يناقش المقال موقف مصر من احتمال الانخراط في الدفاع عن السعودية خلال المواجهة مع أنصار الله، ويحلل دوافع القاهرة الاقتصادية والإقليمية والأمنية، إلى جانب الضغوط المحتملة المرتبطة بالعلاقات الخليجية والأميركية. كما يستعرض حدود الدور العسكري المصري، وذاكرة حرب اليمن، والكلفة الداخلية للتدخل، وينتهي إلى ترجيح المسار السلمي باعتباره...
لم تمرّ كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في حفل تخرّج الكليات العسكرية يوم السبت ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ مرورًا عابرًا، فقد أعلن أن مصر لن تسمح بالمساس بأمن السعودية، وأنها ستنفّذ أي إجراء لحمايتها والدفاع عنها طبقًا لتوجيهات الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، داعيًا مجلس النواب إلى الانعقاد في جلسة طارئة ليمنح التفويض اللازم إذا طُلب ذلك. غير أن ما أثار الجدل لم يكن الاستعداد للدفاع عن دولة شقيقة بقدر ما هو الصيغة التي قيل بها، إذ بدت العبارة وكأنها تعلّق قرار الحرب المصري بإرادة عاصمة أخرى، وهو أمر يمسّ صورة دولة بحجم مصر وتاريخها قبل أن يمسّ سياستها الخارجية، ويضع الرئيس في موقع المُذعن لا الشريك.
تزداد هذه العبارة غرابة حين توضع في سياقها، فالقاهرة حافظت، منذ اندلاع المواجهة الأخيرة بين الرياض وأنصار الله، على مسافة واضحة منها، واكتفت ببيانات التضامن والدعوة إلى الحل السياسي رغم محاولات متكررة لجرّها إلى الميدان، بل إنها حتى في عام ٢٠١٥، حين أعلنت مشاركتها في «عاصفة الحزم»، أبقت دورها الفعلي محدودًا بمهام بحرية لم تتجاوز حماية الممرات. ومن هنا يغدو السؤال مشروعًا عن طبيعة الضغوط التي نقلت السيسي من الحذر الطويل إلى هذا الاندفاع المفاجئ.
لعلّ الخطاب نفسه يكشف أول خيوط الإجابة، إذ استعاد السيسي ما قدّمه الخليج لمصر بعد عام ٢٠١٣ من نفط وغاز وقمح، داعيًا المصريين إلى ألا ينسوا ذلك. وهذا الاستدعاء يرجّح أن الورقة الاقتصادية الخليجية هي الأثقل وزنًا، فالاقتصاد المصري المثقل بالديون يعتمد على الودائع والاستثمارات الخليجية، كما يعمل ملايين المصريين في السعودية ودول الخليج، وتحويلاتهم من أهم مصادر العملة الصعبة، ما يجعل أي تلويح، ولو ضمنيًا، بتقليص الاستثمارات أو التضييق على العمالة المصرية ضغطًا لا تستطيع القاهرة تجاهله في ظرفها الراهن.
إذا كانت الورقة الخليجية بهذا الوضوح، فإن الضغط الأميركي المرتبط بالمساعدات العسكرية البالغة نحو مليار وثلاثمئة مليون دولار سنويًا يبدو احتمالًا أضعف، لأن واشنطن نفسها رفضت، في أيلول الماضي، طلب ولي العهد السعودي الانخراط في الحرب، وتراجع الرئيس ترامب عن ضربات كانت جاهزة للتنفيذ. غير أن ذلك لا يلغي دورًا أميركيًا من نوع آخر، فواشنطن التي لا تريد خوض الحرب بجنودها قد تشجّع حلفاءها الإقليميين على حمل العبء عنها، وتلك سياسة مألوفة في إدارتها لأزمات المنطقة.
