يناقش المقال مسار العلاقات بين العراق ودول الخليج منذ سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بالحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت وما بعد عام 2003، وصولًا إلى مرحلة الانفتاح التدريجي. ويبرز أثر الأمن الإقليمي والنفوذ الإيراني ومكافحة الإرهاب في تشكيل العلاقة، مؤكدًا أن مستقبلها يرتبط باستقلال القرار العراقي وتجاوز هواجس الماضي...

العلاقة بين العراق ودول الخليج العربي مرت بمسار طويل ومعقد يشبه رحلة في صحراء مليئة بالمنعطفات والرياح المتغيرة، فهي لم تكن يومًا علاقة مستقرة، بل ظلت تتأرجح بين لحظات الدعم والتقارب وبين فترات القطيعة والشكوك. منذ سبعينيات القرن الماضي، حين كان العراق يسعى إلى دور قيادي في النظام العربي، وجد نفسه في مواجهة تنافس مع بعض دول الخليج التي رأت في صعوده تهديدًا لمعادلاتها التقليدية. ومع ذلك، ظل العراق جزءًا من المنظومة العربية، يشارك في القمم ويطرح رؤيته حول الأمن الإقليمي.

المنعطف الأكبر جاء مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، حيث تحولت دول الخليج العربي إلى داعم أساسي للعراق، إدراكًا منها أن سقوط بغداد آنذاك كان سيعني تمدد الثورة الإيرانية إلى عمق الخليج. لكن هذا الدعم لم يكن بلا حساب، فقد ترك آثارًا على طبيعة العلاقة، إذ شعر العراق أنه قدّم نفسه كدرع للأمن الخليجي دون أن يحصد ما يكفي من الاعتراف بدوره القيادي. 

ثم جاءت أزمة غزو الكويت لتشكل الانكسار الأعظم في هذه العلاقة، حيث تحولت دول الخليج إلى جبهة واحدة ضد العراق، وشاركت في الحرب لإخراجه من الكويت، لتدخل العلاقة مرحلة قطيعة طويلة امتدت طوال التسعينيات.

بعد سقوط النظام عام 2003، دخلت العلاقة منعطفًا جديدًا أكثر تعقيدًا، فبعض دول الخليج نظرت بقلق إلى العراق الجديد الذي بدا وكأنه يفتح أبوابه لنفوذ إيراني متزايد، بينما كان العراق يحاول إعادة بناء دولته وسط انقسامات داخلية وصراع على الهوية السياسية. هذا القلق الخليجي انعكس في برود العلاقات الرسمية، وفي تحفظ على الانفتاح الاقتصادي والسياسي، لكن في المقابل لم تنقطع الخيوط تمامًا، إذ بقيت هناك محاولات محدودة للتواصل عبر القمم العربية أو المبادرات الثنائية.

وجدت دول الخليج نفسها أمام واقع جديد، فمع تصاعد خطر الإرهاب بعد عام 2014، أصبح العراق، الذي يقاتل تنظيم داعش، شريكًا ضروريًا في معركة الأمن الإقليمي. وهنا بدأت بعض الجسور تعود تدريجيًا، وظهرت زيارات رسمية، وفتحت سفارات، وأُطلقت مشاريع اقتصادية صغيرة، لكنها لم تصل إلى مستوى شراكة استراتيجية كاملة؛ لأن هواجس النفوذ الإيراني بقيت حاضرة في الذهن الخليجي. ومع ذلك، فإن هذه المرحلة شكلت بداية لإعادة التفكير في العراق كفاعل لا يمكن تجاوزه.

المسار أخذ منحًى أكثر انفتاحًا في السنوات الأخيرة، خاصة مع محاولات العراق أن يقدم نفسه كجسر لا كساحة صراع بين إيران ودول الخليج. فشهدنا زيارات متبادلة، واتفاقيات اقتصادية، ومؤتمرات إقليمية تستضيفها بغداد لتأكيد دورها كوسيط. هذا الانفتاح يعكس إدراكًا عراقيًا بأن استعادة التوازن في علاقاته العربية والخليجية هي شرط لاستعادة عافيته الداخلية، كما يعكس إدراكًا خليجيًا بأن العراق المستقر هو عنصر أساسي في أمن الخليج.

ومع ذلك، يبقى هذا المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة، فالعلاقة العراقية الخليجية محكومة بمعادلة دقيقة بين التاريخ المثقل بالتوترات، والجغرافيا التي تفرض التداخل، والمصالح التي تفرض التعاون، وبين النفوذ الإقليمي الذي يضغط على بغداد ويثير قلق الخليج. لذلك فإن مستقبل هذه العلاقة سيتوقف على قدرة العراق على ترسيخ استقلالية قراره السياسي، وقدرة دول الخليج على تجاوز هواجس الماضي والنظر إلى العراق كشريك لا كتهديد، إذ إن هذه العلاقة أشبه بنهر متعرج يمر بين ضفاف متقابلة؛ أحيانًا يقترب وأحيانًا يبتعد، لكنه في النهاية يظل يجري في مجرى واحد، هو مجرى المصير المشترك للأمن العربي والخليجي.

إن قراءة هذا المسار تكشف أن العلاقة بين العراق ودول الخليج ليست مجرد توازنات سياسية، بل هي انعكاس لتاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. فالعراق، بعمقه الحضاري والجغرافي، لا يمكن عزله عن الخليج، والخليج، بموارده وموقعه، لا يمكنه تجاهل العراق. لذلك فإن كل منعطف جديد في هذه العلاقة ليس سوى فصل آخر في قصة طويلة لم تصل بعد إلى نهايتها، لكنها تظل قصة محكومة بوعي متجدد بأن المصير المشترك أقوى من الانقسامات، وأن الأمن الإقليمي لا يكتمل إلا بتكامل العراق والخليج في رؤية واحدة تتجاوز الماضي وتفتح الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا.

اضف تعليق