التعامل الذكي من ابناء الجالية المسلمة، واحترام القوانين والأعراف في المجتمعات الغربية بشكل عام، يجنّبهم ظهور احزاب متطرفة، او إثارة مشاعر الكراهية والعنصرية بسبب بعض التصرفات الفردية السيئة، كما حصل في السويد بتأسيس حزب ديمقراطيو السويد قبل ثلاثين عاماً استجابة لاستياء الناس من تلكم التصرفات...

بمرور الزمن، تزداد الحاجة لدور ايجابي بناء للجالية الاسلامية في بلاد الغرب، وحضور فاعل في الساحة السياسية والاجتماعية بما يعزز مكانتها الاجتماعية المميزة بين سائر الجاليات نظراً لما تحمله من قيم أخلاقية وانسانية عظيمة، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى وأكثر أهمية؛ محاولة تقليل التأثيرات السلبية السريعة من التطورات السياسية التي تلقي بظلالها دائماً على هذه الجاليات المقيمة منذ عقود طويلة في البلدان الاوربية واميركا الشمالية واستراليا، فمهما فعل ابناء الجالية المسلمة في الغرب، يبقون في عيون الحكومات على خيط صلة بأصولهم وانتماءاتهم، ومجتمعاتهم الأم، ولذا رصاصة واحدة تُطلق في الشرق الأوسط، يسمع ابناء الجالية صداها في اوربا واميركا الشمالية، وفي جميع انحاء العالم.

التحدي الأكبر للجاليات المسلمة؛ الاندماج، وقد أثير حول هذه المسألة لغطٌ كثير وتفسيرات عدّة طيلة السنوات الماضية، كون هذه الجالية تحمل معها تقاليد وتعاليم خاصة لا يتوافق الكثير منها مع ما موجود في البلد الذي تعيش فيه، وفي مقدمتها؛ الحجاب، والتربية الأسرية، بيد أن الأجواء الديمقراطية تُعد فرصة ذهبية للمشاركة في القرار السياسي بما يضمن حقوق هذه الجالية المقيمة منذ عقود من الزمن، ويبعد التأثيرات السلبية لفكرة الاندماج، كما حصل في مملكة السويد في الآونة الاخيرة عندما اتفقت كلمة الغالبية العظمى من الجالية المسلمة لمساندة أحزاب المعارضة التي شاركت في الانتخابات الاخيرة بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهي احزاب تحمل أفكار تدعو الى السلم المجتمعي، والتعددية، واحترام حقوق الانسان، بالنقيض من تحالف يمين الوسط الذي يضم الحزب الحاكم، وايضاً؛ حزباً يدعو الى الكراهية والعنصرية ومعاداة المهاجرين؛ (ديمقراطيو السويد)، تحت شعارات شعبوية بدعوى "الوطنية"، وكانت آخر النتائج المعلنة للانتخابات الاخيرة فوز كتلة المعارضة، ولو بفارق ضئيل، بيد أنه يمثل علامة نجاح متميزة سُجلت للجالية المسلمة بدخولها المؤثر كأول مشاركة ناجحة في العملية الديمقراطية بالسويد.

لا أجدني بحاجة الى الخوض في المناهج الفكرية لهذه الاحزاب، فهي تتنافس على تلبية مطالب وطموحات الشعب السويدي، ولا يعنيها كثيراً حقوق وثقافة ابناء الجالية القادمة من البلاد البعيدة، إنما المهم بالنسبة لنا البحث عن "أحسن السيئين"، كما عبّر أحد الأخوة الناشطين في السويد في حديث خاص معه حول مشاركة المسلمين الاخيرة في الانتخابات البرلمانية، للحصول على القدر المطلوب من حقوقهم خلال عملية تشريع القوانين في البرلمان بما لا يتعارض مع هويتهم الاسلامية.

عقدة الديكتاتورية في أجواء ديمقراطية

السويد، مثل أي بلد غربي آخر استقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين الهاربين من جحيم الحروب الأهلية والممارسات الديكتاتورية، لاسيما في البلدان الاسلامية والعربية، وبدلاً من أن يتكيّف الانسان المهاجر مع الأجواء الجديدة؛ اجتماعياً وسياسياً، فان الملاحظ أنه لا يبرح يستذكر العنف والقسوة والتحقير والتنكيل الذي عاشه في بلده، لذا فان شريحة كبيرة منهم يجدون الكفاية في حصولهم على المأوى الآمن، ومستلزمات الحياة العادية من غذاء ودواء وتعليم، الى جانب الوثائق التي تحترم شخصه وكيانه، فلا يجدون حاجة لإتعاب أنفسهم في مشاركة بقية المواطنين في اختيار المسؤول عن ضمان حقوقهم، وما هي الافكار التي يحملها؟ وهذه بحد ذاتها تشكل إحدى الثغرات الخطيرة في علاقة المهاجرين بالمواطنين من أهل البلد، علماً أن من نتحدث عنهم بالمهاجرين يحملون جنسية البلد، ولهم حقوق و واجبات أسوة بسائر المواطنين، وثمة عدد كبير من هؤلاء عاشوا فترة طويلة في السويد ولهم أبناء ولدوا وترعرعوا بفضل الرعاية والدعم الحكومي في إطار القوانين والتشريعات الموجودة، ويتجاوز عدد افراد الجالية المسلمة في السويد بحوالي مليون نسمة، وحسب ما ذكره الاخ المتحدث من السويد بأن حوالي ثمانمائة ألف من المسلمين لهم حق المشاركة في هذه الانتخابات. 

