيع هذا الوطن للحصول على العقيدة! 

ولا علينا بالجدل الدائر حول هذه المقولة، وما كان رد الفنانة الحائزة على سمعة طيبة لدى المشاهد العراقي، إنما المهم مطاردة فايروس الصنمية القاتل وغير المحسوس، فأيّ مؤسسة إعلامية هذه، ومن يقف خلفها من تيار فكري صاخب، تظهر هذا الارتجاج بسبب انتقال فنانة أو فنان من مكان الى آخر! وهل يتوقف هذا التيار الفكري على شخص بعينه؟ أو انه يعدّ الافراد المؤمنين به كما يعد البخيل الدراهم في زاوية مظلمة من بيته؟! 

أثبتت التجارب أن أولى علائم الهشاشة في أي تنظيم أو تيار ثقافي او فكري في الساحة، خشيته من تفرّق الافراد من حوله، لأنه يعتمد على الأسماء، والطاقات المتوفرة، قبل الاهتمام بالقاعدة الفكرية الرصينة التي يفترض أنها هي التي تخرج أولئك الأسماء، وتنمي الطاقات والمواهب وفق منظومتها الفكرية الخاصة، وللتعويض عن هذه الهشاشة يضطر أصحاب هذا اللون من الأيديولوجيا الى العنف الفكري بالتسقيط والتشويه وإشهار سلاح الإشاعة، وفي مرحلة لاحقة؛ العنف الدموي كما لاحظنا في تاريخ حزب البعث العراقي، بينما نلاحظ بالمقابل تجربة في قلب أوربا، وهي تجربة الحزب النازي في المانيا الذي ولد من رحم المجتمع الألماني في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، و رغم أن تاريخ هذا الحزب تخلل حرباً عالمية كارثية ومدمرة كلفت أوربا والعالم ملايين القتلى وخسائر مادية لا تُعد، بيد أن مبادئ هذا الحزب القومي ما تزال تتوارثها الأجيال في المانيا رغم القيود القانونية عليهم، بيد أن الأفكار التي كان قاد بها هتلر الحرب العالمية الثانية ما تزال حيّة في نفوس بعض المواطنين الألمان وعدّها أكثر صواباً دون أن يضطروا لتصفية أي شخص تنحّى عنهم واتخذ لنفسه طريقاً آخر. 

وهذه مشكلة جميع الأيديولوجيات التي وقفت بالضدّ من العقيدة والايمان عندما يغيب عنها –او ربما هي لا تفهم هذا- العلاقة العضوية بين ما هو مادي وما هو معنوي، وبين العلاقة بين قيم الدين النازلة من السماء، وقيم الإنسانية النابعة من الفطرة ومن ذات الانسان، لذا نجد القيم الأخلاقية والدينية مع القيم الإنسانية تشكل منظومة واحدة تقود الحياة بشكل انسيابي وعفوي مثل جريان مياه النهر، ولذا فان تحوّل هذا الفنان، أو ذاك الأديب، أو هذه الشخصية العلمية والفكرية، من جانب الصنمية الأيديولوجية الى رحاب القيم والمبادئ يُعد نوعاً من اكتشاف الحقيقة كما يؤكدون هم بأنفسهم في أحاديثهم في مناسبات مختلفة، وهذا يُعد نقطة إيجابية تُحسب لصاحبها، فيما يبقى الضجيج الإعلامي و الفيسبوكي، والحرب النفسية ومختلف وسائل التسقيط والتخوين مثله كمثل غثاء السيل لا يبرح ان يتلاشى في الهواء ويبقى في الأرض ما ينفع الناس. 

اضف تعليق