إلى جانب هذين المسارين، تبرز عوامل إقليمية لا تقلّ أهمية، أبرزها التحاق باكستان وتركيا بالرياض ضمن اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والتزامهما في الخامس من تشرين الأول بإرسال قوات إلى المملكة، فلم تشأ القاهرة أن تبدو غائبة عن اصطفاف يتشكّل حول أكبر داعميها. يُضاف إلى ذلك أن لمصر مصلحة مباشرة في أمن باب المندب، بعدما تضررت عائدات قناة السويس كثيرًا من اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما قد يُقدَّم للرأي العام مسوّغًا للتدخل.
غير أن فهم دوافع القاهرة لا يجيب عن سؤال آخر لا يقلّ أهمية، وهو: ما الذي يمكن أن يضيفه هذا التدخل للسعودية فعلًا؟ فقد حرص السيسي على القول إنه لا يتحدث عن حرب، بل عن حماية، ما يرجّح أن يقتصر الدور المصري على الدفاع الجوي والانتشار البحري داخل الأراضي السعودية ومياهها، دون إرسال قوات برية إلى اليمن. ولهذا الحذر جذور عميقة في الذاكرة المصرية التي لم تنسَ تجربة الستينيات، حين زجّ جمال عبد الناصر بعشرات الآلاف من الجنود في جبال اليمن، فخسر منهم الآلاف واستُنزف الجيش حتى وصل منهكًا إلى هزيمة حزيران ١٩٦٧، فصارت تلك الحرب تُوصف بأنها «فيتنام مصر».
فإذا استُبعد الخيار البري لهذه الأسباب، فإن الاكتفاء بالطيران لن يضيف شيئًا يُذكر، فالسعودية تقصف منذ أسابيع دون أن تحقق تقدمًا حاسمًا، وقبلها شنّت الولايات المتحدة عام ٢٠٢٥ حملة تجاوزت ألف غارة، ثم أوقفتها باتفاق تهدئة دون أن تكسر أنصار الله. وبذلك يبدو التدخل المصري، في أحسن أحواله، دعمًا معنويًا للرياض أكثر منه تحولًا في موازين الميدان.
لكنّ محدودية المكسب الخارجي تقابلها كلفة داخلية قد تكون باهظة، فالدستور المصري يشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب لإرسال القوات في مهام قتالية خارج الحدود، وحتى لو مرّ التفويض في برلمان تهيمن عليه الأغلبية الموالية، فلن يمرّ بالسهولة ذاتها في الشارع. فشرائح واسعة من المصريين ترى أن وراء هذه الحرب أصابع أميركية وإسرائيلية، وتنظر إلى اليمن بتعاطف؛ لأنه وقف إلى جانب غزة حين صمت كثيرون، والشعب المصري المعروف بأصالته وعمق حضارته لا يرضى أن يكون أداة في حرب يراها ظالمة. ولذلك، فإن زجّ جيشه فيها قد يفتح شرخًا في وحدته الوطنية، ويستنزف المؤسسة العسكرية التي تشكّل صمام أمان الدولة، في وقت تتربّص فيه إسرائيل بمصر وتراقب جيشها عن كثب.
أمام هذه الحسابات المعقدة، يبدو الأجدى للرياض أن تراجع خياراتها بدل البحث عن جيوش الآخرين، فالمملكة التي اعتادت الاستعانة بالحلفاء وتمويل القوى المساندة لها ليست مرغمة على مواصلة حرب أنهكتها أحد عشر عامًا دون أن تحقق أهدافها، وخصمها يعلن أن مطلبه رفع الحصار وكفّ الأذى عنه وتنفيذ خارطة الطريق الأممية التي أُعدّت في كانون الأول ٢٠٢٣. وإذا كانت الولايات المتحدة، بكل ما تملكه من قوة، قد آثرت التهدئة ثم تجنّبت جولة جديدة، وإسرائيل لم تحسم بغاراتها شيئًا، فمن الخطأ أن تعوّل الرياض على مصر وباكستان وتركيا لتحقيق نصر عجز عنه الأقوى. أما جنوحها إلى السلم، فهو أقرب الطرق إلى أمنها، وأقلها كلفة على المنطقة وشعوبها.



اضف تعليق