الاندفاع نحو صناديق الاقتراع في الانتخابات بالسويد من قبل الجالية المسلمة جاء على خلفية تصاعد حدّة الدعوات للتضييق على المسلمين و التوعّد بسن قوانين تشدد الضغوط عليهم وتحرمهم من حقوق تحفظ هويتهم الدينية، ويحمل لواء هذه الحملة الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم حالياً، والذي يلوّح بمساندة الحزب المتطرف (ديمقراطيو السويد) اذا فاز في الانتخابات ومنحه حقائب وزارية لجذب اهتمام شريحة من الشعب السويدي المتبرّم من وجود المسلمين في المجتمع السويدي.

وللحؤول من تدهور مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، اتفقت كلمة المسلمين هذه المرة بفضل تعبئة اعلامية مكثفة من ناشطين مسلمين للتثقيف على مساندة كتلة المعارضة بزعامة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي تتزعمه مجدلينا اندرسون، وهي امرأة تنحدر من أصول ايرانية فكان لهم الإسهام في حصولها على 176مقعداً في البرلمان مع احزاب اخرى في كتلتها الانتخابية، مقابل 173 للاحزاب اليمينية المتطرفة، علماً أن هذه السيدة تولت رئاسة الحكومة السويدية بين عامي 2012 و 2022، وقد صرحت بأنها تطمح للعودة الى رئاسة الحكومة ثانية. 

تكرار التجربة الناجحة 

التجربة الديمقراطية والمشاركة السياسية للجالية المسلمة في السويد جديرةٌ لأن تتكرر عند أبناء الجالية المسلمة في كل مكان لتكون المنطلق الرصين لمشاركة سياسية مؤثرة في صنع القرار، فربما يتصور البعض بأن الإقامة في هذه البلدان بعد الحصول على الجنسية، وفرصة العمل، والحقوق المدنية كاملة، يغنيهم عن التفكير بأشياء اخرى، بيد أن الرؤية البعيدة والشمولية للحياة هناك تحفّز على البحث عن ضمانات لمستقبل افضل للابناء والأحفاد.

والخطوة الأولى والأساس؛ مد جسور العلاقة بين المؤسسات الثقافية والدينية للجالية مع المنظمات والجمعيات المهنية، والاحزاب السياسية، وتنظيم ندوات مفتوحة لتوفير فرصة تبادل الأفكار والآراء بين افراد الجالية وبين نواب في البرلمان، او المجالس المحلية، او مسؤولين حكوميين آخرين، وهذا من شأنه إعطاء انطباع رائع عن وعي جماهيري للجالية إزاء الاوضاع الراهنة في البلد، وأنهم يتشاركون مع سائر المواطنين همومهم وحرصهم على حفظ الأمن والاستقرار والنظام العام.

إن التعامل الذكي من ابناء الجالية المسلمة، واحترام القوانين والأعراف في المجتمعات الغربية بشكل عام، يوفر لهم امتيازين اساس في حياتهم في الغرب؛ 

الاول: الحدّ من ظهور احزاب متطرفة، او إثارة مشاعر الكراهية والعنصرية بسبب بعض التصرفات الفردية السيئة، كما حصل في السويد بتأسيس حزب ديمقراطيو السويد قبل ثلاثين عاماً استجابة لاستياء الناس من تلكم التصرفات، وظهر هذا الحزب على أنه يمثل ضمير المجتمع السويدي، ويلبي ارادته بتقليل وجود المسلمين في المجتمع السويدي، او التضييق عليهم بقوانين مشددة لكبح جماحهم! وهذا الحزب المتطرف تمكن بعد نشاط انتخابي واسع من الدخول في البرلمان قبل اربع سنوات الى جانب الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم. 

الامتياز الثاني؛ وهو الأهم، إيصال رسالة بليغة الى الشعوب الغربية تنقض الدعاية والتلقين والتزييف الاعلامي المكثف ضد المسلمين بأنهم رعاة إرهاب وعنف و فوضى، وهذه الصورة الايجابية من شأنها خلق حالة من الاحترام في نفوس المواطن السويدي والبريطاني والالماني وغيرهم رغم حملات التشويه والتحريض من قبل جهات عدّة لا تريد للمسلمين العيش بأمان وهم يحملون عقيدتهم وقيمهم برعاية القوانين الغربية.

اضف تعليق